آخر تعديل الأربعاء 19 نوفمبر 2014
     
    الموجودون حالياً :
    عـدد الـزوار : 513698

    Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

    Get Adobe Flash player

    التعبئة المعنوية في الجهاد

    أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
     ها نحن ندخل العشر الأواخر من رمضان ، وهذه الأيام كما سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر العتق من النار ، وتعلمون أننا مررنا في الأسبوع الماضي بذكرى بدر ، المعركة الفاصلة ، يوم الفرقان ، يوم البطشة الكبرى ، يوم التقاء الجمعان كما سماها القرآن الكريم . خطر ببالي وأنا أقرأ وقائع هذه الغزوة أو المعركة أو الحرب أو القتال خطر ببالي سؤال وجهته لنفسي ، قلت : لقد تحدث القرآن عن قلة عدد المسلمين وقلة عدتهم ، وبالرغم من كل ذلك فقد انتصروا ، وجاءت في القرآن الكريم آية تصف حال أولئك ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ﴾
    البقرة : 249 والسؤال : ما الذي رفع من طرف أو من أحد طرفي المعادلة ، ما الذي رفع الأقلاء في العدة والعدد ليكونوا الغالبين ، أي شيء وُضِع في كفة هؤلاء حتى رجحت على كفة أولئك الذين كانوا أكثر عدداً وأكثر عدة ؟ الجواب على مثل هذا السؤال ذكره كثيرون وناقشه كثيرون أيضاً ، لكني قلت في نفسي محاوراً : لعل هذه الزيادة التي أضيفت على من هم أقل عدداً وعدة هذه الزيادة التي أضيفت فرجحت كفة أولئك الضعفاء ظاهراً وحازوا النصر هي الاطمئنان القلبي ، أو بالأحرى العدة الداخلية القوية ، الاستقرار في دواخلهم ، الثبات في كينونتهم . لعل الواحد منا حينما يرى شخصين – ولنفرض هذا المثال يتقاتلان – أحدهما أكثر رباطة جأش من الآخر لكنه يمتلك عدة أقل ، والآخر الذي يمتلك عدة أكبر وأكثر سلاحاً أمضى إلا أنه أضعف من حيث رباطة الجأش ، لكنه أقل اطمئناناً في داخله ، لكنه مضطرب في جوّانيه ، لكنه قلق بينه وبين نفسه ، إن سنن ربنا عز وجل تقول : هذا الذي اطمأن داخله ، هذا الذي استقر وثبت باطنه ، هذا الذي كان جأشه قوياً بلا شك سيكون الغالب على الرغم من قلة عدته وسلاحه لأن الجانب المعنوي لا ينكر دوره لا عند المسلمين ولا عند الملحدين ، وكلنا يعلم أن قسماً مهتماً جداً في الجيوش كلها في البلاد الإسلامية والعربية وغير الإسلامية وغير العربية ، هذا القسم يسمى بقسم التعبئة المعنوية ، الإعداد المعنوي ، إنه رباطة الجأش ، إنه اطمئنان الداخل ، إنه استقرار القلب ، هو الذي كان عند المسلمين في بدر أقوى منه عند غير المسلمين ، عند الكفرة في بدر ، كيف يتحصل هذا الاطمئنان ، هذا الاستقرار ، هذه التعبئة المعنوية ، هذا الإعداد المعنوي يتحصل بأربعة أمور ، ولعل غيري يضيف على ذلك ، لكننا يجب أن نبحث في مضمون هذا الإعداد المعنوي لأنه عدة يجب أن تتخذ ولا سيما وأننا أمام عدو يمتلك عدة مالية تفوق كل التي نمتلكها ، وكلنا يعلم أن إسرائيل ومن ورائها أمريكا يملكون العدة المادية بشكل يفوق عشرات الأضعاف ، بل مئات الأضعاف تلك التي نمتلكها ، ولكن هذا لا يعني أن نستسلم ، ولكن هذا لا يعني أن ننتظر حتى نمتلك القوة المادية التي نفوق قوتهم ، وإلا فسننتظر قروناً وسنسابق الريح بأرجل من خشب ، وسنكون كمن يسابق الرياح القوية العتيدة بأرجل من قصب .
     أربعة أمور هي مقومات العدة المعنوية :
     الأمر الأول هو الإيمان بالله ذي الصفات المطلقة ﴿ وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد ، فعال لما يريد ﴾
    البروج : 14 – 16 نحن نؤمن بالله ذي الصفات المطلقة . الله ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ آل عمران : 5 نؤمن بالله العليم الفعال لما يريد الذي لا تخفى عليه خافية ، يعلم ما توسوس به نفوسنا وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، الإيمان بالله ذي الصفات المطلقة . هذا مقوم أول من مقومات الإعداد المعنوي .
     والمقوم الثاني الثقة العظيمة برسولنا عليه وآله الصلاة والسلام ، بقائدنا صلى الله عليه وآله وسلم ، الثقة العظيمة بهذا النبي على أنه معلم ، على أنه موجه ، على أنه قائد ليس فقط في زمنه وإنما قائدنا في كل الأزمنة ، نقف أمامه لنستلهم منه تعاليم الحياة وكانت من خلاله واردة من الله عز وجل ، الثقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمشكلة تتضح عندما ننظر موقفنا اليوم من رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام ، هل نحن موافقون بهذا النبي على أنه قائد نستلهم منه معالم القيادة ، على أنه معلم نستمطر منه شآبيب عطائه ، معطيات التعليم على أنه قدوة وأسوة ، ليس في مجال محدد إنما في كل المجالات ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ﴾
    التوبة : 128 الثقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " أنا قائدكم ، أنا رسولكم ، أنا رسول الشعوب المسلمة وغير المسلمة ، أنا رسول القادة المسلمين وغير المسلمين ، أنا رسول لكل قطاعات الشعب والدولة والحكم ، الثقة بتعاليم وبشخص رسول الله من قبل الرئيس والمرؤوس ، والقائد والمقود ، والمعلم والمتعلم ، والأستاذ والتلميذ .
     نخاطب عساكرنا ، نخاطب جيوشنا ، نقول لهم : إن من تمام العدة المعنوية أن تكونوا دائماً على ذكر لرسول الله ، على أنه قائد ، على أنه معلم ، على أنه هادي إلى سواء السبيل ، على أنه دليل لا ريب في أنه الدليل الصادق الذي لا يحتمل أدنى شك في صلاحيته لقيادة الدنيا منذ كان حياً بجسده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
     المقوم الثالث للعدة المعنوية : الاطمئنان إلى المصير ، ومصير المؤمن رائع ، ومصير المؤمن إلى خير ، ومصير المؤمن جنة عرضها السموات والأرض ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً ﴾
    الكهف : 107 في بدر قاتل المسلمون مطمئنين إلى المصير ، قال لهم قائدهم ورسولهم ورسولنا : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض . قال أحدهم – والقصة معروفة مشتهرة – يا رسول الله : لئن قاتلت فقتلت أأدخل تلك الجنة ؟! قال : ومن يحول بينك وبينها ؟! وكان هذا الصحابي عمير يأكل تمرات في أرض المعركة ، نظر إلى التمرات وقال : لئن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة ، ورمى هذه التمرات وراح إلى ساح المعركة معبئاً تعبئة معنوية ، تعبئة قلبية ، استقر قلبه ، استقر داخله ، اطمأن إلى المصر ، إلى الجنة . لو أنني وعدتك حين تعطي ، قلت لك : أعطِ فلاناً مائة ليرة - وأنت تثق بي – أعط فلاناً مائة ليرة وسأعطيكها ألف ليرة ، كيف سيكون اندفاعك لدفع المائة ليرة أو مئات الليرات ؟ كيف سيكون اندفاعك لو قلت لاثنين من يعطي منكم مائة ليرة فسأدفعها له ألف ليرة ، لو قلت هذا وكنت مصدَّقاً لديكم سيتسابق الاثنان أيهما سيدفع قبلاً هذا أم ذاك ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض ﴾ آل عمران : 133 وهؤلاء الذين قاتلوا في بدر سارعوا لأنهم اطمأنوا إلى المصير . ثالث المقومات للإعداد المعنوي بعد الإيمان بعد الإيمان بالله والثقة برسول الله ، لا وربك لا يؤمنون لأنه من تمام الإيمان الثقة برسول الله ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ﴾ النساء : 65 .
     رابع المقومات التعبئة المعنوية ، توحيد جهة التأثير ، من الذي يؤثر إلا الله ، من الذي يفعل حقيقة إلا الله عز وجل وهو المؤثر المطلق ، وهذا ما علمنا إياه رسول الله من خلال أحاديث كثيرة أهمها ، أشهرها " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف " . ألا ترون أنني أكرر في كل أسبوع في نهاية الخطبة قوله تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ﴾
    الأنعام : 17 ألا ترون أنني أكرر أحياناً بدلاً من هذه الآية قول الله تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ الزمر : 36 ، ( وما النصر إلا من عند الله ﴾ الأنفال : 10 ولذلك الإعداد المعنوي والتعبئة المعنوية يجب أن نعيد النظر فيها بالنسبة لجيوشنا ، بالنسبة لجيوش الدول الإسلامية إن كان ثمة جيوش ، ينبغي أن نعيد النظر في التعبئة المعنوية من خلال تعميق الإيمان بالله ، من خلال تقويم الثقة برسولنا ، من خلال زيادة وتحصين الاطمئنان بالمصير ، من خلال العمل على أن نزرع في نفوس جيوشنا توحيد جهة التأثير ، ليس من مؤثر إلا الله وحده ، هو الذي يعطي ويمنع ، أولستم تسمعون من بعض الخطباء في الخطبة الثانية قولهم : واعلموا أنه لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، ولا يفرق ولا يجمع إلا الله ، أولسنا نسمع هذا الجواب : بلى . لكن أين أثر هذا في نفوسنا ، في حركتنا ، في جهادنا ؟
     أيها الإخوة : شهر رمضان يعمل جاهداً من خلال فريضة الصيام على دعم مقومات التعبئة المعنوية ، الإعداد المعنوي ، فالصيام يهدف إلى هذا ، والقيام يهدف إلى هذا ، وأسأل الله أن يوفقنا إلى أن نعد أنفسنا من أجل أن نعد أنفسنا إعداداً معنوياً ، ولا أنسى الإعداد المادي ، فالإعداد المادي عبادة ، لكنه ليس الإعداد الوحيد ، وإنما الإعداد إعدادان : مادي . يجب أن نسعى لتقويتنا في هذا الميدان ، ومعنوي ويجب أيضاً أن نقوى في هذا المجال مادة ومعنى . ديننا واقعي ، مادة ومعنى ، خلق واستعداد ، سيف وإيمان ، مادة وروح ، منبر وثكنة عسكرية ، مخبر ومحراب لا فصل بينهما ، ومن فصل المادة والروح فصل بين الجسم والحياة ، بين الجسم والروح ، فإن تمحضت المادة كان هذا المخلوق الأسمى مرتداً إلى الحيوان ، وإن تمحضت الروح . لم يعش الإنسان على الأرض خليفة إلا بإعدادين : إعداد مادي وآخر معنوي ، وما يتكلم عن ذلك فكلام ناقص .
     يا رب بدر ، ورب الفتح انصر المسلمين على أنفسهم أولاً الآمرة بالسوء ، الأمارة بالمنكر ، وانصرهم على أعدائهم يا رب العالمين بحق بدر والفتح انصرنا على أعدائنا ، انصرنا على أنفسنا ، اجعل همنا أنت ، اجعلنا مؤمنين بك واثقين برسولك ، مطمئنين إلى مصيرنا الطيب ، معلنين أنه لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي زلا يمنع ، ولا يفرق ولا يجمع إلا أنت ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

     

    طباعة الصفحة حفط الصفحة
    دعائم الجهاد من تطبيقات الجهادلمحة عن تشريع الجهاد ومراحلهالأمراض المعنوية التي تصيب الشباب معالم الصحة المعنوية

    اخي الزائر اختي الزائرة
    لقد وصلنا تعليقك على الموضوع .
    سوف يتم عرضة في الوقت القريب

    جميع الحقوق محفوظة 2001 - 2014