آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
بين الجوع المادي والروحي

بين الجوع المادي والروحي

تاريخ الإضافة: 2001/04/27 | عدد المشاهدات: 1851

أمَّا بعد :
أيُّها الإخوة المؤمنون :
سألني أحدهم وهو أب لأطفال ، قال لي : هل نحن مقصرون تجاه أطفالنا ؟! قلت له : إن السؤال عريض ، 
وما من شك في إن التقصير نسبي وحاصل ، فكلنا ذاك الرجل من حيث التقصير ، كلنا نختلف في نسبته وفي طبيعته أحيانا ، قال لي : حدثني عن بعض هذا التقصير ، قلت له : سأجعل خطبة الجمعة حول هذا الموضوع لأقول : وأنا إذ أقول الآن فإنني أجيبه أصارح نفسي .
إن من جملة تقصيرنا تجاه أولادنا ، إننا أشبعنا أجسادهم وجوَّعنا أرواحهم وملأنا جيوبهم وفرَّغنا روؤسهم ، ربطناهم بالطعام وألوانه ، وأنسيناهم الغذاء اللازم للعقل وأفكاره والنفس الرضية وتطلعاتها ، ربطناهم بالطعام ، وربما نسينا أن نوجههم لضرورة طلب حسن الختام ، ليس هذا هو التقصير جميعا ، لكنني أحببت أن أركز على هذه النقطة لأقول إنها فتنة وخطيئة ، ولنسمع أيها الاخوة تشخيصا لهذه القضية من معلمنا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وآله سلم حينما قال : كما يروي الترمذي وأحمد : " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه " ويروي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل ويكثر من الأكل فقال : " المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء "
أيها الأخوة : في مدارسنا اهتمام بإطعام الطلاب ، في بيوتاتنا اهتمام بإطعام الأولاد ، في أحيائنا مراكز تسوق فيها الأشكال والألوان . ما ان يأتي الصيف وتباشيره حتى يسرع الوالد من أجل شراء ما يشتهيه في الصيف من طعام بارد ، ليكون مع نفسه مع أولاده حسب ظنه : أباً وفياً ، وما أن يأتي الشتاء حتى يسرع هذا الوالد للطعام الشتوي الساخن حتى يكون في نظر نفسه وحسب ظنه وفياً لأبناءه .
وانظروا أيها الأخوة سلاتٍ ترمى فيها القمامة في مراكز التسوق فإنها تملأ وتفرغ في اليوم أكثر من كذا وكذا مرة ، أشبعنا الجسم والجسد ولكننا لم نلتفت للعقل والنفس والروح وهذا خطأ .
ومن جملة التحذير ما جاء على لسان النبي عليه الصلاة والسلام كما يروي البزار إذ يقول صلى الله عليه وآله وسلم : " شرار أمتي من غُذوا بالنعم " أي النعم المادية بالطعام والشراب فحسب الذين يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون بالكلام .إن أخوف ما أخاف على أمتي الشهوات في بطونكم في فروجكم ومضلات الهوى .
أيها الأخوة : إن النبي عليه الصلاة والسلام يحذر من الانهيار أو بداية الانهيار فالطعام الكثير والالتجاء إلى تربية الجسد فحسب ، والعدول عن تربية الروح والعقل والفكر هذا جانب تقصيري نعيشه بل هو الجانب الأهم في رأيي . 
أيها الأخوة : إن رجلا تجشَّأ أمام النبي من كثرة الطعام فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " كف عنا جشأك هذا فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة "هذه هي النتيجة في الآخرة جوع وفي الدنيا ضياع واستهلاك ، شر محدق ، أمة غير منتجة أطفال ينتبه إلى أجسادهم دون عقولهم ، شباب يُحرص على لباسهم دون مضمونهم ، نساء يتوجه إلى أنواع طعامهم وأشكال لباسهم ، دون التوجه إلى ما يشكل الوجود الحقيقي لهن : أي النساء .
أيها الأخوة : لا تظنوا أن الأمر يسير فوالله لو أننا ضبطنا كما قال الحسن البصري قال : " من ضبط طعامه فقد ضبط دينه " وإن المعصية بعيدة عن الانسان الجائع ، قريبة من الانسان الشبعان .
أيها الأخوة : يروى عن الأمام الشافعي انه قال : ما شبعت منذ ست عشرة عاما إلا شبعة واحدة . كم نشبع أطفالنا ؟! كم نشبع أنفسنا ؟!كم نحرص على رجولتنا لتتمثل في ثلاجة مليئة بالطعام والشراب ،كم نحرص يا أخوتي على طعام في وقته ونتساهل في صلاة على وقتها ،كم نغضب إذا تأخر الطعام عن وقته ، وكم نتساهل إذا تأخر درس العلم عن وقته ، كم نسعى لحضور الولائم وكم نتغيب عن حضور ما يعود على أرواحنا وعقولنا بالعزائم ، لقد توجهنا توجها ماديا صرفا إلى أولادنا ، إلى شعبنا ، إلى أمتنا وبالتالي يشكل هذا تقصيرا كبيرا .
أيها الأخوة : أدعوكم إلى دراسة جادة لما كان عليه الأسوة العظمى محمد صلى الله عليه وسلم . فهذا هو البخاري ومسلم يرويان حديثا عن النبي وآل بيته عليهم صلوات الله وسلاما ته يقولون : " ما شبع آل محمد منذ أن قدم محمد المدينة من خبز منذ ثلاث ليال تباعا " ما شبع آل محمد وتروي الزهراء - كما جاء في الطبراني - تروي الزهراء عليها السلام إنها خبزت خبز شعير فاشتهت أن تقدم لوالدها الحبيب الأعظم قطعة منه فقدمت القطعة من خبز الشعير فقال النبي وهو يأكل هذا : " يا فاطمة هذا أول طعام يدخل جوف أبيك منذ ثلاث أيام " . 
ويروي البيهقي أن ابن عمر دخل مع النبي إلى حائط فيه نخيل تمر أي فيه رطب وكان الرطب هذا الذي تحمله أشجار النخيل رديئا فاستعفَّت منه نفس ابن عمر ، وقال يا رسول الله إن نفسي تعافه لأنه رديء فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم له : " أما أنا فاوالله إن نفسي لا تعافه فهذه صبح رابعة لم أذق فيها طعاما " .
أيها الأخوة أرأيتم إلى جانب من التقصير اتجاه أولادنا ؟ أر ايتم كم نسعى من أجل أن نضع ألوانا من الطعام وألوانا من الثياب وألوانا من الشراب ؟ أرأيتم إلى حميتنا الأبوية كيف تتصنع وتتشكل وتتجلى في ميدان مادي فحسب ؟ إن سألت أباً : أمقصرٌ أنت حيال أولادك ؟ قال لك لا 00 أملأ جيوبهم وأملأ معداتهم ، فماذا بعد ، وألبسهم أنواعا وأصنافا من الثياب . إنه أيها الأخوة بهذا الكلام يتحدث عن شلل تربوي وعن شلل خطير وعن عجز خطير ليست هي هذه المهمة فحسب وانما المهمة تكامل وانما المهمة تعويد على المجاهدة وانما المهمة أن تعلم ابنك على أن يؤثر غيره باللقمة التي يأكلها . وبهذا يمكننا أن نتحدث أيها الأخوة الكرام عن تبرعات لإخواننا الذين يحتاجون - لإخواننا في فلسطين - أنا أقول وأظنكم توافقونني لو أن كل واحد منا أختصر نصف طعامه ، وأظن أن النصف الباقي كافٍ له وسيكفيه ، أن كل واحد منا لو اختصر نصف طعامه ونصف شرابه ونصف ثيابه وقدَّم هذا النصف الذي ضحى به ظاهراً قدمه لأخواتنا في فلسطين . اعتقد أيها الأخوة وأظن إن إخواتنا في فلسطين سيكونون متكاملين وستتوافر حاجاتهم . 
إن إخواننا في فلسطين في هذه الانتفاضة التي مر عليها سبعة أشهر أو ثمانية أشهر تقريبا خسروا أكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات ولم نقدم لهم شيئا وكل واحد منا يقول : يا أخي أنا بحاجة ، أنا بحاجة فلا أستطيع أن أقدم لأخواني شيئا . 
أيها الأخوة : قلت على هذا المنبر وفي أكثر من مناسبة ، يمكنك أن توفر من طعامك من غير أن يؤثر على طعامك ويمكنك أن توفر على ثيابك من غير أن يؤثر عليك ويمكنك أن توفر من شرابك من غير أن يؤثر على شرابك ، بإمكانك أن تقدم وتقدم فكل واحد منا ولو كان قليلاً. (درهم سبق مائة درهم أو مائة ألف درهم ) كما قال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام . إن بداية الانهيار لأية أمة في عالمنا كله هو أن تلتفت إلى طعامها وشرابها ، إلى معدتها وأمعائها ، إلى ما يملأ بطونها وتعرض عما يملأ عقولها وفكرها ، وعمَّا يملأ روحها ونفسها وعما يملأ معناها . إن بداية الانهيار أيها الاخوة هو التفات إلى الملذات في الدنيا حتى ولو كانت حلالاً أنا لا أتحدث عن ملذاتٍ حرام ، فتلك محرمة وإن كانت قليلة أو كثيرة ، لكنني أتحدث عن الحلال وإلا ما معنى قوله تعالى : ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) ، إننا أمة مسرفة وتحدثت عن الإسراف في أكثر من موطن أيضا وفي هذا الموطن بالذات وها أنا أعيد الكره ، أوجه الآباء وأتوجه إليهم وأوجه نفسي ، أتوجه إلى نفسي هيا أيها الاخوة إلى رعاية وتقنية وضبط في ميدان الطعام والشراب واللباس ، هيا إلى رعاية وتقنية وضبط في ميدان المادة . فإن الأمة التي تأكل مالا تنتج والتي تتوجه إلى لباس مالا تصنع أمة ضائعة أمة مترفة أمة بطره حُقَّ عليه العذاب وان أمهلت .
أين إنتاجنا ؟! أين تربيتنا الروحية ؟! أين تربيتنا المعنوية ؟! إني لأجد تقصيرا في هذا ومن أجل ذلك أختم بما بدأت به : أقول لهذا السائل الكريم : انه جانب هام في التقصير ولنعش كما كان الحبيب الأعظم يعيش . عاش جوعاً باختياره لم يعش جوعا اضطراريا وهذا الذي ننادي به . نحن ننادي إلى جوع اختياري يقوم على الانفاق ولا ننادي إلى جوع اضطراري الجوع الاضطراري يعني اقتصادا منهاراً أيضا ، وانما الذي ننادي به هو جوع اختياري يا أبناء أمتي : يا أيها المثقفون ! يا أيها الأباء في صفوفكم في مدارسكم في جامعاتكم ! أريدكم أن تتوجهوا إلى الذين ستُسألون عنهم بأمرين اثنين : إلى رعاية العقل وبنائه ورعاية الروح واستقامتها، وإلى التخفيف من التوجه إلى الجسم والجسد والمادة فذلك أمر ، أي إن توجهنا إلى الجسم والمادة أمر خطير . اللهم سلمنا وسلم أرواحنا وأنفسنا المؤمنة واجعلنا من المتقين المؤمنين . نعم من يُسال أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق