آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
دعوة إلى الرحمة

دعوة إلى الرحمة

تاريخ الإضافة: 2006/01/13 | عدد المشاهدات: 3003

أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون:

نظرت فيما يطلبه العباد من ربهم فوجدت أكثر ما يطلبون الرحمة، ونظرت إلى صفات الله التي يذكرها العباد فوجدت أكثر الصفات ذكراً الرحمة، ونظرت إلى أكثر صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكراً من قبل الناس فوجدتها الرحمة. قلت في نفسي إذا كان العباد يطلبون الرحمة ويذكرون الرحمن الرحيم ويصلون على الرؤوف الرحيم بهم فلماذا إذاً لا يرحم بعضهم بعضاً؟ لماذا تطلب من ربك الرحمة وتكثر من ذكر الرحمن الرحيم بصفتي الرحمانية والرحيمية؟ ولماذا تكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصفاً إياه بالرحمة ثم بعد ذلك أراك تعدل عن أن تكون رحيماً بالناس؟ عن أن تكون رحيماً بإخوانك...؟ بالأشياء بالكون بالحيوانات بالجماد؟!

عجباً لك أيها المسلم لذلك قلت في نفسي: ما أجمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرحيم فلقد ذكره ربه جلت قدرته عندما قال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء: 107، وكذلك قال عنه ربه جلت عظمته: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم التوبة: 128، ولقد قال عنه ربه أيضاً جلت قدرته: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الأحزاب: 6، رحمة وعطفاً وعطاءً والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن نفسه كما جاء في صحيح الإمام مسلم: "إنني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة" ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسلم: "أنا نبي الرحمة وأنا نبي التوبة" والتوبة من معطيات ومفرزات الرحمة. وقرأت عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم قرأتم لا شك في ذلك ولا ريب ما رواه الإمام أحمد في مسنده عندما قال: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه –تخلقوا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليقل بعضنا لبعض أنا أولى بك من نفسك– من ترك ديناً فإليَّ– أي رسول الله يؤدي عنه دينه– ومن ترك مالاً فلورثته" تخلقوا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان الرحمة واللطف والعفو والمغفرة والعطاء وكلنا يعلم أيضاً أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال كما جاء في البخاري: "إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز –فأسرع– لما أعلم من شدة وجد أمه عليه" فليرحم بعضنا بعضاً، ولنذكر أيضاً ما رواه الشيخان عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل عليه الأقرع بن حابس فوجده يقبل الحسن أو الحسين أو كليهما قال له الأقرع: يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم! فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "أوأملك لك إن كان الله قد نزع من قلبك الرحمة من لا يَرحم لا يُرحم" فلنرحم بعضنا وليرحم كلنا كلنا ويروي الترمذي أنه لما استشهد عثمان بن مظعون وضعه رسول الله في حجره وبكى، بكى عليه الرحيم به الحاني عليه، بكى عليه حتى سالت  دموع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على خد عثمان بن مظعون.

لم لا يرحم بعضنا بعضاً؟ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رحيماً باليتيم فقد روى البخاري أن رسول الله قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" وأشار بالسبابة والوسطى.

وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ                   هذان في الدنيا هما الرحماء

 بل أنت أكثر رحمة من الأم والأب يا رسول الله يا أيها الرحيم بالناس كافة إني لأردد باستمرار، وما أشبع من عاطفة طيبة وأنا أسمع وأردد وأقرأ هذا الحديث الذي يرويه البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "رأيت النبي عليه وآله الصلاة والسلام يحكي نبياً من أنبياء بني إسرائيل ضربه قومه حتى أدموه فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" وفي رواية "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

وحض سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرحمة بالحيوان وقد قرأنا ونحن صغار حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرويه البخاري: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت" فليرحم بعضنا بعضاً. يا ناس تطلبون من الله الرحمة لكم فاطلبوها لغيركم من إخوانكم، فاطلبوها لبلدكم، فاطلبوها للحيوانات، فاطلبوها للجمادات، تذكرون الرحمن الرحيم رباً فاذكروا الرحمن الرحيم ليرحمكم وليرحم إخوانكم، إخوتكم، مواطنيكم، بلدكم. سلوا ربكم الرحمة لكم ولكل الناس وتخلقوا بأخلاق الله، ليرحم الوالد ولده، والولد والده، والأم ابنتها، والبنت أمها، والأخت أختها وأخاها، والأخ أخاه وأخته، والصديق صديقه، والمدير الموظف عنده، والحاكم القاضي ليرحم متهمه، وليرحم الضابط جنديه، وليرحم بعضنا بعضاً، ولنرحم إسلامنا. علينا أن نقدم إسلامنا إسلام رحمة ويسر وبشر وبشارة وتيسير وتبشير، حدثني اليوم شاب في خدمة العلم قال لي: إن الضباط إذ يخاطبوننا –طبعاً يتكلم عن ضباطه أو عن بعض ضباطه، إن بعض ضباطنا حتى نكون دقيقين مضبوطين- يشتموننا ويكفرون بالله، لا يرحموننا، يقدمون لنا عقوبات لا تتناسب والفعلة التي ارتكبناها. يا ضباطنا، يا هؤلاء: أفيجوز هذا؟! أين الرحمة؟! "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" يا هؤلاء، يا قضاة، يا مسؤولون، يا أئمة، يا شيوخ: ارحموا مستمعيكم وأنتم تسوقون لهم الإسلام، يا كل أفراد مجتمعي: أوتريدون أن تدحروا العدو وأن تكشفوا عنكم ضغوطاً غيمت على سمائكم؟ إذاً ارحموا بعضكم، ارحموا كلكم، فبرحمتكم بعضكم وبرحمتكم أنفسكم وإخوانكم سيدحر ربكم عنكم الظالمين الذين لا يرحمون والذين امتلأت قلوبهم قسوة وعتواً وظلماً وإجراماً: ربكم ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم آل عمران: 159، وبما رحمة من الله لنتم لبعضكم. يا هؤلاء على اختلاف مستوياتكم: اعلموا أنكم –ورب الكعبة- لن تستطيعوا الدعوة إلى الإسلام وأنتم قساة، ولن يدخل أحد منهم في دينكم إن لم تتحلوا في الرحمة، وإن لم تلبسوا ثوب الرحمة من رأسكم إلى أسفل أقدامكم. ليكن كل عضو فيكم متحلياً بالرحمة، فاليد الرحيمة واللسان الرحيم والعين الرحيمة والرجل الرحيمة وكل ما فيكم إن كنتم رحماء من خلاله فإنكم بهذه الرحمة ستدفعون ضراً عنكم وسيدفع ربي عز وجل بهذه الرحمة التي يراها فيما بينكم أضراراً وضغوطاً وتحدياتٍ يحاول الظالمون أن يسكبوها علينا وأن يصبوها علينا.

ومن منطلق الرحمة اسمحوا لي أيضاً باسمكم وباسم كل المسلمين الذين يسمعوننا أو الذين سيسمعوننا أن أقدم التعازي لآل أولئك الذين قضوا وتوفاهم الله عز وجل قبل الحج في الفندق كما سمعنا، وأثناء تأدية المناسك في الرمي كما سمعنا وأولئك لا شك في أن ثواب الشهداء سينالهم. رحمكم الله يا حجاجنا وقد قضيتم وأنتم تؤدون المناسك، وقد قضيتم وأنتم ترجمون إبليس، رحمكم الله وأقول لذويكم ولآلكم ولكل المسلمين: (أعظم الله أجركم، ورحم الله أمواتكم، لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار، فلتصبروا ولتحتسبوا) وكلنا يعلم أن ذاك الذي قضى في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم كما جاء في صحيح البخاري ومسلم: "أن أعرابياً كان محرماً فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" وأنتم يا حجاج يا من قضيتم ونلتم إن شاء الله ثواب الشهداء ستبعثون يوم القيامة ملبين لذلك أقول لكم: رحمكم الله. وفي نفس الوقت اسمحوا لي أن أقول: هنأكم الله لأنكم توفيتم في مكان عظيم مقدس وأخذت الأمانة منكم وأنتم تؤدون مناسك وشعائر الحج رحمكم الله وأجزل مثوبتكم وصبَّر ذويكم وألهمهم السلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أقول هذا القول وأستغفر الله.       

 

التعليقات

شاركنا بتعليق