آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً

ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً

تاريخ الإضافة: 2009/05/08 | عدد المشاهدات: 3034

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، ويا أيها الإخوة المصلون، ويا أيها الإخوة القارئون للقرآن:

مررت بآية قرآنية فقلت وأنا أقرؤها لأتحدثن للناس عما انطبع في ذهني وفكري وأنا أقرأ هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾، تساءلت بيني وبين نفسي وقلت: أوليس الإنسان منا حريصاً على بناء ذاته وكينونته، أولستَ حريصا أيها الإنسان على أن تبني ظاهرك وباطنك ؟ وأنت تعلم حينما تبني ظاهرك وباطنك أن الباطن أهم من الظاهر، وأن الباطن يتبع الظاهر، وأن من حَسُنت سريرته لا بد وأن تكون علانيته حسنة. أنت حريصٌ على أن تبني نفسك ظاهراً وباطناً لكنني أراك باستمرار، أنت أيها المسلم ولن أكلِّم غير المسلم، لكنك وباستمرار أراك تبني ظاهرك في أحسن أحوالك أما باطنك فما أراك تلتفت إليه، أما سريرتك فما أراك تتوجه إليها، أما خشوعك فما أراك تسعى من أجل أن تحصِّله، أما تقواك التي هي في الصدر فإني أراك بعيداً عنها وعن الانتباه إليها، فلماذا أيها المسلم والمسلمة ؟ قل لي بربك عندما تقرأ هذه الآية ما الذي يخطر ببالك ؟ هل تفكر في أن تخرَّ للأذقان وأن تبكي خشوعاً ؟ هل تفكر في الخشوع وكيفية تحصيله ؟ أنت تقرأ قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فهل تفكر في الصلاة، في فرائضها الشكلية، وبأركانها وشروطها فقط، أم أنك تفكر بخشوعها وحقيقتها من أجل أن تحصّله، من أجل أن يكون ذلك زاداً لك في حياتك لأن الخشوع والبكاء ونظافة السريرة، هذه الأشياء هي الزاد والوقود لمسيرة طيبة بالظاهر ولمسيرة ناجحة بالحياة على مستوى الشكل، البكاء والخشوع والخضوع، هذه الأمور هي الزاد هي الوقود هي الأساس للبناء فأين أساسنا ونحن نبني ظواهرنا ؟

أيها الشاب بالله عليك قل لي بربك: هل تستيقظ بعض الليالي فتبكي حتى يكون هذا البكاء بناءً لداخلك، حتى يكون هذا البكاء يقوم بدور جلاء الباطن وتطهير الباطن ونظافته، أنت أيها الشاب المصلي هل تقرأ القرآن الكريم من أجل أن تستمع إلى ربك وهو يكلمك وبالتالي حتى تستشعر الطمأنينة ؟ والطمأنينة تبني داخلك وتبني حقيقتك وتبني (جُوَّانيك) هل تقوم بهذا أم أنك وأننا في عالم: ﴿شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا﴾ أم أنك وأننا في عالم: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ كنا نسمع نشيداً من منشدين وما أجمل ذاك النشيد كان المنشدون يتحدثون عن أوصاف أولئك الخاشعين الذين بنوا دواخلهم بناءً حقيقياً رائعاً فكانوا رجالاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وبكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معاني، كنا نسمع لبعض المنشدين:

ما الفخر إلا للذين تواضعوا                 لله وانقطعوا عن الأغيار
صدقوا له فتنورت أسرارهم                 والصدق يبدي النور في الأسرار
عجباً لهم في الليل في خلواته                     غسلوا الثياب بمدمع مدرار

طلبوا الحبيب بأنفسٍ قدسية                 محفوفة الإيراد والإصدار
إني على العهد القديم وحبهم                 ديني وكعبة مهجتي ومناري
وإذا حشرت بعيد موتي في غدٍ             حبي لهاتيك الوجوه شعاري

هل تقوم في الليل فتكون من أولئك الذين صدقوا له فتنورت أسرارهم، والصدق يبدي النور في الأسرار ؟!

هل تقوم في الليل من أجل أن تكون من هؤلاء: عجباً لهم في الليل في خلواته، غسلوا الثياب بمدمعٍ مدرار ؟!

أين دموعك ؟ هل أنت صاحب دموع تُذرف من أجل صلاح الباطن أم أنك عدلت عن أن تكون بين هؤلاء ؟

أخي أيها الشاب والله إني لك ولنفسي ناصحٌ أمين، نحن أمة حينما أَسلمنا أسلمنا على أن نكون أقوياء في دواخلنا، نرتبط بربنا، يدخل الإيمان قلوبنا، من أجل أن تطمئن قلوبنا حتى إذا ما واجهنا استمسكنا بالعروة الوثقى، وعقدنا العزم على أن نكون مع الله حيثما كنا على أن تكون قلوبنا مطمئنة وهي في أحوالٍ، ومهما تكن هذه الأحوال:

إن في العاشقين منا رجالاً                 هم رجالٌ شكلاً ومعنىً جبالُ
صارعتهم أحوالهم فاستقروا                     بثباتٍ وزالت الأحوالُ

أسلمنا من أجل هذا ولم نسلم من أجل أن نؤدي فقط شكليات هذا الدين، لم نسلم من أجل أن نكون مصلين بركوعنا وسجودنا فحسب، ولكن أسلمنا من أجل أن يكون ركوعنا وسجودنا ركوعاً لقلوبنا وسجوداً لقلوبنا في محراب العبودية الخالصة لرب العزة حتى نقوى بربنا حتى نقول حينما تحفنُّا المشاكل: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ أصبح الحزن رداءنا وطعامنا وشرابنا على الرغم من أننا نأكل ألوان الطعام المتنوعة وعلى الرغم من أننا نجتهد في أن نلبس أفخر الثياب، ولعل الواحد منا يمكن أن يقضي أربع ساعات أو خمس ساعات من أجل شراء ثوبٍ يلبسه لكنه لا يمكن أبداً أن يفرِّغ عشر دقائق لقلبه لبناء قلبه لاطمئنان قلبه، لخشوعه لخضوعه لذله وانكساره أمام رب العزة جلت قدرته، عدلنا عن الذل أمام الله فأصبحنا أذلاء أمام أشخاصٍ نريد أن نتملقهم. كنت أحدِّث صديقي وأنا آتٍ إلى المسجد قائلاً له: لقد عُرفنا نحن هنا في حلب بأننا شعبٌ يتملق، يأتي مسؤولٌ من الدرجة العاشرة فيقرر الجميع الذهاب إليه لإعطائه كل ما يمكن أن يكون من آيات الولاء والثناء ولو كان ذلك على حساب مرضاهم وعوائلهم وأبنائهم وبناتهم، لكن كل هذا يهون حينما يرون المسؤول يبتسم ابتسامة صفراء في وجوههم فيكفيهم هذا، أوليس ظاهر هذا المسؤول قد رضي عنهم ؟ إذن إنهم لمسرورون، أين الله ؟ إن الله يغار يا أبناء هذا البلد، يا أبناء وطني إن الله يغار، أنتم تقولون بأنكم حريصون على إرضاء ربكم وعلى أن ربكم عز وجل هو الأول والآخر والظاهر والباطن لكن الواقع ليس كذلك، فيا أخي ها أنذا أعرض عليك بعض هذا الذي ورد عن سيدي وقرة عيني، عن الخاشع الأول، عن الباكي الأول، عن أعظم إنسان رأيناه وسنراه ما طالت بنا الأيام، عن هذا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

اقرأ في البخاري ومسلم يوم قال النبي، وانظر نفسك هل تفعل مثلما فعل هذا النبي وأنت أولى بهذا الفعل منه، قال لابن مسعود يا ابن مسعود اقرأ عليَّ القرآن، قال ابن مسعود يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال يا ابن مسعود اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، يقول ابن مسعود فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا وصلت إلى قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ قال له رسول الله: حسبك. فالتفتُ إلى رسول الله فإذا عيناه تذرفان.

هل تذرف عيناك وأنت تسمع القرآن وتفكر بما يقوله القرآن ؟ يا أخي الكريم أريدك أن تلتفت بعض الشيء إلى داخلك، إلى ما يطلبه داخلك منك، أن تكون نظيفاً في سريرتك أن تكون خاشعاً لربك، أنت تريد أن تكون قوياً في ظاهرك لن تأتي القوة الظاهرية إلا من قوة جنانية، من قوة قلبية، ولن تكون قوي القلب إلا إذا كنت خاشعاً خاضعاً ذليلاً أمام ربك وأمام ربك فحسب، من كان ذليلاً مع الله أعزه الله. أخي أيها الشاب أريدك أن تسمع مني أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال من جملة ما قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)، قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجوههم ولهم خنين. مع الخنين صوت، مع الصوت أنين، مع الأنين خشوع، مع الخشوع تضرع، مع التضرع سؤال لرب العزة أن يُعزَّهم الله عزاً حقيقياً، ومن اعتز بغير الله ذل، فهل تفعلون هذا يا إخوة ؟

يقول بعض الصحابة أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي كما جاء في سنن أبي داود ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

هل تبكي في صلاتك النافلة ؟ هل تبكي في ليلك ولا أريدك أن تبكي لمجرد البكاء ولكن أريدك أن تبكي على أن تكون الدموع كما قلت لك وقوداً لعزٍ بالله، فهل تبكي أم أنك في غفلة عن هذا، حسبك أنك تصلي أو أنك تذهب إلى العمرة أو إلى الحج فيصلي ظاهرك وتصلي أعضاؤك ويحج ظاهرك ويحج أعضاؤك ويعتمر ظاهرك وتعتمر أعضاؤك، أما قلبك ففي المحل والسوق والمصنع والمعمل وحتى في هذه الأماكن فليست هذه الأماكن على الشكل الذي يجب أن تكون، إنها أنصاف فنحن في مصنع ولكن المصنع ليس مصنعاً، ونحن في مزرعة وحتى من حيث الشكل ليست مزرعة، إنها أنصاف والأنصاف يعني لا شيء.

فيا أخي بالله عليك، أشبع قلبك وأعطه حاجاته فالقلب يحتاج، والروح تحتاج، وداخلك يحتاج، وأنت أنت من نصَّبتَ نفسك معلماً المعاني للناس تقول: في الإسلام إشباع للقلب إشباعٌ للروح فأين إشباعك قلبك وأين إشباعك روحك ؟ وأين وأين... ؟ أتريد أن تكون فالحاً في الدنيا ؟ إذن فما عليك إلا أن تشبع حاجات القلب: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ أتريد أن تدخل جنة ربك فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما يروي الترمذي: (لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله) فهل أنت تبكي من خشية الله لينعكس هذا البكاء في داخلك قوة، في ظاهرك قوة، في عملك إنتاجاً صحيحاً نافعاً مفيداً هل تفعل هذا بالله عليك ؟ جرّب ولو ليوم، جرِّب أن تكون وأن تخصص هنيهة من الزمن عشر دقائق لقراءة القرآن بشكلٍ خاشع، فإن لم تخشع فتخشّع، جرب أن تصلي ركعتين ببكاء فإن لم تبكِ فتباكى، جرِّب فسترى في اليوم الثاني أنك قد غدوتَ قوياً قد غدوتَ معطاءً، لأنك ببكائك قد وقفت أمام ربك راجياً طالباً، وهيهات أن يُخيِّب ربك من وقف ببابه صادقاً خاشعاً، قف وناجِ ربك ما خاب وايمُ الحق من ناجاه، جرِّب هذا فنحن بحاجة إلى أقل من هذا العدد الذي عليه المسلمون، لكننا بحاجة إلى نوعية أقوى من هذا الذي عليه المسلمون، نحن لا نريد ملياراً ونصف المليار من المسلمين من حيث الكمّ والعدد، لكننا نريد من حيث النوع مسلمين أقوى وأفضل من هذا الذي هم عليه، فبالله عليكم وبالله على نفسي قبلكم إلا ما قمنا من أجل أن نكون من أولئك الذين يرعون حرمات دواخلهم، ورعاية حرمة الدواخل تكون بإعطاء الدواخل حقها من الإيمان والاطمئنان والخشوع والبكاء والحب لرب العزة جلت قدرته.

القضية بسيطة جداً ولطالما كررت ذلك على هذا المنبر، الواحد منا لو جرى ذكره على لسان مسؤول لجعل من هذه الساعة عيداً، وعيداً كبيراً ومناسبة وفرحة لا يمكن أن تحصر في مجال معنويتنا فما بالك حينما يذكرك ربك: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ أتى رجلٌ الحسن البصري فقال يا إمام أريد أن أعرف مكانتي عند الله. فأجابه بقاعدة هي سنة من سنن ربنا في هذه الحياة: إذا أردت أن تعرف مكانتك عند الله فانظر مكانة الله عندك. القضية معادلة صحيحة.

وإذا اعتراك الشك في ود امرئ                 وأردت تعرف حلوه من مره

فاسأل فؤادك عن ضمير فؤاده                 ينبيك سرّك كل ما في سرّه

إنها نصيحة وردت إلى خاطري وأنا أقرأ هذه الآية: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾، عودوا إلى القرآن، إلى قراءته وتدبره وتلاوته، وكما قلت وأقول أنا لا أطالبكم بأن تستغرقوا الوقت كله على الأقل خصص ربع ساعة لا أكثر ولا أقل، ولكن أعطِ هذا الوقت حقه فسترى أثر ذلك في نفسك فيمن حولك، في الجماد، في الحيوان، سترى أثر ذلك وأنا أحترز أخيراً لأقول، أنا لا أدعو إلى التماوت، وإنما أدعو إلى التمسكن مع الله، أدعو إلى الخشوع مع الله، أدعو إلى الخضوع مع الله، أدعو إلى الذل مع الله، وبنفس الوقت إن من يتحقق بهذا سيكون بلا شك قوياً مع الناس في إعطائه الحق كما قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما خطب خطبة الخلافة: "والضعيف فيكم قويٌ عندي حتى آخذ له الحق، والقوي فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ منه الحق، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم".

ستستشعر هذا الذي قلت وأنت تفعل وتجرّب هذا الذي أقول، بالله عليك عُد إلى رحاب ربك صادقاً متبتلاً وربك ينتظرك من أجل أن يجعل منك إنساناً كما جعل من إبراهيم أمة، إبراهيم عليه السلام كان مع ربه وفق ما ذكرنا فكان ربه معه وجعل إبراهيم أمة وجعله إماماً: ﴿إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾. الذين ظلموا أنفسهم ودواخلهم وقلوبهم لا يمكن أن يكونوا أئمة.

اللهم إني أسألك بحق إبراهيم ومن جاء بعد إبراهيم من الأنبياء والمرسلين، أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 8/5/2009

التعليقات

Abd Allah

تاريخ :2011/05/24

موضوع جيد جداً، جزاكم الله كل الخير

شاركنا بتعليق