آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
رسائل من غزة

رسائل من غزة

تاريخ الإضافة: 2008/03/07 | عدد المشاهدات: 3203

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لا يستطيع الإنسان عندما يُلزم بحديثٍ ما أمام جمهرة من بني قومه أن يتجاوز ما يجري حوله، لأن ما يجري حوله ولا سيما إذا كان هذا الذي يجري يُغطي الواقع ويضغط على الأحداث، كلكم سمع بما جرى في غزة من اعتداءٍ أثيم بغيض حاقد، لا إنسانية فيه، ولا صفة فيها شميم خير يمكن أن تُنسب إليه، بل كل الشر فيه.

قررتُ أن أجعل خطبة اليوم نداءً إلى أهل غزة، أقول لهم: صبراً يا أهل غزة، ومن خلالكم صبراً يا أهل فلسطين، ومن خلال فلسطين صبراً يا أيها المستضعفون في العالم كُله. صبراً يا أهل غزة فإنا نأمل أن يكون موعدكم النصر والجنة، صبراً يا أيها الناس الذين تُعذَّبون على مرأى من العالم كُله، تُشردون، تُقتّلون، صبراً فإن موعدكم الجنة، فإن موعدكم النصر. هكذا نأمل من ربنا جلت قدرته، وأردتُ بعد هذا أن أوجِّه باسم أهل غزة، وباسم أهل فلسطين، باسم آباء الأطفال - إن سمحوا لي، وهذا شرفٌ لي - الذين وقعوا ضحايا، باسم أزواج النساء اللواتي سُفكت دمائهن، باسم النساء اللواتي فقدن أزواجهن على مرأى ومسمع من إنسانية، تَعُدُّ في أنسامها المليارات.

أتوجه باسم أهل غزة، وباسم أهل فلسطين إلى الحكام العرب أولاً، وإلى الحكام المسلمين:

يا هؤلاء اجعلوني في مؤتمراتِكم همَّكم الأول، يا هؤلاء اجعلوني في لقاءاتكم هاجسَكم، يا هؤلاء جدولكم وجدول مؤتمراتكم ينبغي ألا يكون فيه أولاً، وثانياً، وثالثاً، ورابعاً... بل ينبغي أن تكون فلسطين وغزة أولاً، وفلسطين وغزة ثانياً، وفلسطين وغزة ثالثاً، وفلسطين وغزة رابعاً، وخامساً... لأن فلسطين هي القضية المركزية كما تقولون. أيها الحكام: أنا مُبرر وجودكم في مناصبكم، أيها الحكام: اجعلوني عامل استقامتكم لأن الله ينصر المستقيمين، واجعلوني عامل نظافتكم وعامل طهارتكم وعامل وحدتكم لأن الله لا ينصر المتفرّقين ولا ينصر المتبعثرين ولا سيما إذا كان هؤلاء المتبعثرون يَدّعون بأنهم ينتمون لآيةٍ قرآنية تقول: (إنما المؤمنون إخوة). يا حكام العرب، يا حكام المسلمين: هذا ندائي لكم، فهل أنتم منتهون عمَّا كان سبباً في ضياعي، وهل أنتم آيبون إلى ما يمكن أن يكون سبباً في إرجاعي ؟ آمل ذلك. إن استجبتم فالشهداء والضحايا مشاعل أنارت لنا الطريق، طريق النصر، وإن لم تستجيبوا فالشهداء لنا يوم القيامة سلوان، لأننا قدّمنا وما قدمتم، وعملنا وما عملتم، لأننا جاهدنا وما جاهدتم، هذه رسالة غزة إلى حكام العرب والمسلمين.

رسالة غزة إلى الشعوب المسلمة والشعوب العربية:

أيتها الشعوب: لا أريدكِ يا شعوبَ العرب، ويا شعوبَ المسلمين، لا أريدكم أن تُعفوا أنفسكم من مسؤوليةٍ ملقاةٍ على عاتقكم نحوي، لا أريدكم أن تُلقوا المسؤولية فقط على الحكام. أيتها الشعوب: اجعلوني همَّكم الأول، اجعلوني هاجسكم، اجعلوني موضع اهتمامكم، اجعلوني عامل وحدتكم أيضاً، اجعلوني عامل تضامنكم، اجعلوني عامل استقامتكم، أريدكم أن تتخذوا مني دافعاً من أجل الاستقامة، فلا أريد فساداً في أخلاقكم، لأنه إن فسدت أخلاقكم فلن تُنصروا ولن تحققوا رجوعي إليكم، فاستقيمي أيتها الشعوب، واستقيموا أيها المسلمون والعرب إن كنتم حريصين أن ينتصر أهل غزة وأهل رام الله وأهل القدس وأهل فلسطين على العدو البغيض.

رسالة إلى المقاومين:

إلى المقاومين في فلسطين، إلى المقاومين في العراق، إلى المقاومين في كل مكان عربي ومسلم في باكستان: أيها المقاومون - هكذا تقول لكم غزة - المقاومة الفعلية العملية في فلسطين، ليست المقاومة في مكانٍ آخر، وإنما المقاومة يجب أن تتوحد لتصبّ كل قواها في فلسطين، أيها المقاومون في العراق: قاوموا الأمريكي، لأن الأمريكي في العراق صهيوني، ولكن إياكم أن تقاوموا بعضكم، وحّدوا المقاومة من أجل أن تتجه سهامها إلى الصهيونية المجرمة، وإلى الأمريكية المتصهينة، وإياكم، أيها المقاومون، هكذا تقول لكم غزة الجريحة التي تنزف دماؤها يوماً بعد يوم، هكذا تقول لكم غزة التي أطاح العدو بأكثر من خمسة وعشرين طفلاً، سفك دماءهم، تقول لكم غزة يا أيها المقاومون: المقاومةُ في فلسطين، يا أيها اللبنانيون: المقاومةُ للعدو الصهيوني، يا أيها العراقيون: المقاومة للعدو ولمن يدعم العدو من المتصهينين المحتلين. لا أريدكم في العراق أن يقاوم السني الشيعي، ولا أريد أن يقاوم الشيعي السني، ولا أريد أن يقاوم المسلم المسيحي، ولا أريد أن يقاوم المسيحي المسلم، لا أريد هذه المقاومة، فهذه تصفيةٌ أرادَ العدو خوضها من غير خسارة، أراد منكم أعداءً لبعضكم، وألهمكم بفسادِ طوية منه، وبسوء نية منبعثة من صدره المملوء دخان فساد.

أيها المقاومون أنا غزة، وغزة تتطلب منكم توحيد الجهود، هذه الجهود يجب أن تواجه إسرائيل، يجب أن تواجه المحتل الذي أعلن عن نفسه أنه محتل، أيها المقاومون اصدقوا الله في مقاومتكم، أيتها الفصائل في فلسطين: عدوكم إسرائيل، لا عدوَ لكم إلا إسرائيل، لا عدو لكم إلا الصهيونية، ولا عدو لكم إلا هذا الذي جثم على صدوركم يبغي إبادتكم ويبغي نسفكم ويبغي القضاء عليكم، وهو لا يفرق بين حماسي وجهادي، وبين فتحي وشعبوي، ولا يميز بين سني ولا شيعي، ولا يميز بين طفل وبين رجل، ولا بين امرأة ولا بين طفلة، وإنما يريد القضاء عليكم مرحلةً مرحلةً، فإن تكفلتم أنتم بالقضاء على أنفسكم بدافع أوجَدَه في دواخلكم، فلنعم التلامذة له أنتم.

رسالة غزة إلى المثقفين في مختلف البلاد الإسلامية والعربية:

أيها المثقفون: لا ثقافةَ من غير فلسطين، ولا فلسطين من غير ثقافة، فلسطين يجب أن تكون محل اهتمامكم الأول، هيا فتحدثوا عن ثقافة فلسطين، عن ثقافة المقاومة، عن ثقافة التحرير، عن ثقافة الحرية، عن ثقافة المواطنة، عن ثقافة المواجهة التي اكتملت باجتماع كل من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وباجتماع كل العرب الذين يعيشون في سورية وفي مصر وفي لبنان وفي كل قطر عربي وفي كل بلد إسلامي. أيها المثقفون: أريد منكم تدعيم ثقافة المواطنة. نحن هنا في سورية مواطنون لا نفرق بين مواطن ومواطن، لنا هاجس فيما يخص الجهاد والقتال، وهاجسنا في الجهاد والقتال العدو الإسرائيلي الذي يُقتّل أبناءنا، ويحصد نساءنا، ولا يرعوي ولا يمتنع ولا يتأفف ولا يتعفف عن قتل طفل في الشهر الأول من عمره، أو طفلةٍ في الأيام الأولى من ولادتها. يا إخوتي في سورية، في مصر، في الأردن، في لبنان، في السعودية: كفاكم أن تُعلنوا الحرب على بعضكم فورب الكعبة إن الحرب المعلنة من بعضكم على بعضكم هي حرب يخطط لها العدو الإسرائيلي منذ فترة طويلة، وقد قال أكثر من مرة إن كان غيرنا - وهم عندما يقولون غيرنا - لأنهم يعتقدون أن سوى اليهودي الصهيوني إنما خُلق على شكل آدمي من أجل أن يكون لائقاً في خدمتهم، ومن أجل أن يكون لائقاً ليكون عبداً ذليلاً لهم، هم يخططون منذ زمن بعيد من أجل التنازع فيما بيننا، فهل تريدون أن تنفذوا يا أيتها الدول العربية والإسلامية مخططاً صهيونياً مجرماً من خلال طائفية رعناء تورث البغضاء فيما بينكم، من خلال عدواتٍ لا يمكن أن يكون إلا الشيطان على مستوى الإنس وعلى مستوى الجن هو الذي أوجدها وهو الذي نفثها كما تنفث الحية سمومها.

أيها المثقفون: أما آن لنا أن نتّحد حول محور ثقافي واحد، أُسّه الأول فلسطين المحررة، لأنه وبكل صراحة ووضوح لا يمكن أن نقدم إسلامنا ولا يمكن أن نقدّم عروبتنا ولا يمكن أن نقدم سوريتنا أو مصريتنا أو أردنيتنا أو لبنانيتنا على ما فيها من قيم وفضائل إذا كانت فلسطين تئن أنين الجريح المثقل بالجراح، تحت وطأة عدو لدود، تحت وطأة عدوٍ صمّم على أن يكون العدو، وسمُّوه ما شئتم، وقولوا عنه ما شئتم، فهو ماضٍ في احتلال أراضيكم، وفي نسفكم من الوجود إن استطاع، وها هو يقدم الدليل تلو الدليل على أنه لا يستقصد ولا يتوجه إلى مُقاتل ولا إلى رجل، ولكن يتوجه إلى الرجل والمقاتل والمرأة والطفل والرضيع والجنين والشجر والحجر...

رسالة غزة إلى الحكام، وإلى الشعوب، وإلى المقاوِمين، وإلى المثقفين. هذه رسالة غزة، هذه رسالة فلسطين يا أيتها الشعوب، يا أيها الحكام، يا أيها المقاومون، يا أيها المثقفون، وأريد في النهاية وهكذا أتصور، غزة تقول، ومن ورائها فلسطين، ومن ورائها الجولان، ومن ورائها مزارع شبعا، ومن ورائها دارفور، ومن ورائها كل مكان احتله العدو البغيض الذي لا يريد إلا الإثم والفتك والطغيان، غزة ومن ورائها وما وراءها تقول لكم: الجهاد في سبيل الله يجب أن يكون، لأن الله عز وجل قال في القرآن الكريم: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ الجهاد في سبيل الله يجب أن يكون، والجهاد لأئمة الكفر يجب أن يكون، والجهاد لأولياء الشيطان يجب أن يكون، والجهاد بمعنى القتال يجب أن يكون لأولي الفتنة، والجهاد والقتال يجب أن يكون للمعتدين، اقرؤوا قرآن ربكم فربكم يقول لكم ذلك: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ قاتلوا أولياء الشيطان، قاتلوا الذين لا يدينون دين الحق بل يدينون دين الباطل، ويريدون أن يعمموا الباطل ليكون بدل الحق ولينتحل عليكم مكان الحق الذي تريدون أن يكون هو الغيمة التي تستمطرون منها النور والعطاء والطمأنينة والأمن. الجهاد والقتال في سبيل الله يجب أن يكون، ويجب أن يكون لأصحاب الفتنة والمعتدين الآثمين والمحتلين البغيضين، والجهاد يجب أن تُعدّ له العدة، وعدة الجهاد عدتان: معنوية ومادية، أما المعنوية: فالإيمان والوحدة ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا﴾ الإيمان بالله، وأنه الناصر ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾. والوحدة لأن الله لا ينصر إلا الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص. والعدة المادية: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ يا غزة، يا فلسطين: نُشهدكِ بأننا مقصرون، بل إننا متخاذلون، ولكن عسانا في هذه المرة أن نكون من التائبين توبة صادقة لتعودي يا فلسطين، ويا أينها الأراضي المحتلة، ويا أيها الشعب المُستضعف المشرَّد، نأمل أن تكون توبتنا هذه المرة توبة صادقة، ونأمل من أولئك الذين سيجتمعون اجتماع القمة في دمشق أن يكونوا على مستوى القضية، وإلا فلا نريد أن نزداد تثبيطاً وكسلاً وتخاذلاً، وها أنذا أقول لسورية حكومةً وشعباً: تابعي طريق المقاومة للمحتل. يا أبناء سورية على مختلف المناصب والمسؤوليات: نريد وحدةً فيما بينكم، يا أبناء سورية نريد لقاءً على خير سورية، ومن أجل سورية، ومن أجل نظافة وطهارة وعفة في سورية. سورية قررت أن تكون على هذا الطريق فلنكن في قرارنا هذا جادين، علينا أن نتعاون جميعاً، أن نأتلف جميعاً، أن يجتمع الأطياف كلهم من مختلف المذاهب وا لأعراق ليشكلوا جسماً متراصّاً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، نريد سورية وحدة متماسكة.

يا أبناء غزة: أعيد الكرّة من القول، نسأل الله أن يجعلنا هذه المرة من التائبين توبة نصوحة فيما يخص موقفنا الذي يجب أن يكون نحوكِ أيتها البلد الجريح، أيتها الدولة الفلسطينية الجريحة.

اللهم إني أسألك بحق الأطفال الشهداء، بحق الرضيع الشهيد، بحق كلّ من سقط ولا ذنب له إلا أنه قال ربي الله، إلا أنه قال هذه أرضي، ولدت عليها ووجدت عليها، وما عهدت لي أرضاً سواها، بحق هؤلاء يا رب ردَّنا إلى دينك رداً جميلاً، وإني لأستحي أن أقول يا رب بحق هؤلاء أرجِع إلينا فلسطين، وإنما أقول وأدعو بحق هؤلاء ردنا إلى دينك رداً جميلاً، ردنا إلى وحدتنا، إلى تآلفنا، إلى تناصحنا، إلى أخوتنا، إلى علاقتنا الطيبة فيما بيننا، حتى نكون كالبنيان المرصوص، عند ذلك فأنا أعلم بأنك تحبنا، وإن أحببتنا فالله ولي من أحب، وإذا كان الله ولينا إذاً فلا خوف علينا ولا حزن.

اللهم إني أسألك بحق أسمائك وصفاتك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 7/3/2008

التعليقات

عبد الكريم

تاريخ :2008/03/08

الى فضيلة الدكتور محمودعكام.لكم المحبة منا على اجتهادكم الدائم لانتقاء مواضيع تلامس وجدان المسلم، وترفع همم المتقاعسين ممن نسوا قضيتنا الأم وهي فلسطين. لكم المحبة قدر ما نحمل لقضيتنا من حماسة.كما اننا نهيب بفضيلة الدكتور وكما عهدناه المزيد من الهمة، ولكم الشكر.

محمد عثمان

تاريخ :2008/03/15

السلام عليكم سيادة الدكتور محمود عكام أولاً: جزاك الله خيراً على هذا الكلام البسيط المفيد الذي يمس وجدان كل عربي مسلم، وصدقني يا دكتور إن هذا شعور كل واحد منا، ونعاهد الله وأهل غزة وأهل فلسطين أن نتوب إلى الله توبة صادقة لنكون لبنة قوية في جدار الدفاع عن حمى الأمة العربية

شاركنا بتعليق