آخر تحديث: الثلاثاء 23 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الوحي والوعي

الوحي والوعي

تاريخ الإضافة: 2001/08/24 | عدد المشاهدات: 2607

معاً من أجل بناء الإنسان وإعمار الكون

 

أما بعد ، أيها الاخوة المؤمنون : 
لا أنسى يوم ضمني لقاء مع إنسان ليس بمسلم ، وجرى حديث بيني وبينه ، واستهللت الحديث بقولي : ما أجمل وما أرقى ما يمكن أن يتصف به الإنسان ؟ فقال لي : الوعي صفةٌ راقيةٌ تعبِّر عن إنسان يكاد أن يكون متكاملاً ولم نقل كاملاً لأن التكامل يعني السعي للوصول إلى التمام . طلبت منه - أيها الاخوة - أن يُعرِّف لي الوعي . تداولنا فيما بيننا فقلت باختصار : " الوعي جهاز استقبال على مستوى من الجودة كبير " ولكن أين جهاز الإرسال ومن الذي سيرسل ؟ هل ستأخذ وتستقبل عمن يملك مثل جهازك ؟ فالمستقبل ليس من طبيعته الإرسال وإنما المستقبل مثلك فمن أين ستستقبل ؟ ومن الذي سيُرسل ؟ قلت له على قانون الثنائية : لابد للوعي من وحي فأنا أرى تلازماً بين كلمتين اثنتين الوعي في الإنسان والوحي من الله الخالق ، وبذلك تكتمل الثنائية ( ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ) أن تكون واعياً فهذا لا يكفي ولا بد أن يكون للوعي موضوع ، وموضوع الوعي وحي ، وأن يوحي من غير أن يكون هناك جهاز استقبال فهذا أمر غير مقبول عقلاً ، فلا بد أن يكون هنالك جهاز استقبال وهو أنت أيها الإنسان ، ومن هنا قال ربنا عز وجل ( وتعيها أذن واعية ) تستقبلها أذن واعية تستقبلها أذن هي تعبير عن الإنسان ، لأن الإنسان في أصله خلق ليسمع من الله عز وجل ، فعبَّر عنه بالأذن من باب المجاز المرسل ، فقد غدوت أيها الإنسان أذن صالحة من أجل أن تستقبل من المرسل وهو الله ، ومن أجل أن تستقبل الوحي ، فالوعي والوحي أمران متلازمان ولابد من أن نعطف الوحي على الوعي حتى يتكامل الإنسان وإلا انفصم هذا الإنسان وأصيب بشلل نصفي ومن هنا جاءت الآية صريحة واضحة ( فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) تلقى آدم وهو جهاز استقبال رائع يتصف بالوعي ، وتعيها أذن واعية من أين تَلقَّى الكلمات ؟ من المرسل . فتلقى آدم من ربه بالوحي كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم .
أيها الاخوة : إنها كلمة ينبغي أن تقال ولعل هذا يصلح أن يكون تعليقاً على خطبتنا وهي العلمانية فنحن نخاطب ونتابع أين وعيكم وأين موضوع وعيكم ؟ ثم بعد ذلك ما تقولون عن الوحي هل هو وهم ؟ هل هو جزئي ؟ هل هو فقط من أجل شق فيك أم من أجلك كُلِّك ؟ هل هو من أجل حالة من حالاتك أم من أجل كل حالاتك ؟ هل هو من أجل مسافة عندك أم من أجل كل مسافاتك ؟ ولذلك نخاطب الناس ونقول لهم : الوعي يحتاج إلى موضوع وهو الوحي ، والوحي يحتاج إلى جهاز استقبال وهو الوعي وتعيها أذن واعية .
ولعلك يا متحدثي - وتابعت الحديث معه - قلت له : إني أشترط في الوحي شروطاً كما أشترط للوعي شروطاً ، أما شروط الوحي : فلا بد أن من يكون من الله من الخالق من العليم الحكيم ، مِمَّن يُعلِّمك وممن يعلم متقلبك ومثواك ، من الذي صنعك ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) بلى إنه يعلم . ( فتلقى آدم من ربه ) من الله الذي خلقه وسواه ، ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ) ، ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) تكامل الأمر فأضحى جهاز الاستقبال والإرسال على أكمل ما يمكن أن يكون .
إذاً الشرط الأول في الوحي أن يكون من الله لذلك نقول : إياكم أن تَعُدُّوا شعر الشعراء وحياً ، وإياكم أن تعدوا كهانة الكهان وحياً ، ( ما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا هو بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) القضية واضحة . وما بال بني قومي يستخدمون الوحي في كلامهم مجازاً ولا يستخدمونه حقيقة ؟ ونحن نسمع كلمة الوحي كثيراً اليوم ، فالشاعر يقول استوحيت ، والناثر يقول استوحيت ، وصاحب المبدأ يقول لقد أوحى إلى فلان بذلك ، وكان فلان هو من أوحى إلى فلان . نستخدم الوحي مجازاً ولا نستخدمه حقيقة ، فما بالنا لماذا نستخدمه مجازاً ولا نستخدمه حقيقة ؟ الوحي من الله تنزيل من رب العالمين وينتهي الإشكال .
وأما الشرط الثاني : فأن يكون الوحي رحمة للإنسان . فتِّش عما أوحاه الله إليك لتجده رحمة ، ومن أجل أن تراه رحمة ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ليس للإنسان فحسب وإنما لكل العالم الرحمة صفة مطلوبة للوحي . 
الصفة الثالثة : الهداية . ( قل هو للذين آمنوا هدى ) ، ( آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) إنه هدىً ، وأما أن يكون الوحي مُضِلّاً فليس ذلك بوحي ، الوحي هدى هل أنت مهتد ، فإن كنت تبحث عن الهداية ففي الوحي ( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) يا ربِّ إذ الهدى منك ، إذ الهداية منك . 
الشرط الرابع : أن يكون الوحي حقاً . ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ولا مجال فيه لوهم ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) لاشك فيه ولا لبس ولا غموض ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في ليله ويدعو ربه ويُشهده وأشهد أن محمداً حق ، وأشهد أن النبيين حق ، وأشهد أنك حق ، وأشهد أن الساعة حق ، والوهم لا يفعل في الإنسان الواعي وإنما يفعل في الإنسان غير الواعي ، وإنما الحق هو الذي يلعب الدور الأساسي لدى الواعي ولا وجود للوهم عند من وعى ، وإنما وجود الوهم عند من ادعى وعند من وهم أنه وعى .
هذه هي شروط الوحي : أن يكون من الله ، والرحمة ، والهداية ، والحق .
وأما شروط الوعي : فهل أنت واعٍ إذا حدثني عن حضور قلبك ؟ ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) كثيرون اؤلئك الذين يتحدثون من غير قلب ، اؤلئك الذين يتكلمون من غير مخزون ، يتكلمون بدون أن تستند أقوالهم إلى جذور في قلوبهم تبعث على الاطمئنان ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) أريد أن يكون قلبك حاضراً من أن تكون واعياً ، ولا نريد أيها الاخوة أن يتحدث اللسان من غير حضور قلب ، ولا نريد أن تستمع الأذن من غير حضور قلب ، ويُعبَّر عن حضور القلب لدى الآخرين بالانتباه الكلي ، فلتنتبه بكليتك فإن ذلك يجعل منك إنساناً واعياً وإلا فالوعي قد حسم عندك ، فالوعي لم يكن متكاملاً صحيحاً لديك . إنه شرط أساسي .
لقد غابت قلوب الكثيرين اليوم أثناء كلامهم ، وأثناء سماعهم . نقول لأولئك الذين يريدون أن يأخذوا القوانين من غير الله عز وجل : هل غابت قلوبكم وهي مشبعة في داخلها ؟ ولو سألتم قلوبكم أجابت أن للإنسان رباً تكفله ، وأن للكون رباً خلقه ، وأن للإنسان رباً يربيه . فلا تبحثوا عن سواه من أجل منهاج تأخذونه ومن أجل منهاج تطبقونه ، " استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك " هكذا قال النبي عليه وآله الصلاة والسلام لوابصه . 
وأما الشرط الثاني : فسماعٌ بعقل . اذاً حضور قلب ، وسماع بعقل ، وسماع بتفكير ، وسماع بتيقظ . ولذلك نقول : كثيرون أولئك الذين يسمعون ولا يسمعون ( وما أنت بسمعٍ من في القبور ) كثيرون أولئك الذين ترتل عليهم الآيات لكن عقلهم غائب ، فهم يظهرون على أنهم سماعون ، ولكنهم في حقيقتهم يضعون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم ويُصرون ويستكبرون استكباراً . إنهم في حقيقتهم كذلك ، فاسمع بعقل من أجل أن تسمع الكون كله يردد لا اله إلا الله ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فإن سبَّحت بغيره كنت نشازاً في لحن هذا الكون . إن للوعي شروطاً . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ويسأل عن الرجل : كيف عقل الرجل ؟ ويوم أسلم خالد بن الوليد قال له النبي : يا خالد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير . أن تسمع بعقل تفهم وإن فهمت تصل ، وإن وصلت فأنت عبد إلى ربك بالنتيجة . ورسول الله أقوى مثال و أروع مثال ، إنه سمع ففهم فوصل فتحقق بالعبودية ( سبحان الله الذي أسرى بعبده ليلاً ) . 
الشرط الثالث : عليك أن تسمع وتنصت . والإنصات شكل الوعي يستلزم انصاتاً ، ولذلك قال تعالى ( وإذا قُرِأ القرآن فاستمعوا له و أنصتوا ) استمعوا بعقولكم و أنصتوا بشكل سماعكم حتى تصلوا إلى السماع بالعقل وإلى حضور القلب ، و ليست الكلمتين مترادفتين ، ( وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) من أجل أن يأتي وحي الرحمة إليكم أنتم أيها الناس أيها الباحثون عن الرحمة ، ومن منا لا يبحث عن الرحمة في حياته ومن الذي لا يبغي الرحمة إن في القانون أو في الحياة أو في اللقاء أو في العمل أو في أي ركن من أركان الحياة . 
ولكننا أيها الاخوة لا ننصت وإذا أنصتنا لا نسمع وإذا سمعنا فقلبنا غائب وهذا الذي جعل منا أجهزة استقبال ليست على المستوى ، وهنا يكمن الفرق بيننا وبين الجيل الرائد رضي الله عليهم جميعاً إذ كانت أجهزة استقبالهم على أتم استعداد وعلى أحسن حال ، فقلوبهم حاضرة وعقولهم مفكرة وإنصاتهم إنصات إنسان يسعى من أجل أن يتقابل وأن يتصل الوعي بالوحي واتصل فعلاً . وهذا هو أبو بكر الصديق يُعبِّر تعبيراً رائعاً عن الوعي والوحي في قصة الإسراء . يا أبا بكر انظر صاحبك - وصاحبه ما ينطق عن الهوى - يقول ويَدَّعي انه أسري به في ليلة واحدة إلى بيت المقدس وعاد . قال الصديق الواعي : إن كان قالها فقد صدق . لأنه يتعامل مع الوحي بوعي و أخشى أن تكونوا ناقلين غير أكفاء في هذا النقل . لذلك أقول إن كان قالها فقد صدق وعيك يا سيدنا يا أبا بكر في استقبال الوحي يكاد أن يكون فريداً وأنت الذي عبرت عن وعيك في استقبال الوحي يوم انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى فقرأت الآية الكريمة بحضور قلب وسماع عقل وإنصات جسم قلت : (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) يقول سيدنا عمر وكأني اسمعها لأول مرة . أما الصديق رضي الله عنه فَوَعى فكان صِدِّيقاً وعن وحيه فكان رائدا في مجال العطاء . 
أيها الاخوة : وباختصار شديد لا بد للوحي من وعي . قولوا هذا لكل الدنيا ، وهنالك الوحي الحق وهنالك الوعي الذي يستلزم هذا الوحي لا انفصال بين الأمرين . فيا دعاة غير الإسلام ستسقطون لأنكم تتجهون إلى الإنسان على أنه وعي ووحي ، وهذه مغالطة ، وسيرتفع بعون الله اؤلئك الذين يقولون الوحي من ربنا والوعي منا . 
يا ربنا اجعلنا ممن تعي آذانهم وسلِّم قلوبنا من أجل أن تكون حاضرة ، وعقولنا من أجل أن تكون سامعة . وسلمنا جميعا من أجل أن نكون على الوعي الذي يطلب وحياً . نِعمً من يسأل أنت ونعم النصير أنت والحمد لله رب العالمين

التعليقات

شاركنا بتعليق