آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
التواضع

التواضع

تاريخ الإضافة: 2010/07/16 | عدد المشاهدات: 2354

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

سألني أحد المدرسين سؤالاً يسأله أغلب الناس، ربما يسأله التاجر، وربما يسأله الضابط، وربما يسأله الطبيب، وربما يسأله المدير، وربما يسأله الوزير، سألني فقال: أريد أن تكون لي مكانة عند طلابي، أو بالأحرى أريد أن يحبني طلابي. وأعتقد أن هذا السؤال مشروع، ربما يسأله كما قلت لكم كل أولئك الذين يتصدرون أو يشغلون منصباً ما، ويمكن أن يسأله الرجل الأب والزوج والزوجة، ويمكن أن يسأله المختار في حيٍّ ما أو في قرية ما. أنا لا أريد أن أتحدث مع هذا الأستاذ عن صفاتٍ يجب أن يتصف بها، أو من البَدَهي أن يتصف بها.

أجبته بشكل مباشر قلت له: إذا أردت أن تدخل قلوب الآخرين عدا الصفات الأخرى التي تتصف بها لتكون مدرساً مقنعاً، أنا أتحدث عن صفةٍ مشتركة بينك وبين الضابط والطبيب من أجل أن يدخل قلوب الآخرين، هذه الصفة هي التواضع.

أتريد أن تكون محبوباً عند الآخر عليك بالتواضع، فكرت مع هذا الأستاذ عن تعريف التواضع، ماذا يعني التواضع ؟ رسمت أمامي عدة صور للتواضع، ثم استخلصت التعريف من هذه الصور، تصورت إنساناً مديراً طبيباً رئيساً وزيراً يكلم هذا الذي يشتغل عنده حاجباً يكلمه بلطف، يكلمه بذوق، يكلمه بإنسانية، فنقول عن هذا المدير أو هذا الوزير بأنه متواضع، تصورت إنساناً شيخاً يسأله أحد الناس فيجيبه كما لو أن هذا السائل كان مسؤولاً أو كان صاحب منصب، فنقول عنه بأنه متواضع، تصورت أباً يدخل بيته يكلم أولاده بأريحيّةٍ ويكلمونه بأريحيه نقول عنه بأنه متواضع، رسمت عدة صور من أجل أن استخلص التعريف للتواضع.

أخيراً وصلت إلى تعريف هو التالي: أنت أيها الإنسان تكلم ذاك الإنسان الذي هو بحسب الظاهر أقل منك، إن كلمته وعاملته على اعتبار تفوقك عليه فلست بمتواضع، إن تعاملت معه معتبراً الميزة التي تتحلى بها أنت فلن تكون متواضعاً، ستكون متكبراً. بعبارة أخرى: عندما تكلم الخادم أو العامل الذي يشتغل عندك آذناً إن تعاملت معه على أنه آذن وأنك مدير فلن تكون متواضعاً، إن نظرت إلى الفروقات الإيجابية فيك، إلى الفروقات المنصبية فيك، إلى الفروقات الاجتماعية فيك، وتعاملت على أساسها مع من هو أقل منك من حيث تحلِّيه بهذه الصفات فلن تكون متواضعاً. من أجل أن تكون متواضعاً تعامل مع الناس على أساسٍ المشتركات التي بينك وبينهم. هذا الذي أمامك بينك وبينه مشتركات هو إنسان وأنت إنسان، هو أب وأنت أب، هو زوج وأنت زوج، هو أخ لإخوة وأنت أخ لإخوة، هو مواطن في هذا البلد وأنت مواطن، إن تعاملت مع الآخرين معتبراً المشتركات بينك وبينهم فأنت متواضع، وإن تعاملت معهم على أساس أنك تمتاز عنهم وأنك تمتلك فروقات أعلى مما يمتلكون فلست بمتواضع. والمفروض أن تتعامل مع الناس على أساسٍ من نسيانٍ لفروقاتك الإيجابية، لذلك إنما تعامل الشيطان مع ربّ العزة ومع آدم معتبراً الفروقات والامتيازات فقال: ﴿أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ فكان متكبراً، وكان رأس المتكبرين فأُبعدَ وطُرد، إن وقفت أمام هذا الذي يشتغل عندك آذناً فصعَّرت خدَّك ومشيت أمامه مَرَحاً واتخذته سُخرية، فأنت متكبرٌ مطرودٌ من رحمة الله شئت أم أبيت حتى إن صليت وصمت: ﴿ولا تصعِّر خدَّك للناس ولا تمشِ في الأرض مَرَحاً﴾، والله عز وجل قال لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ تعامل معهم على أساس أنهم بشر وأنت بشر، على أساس أنهم عباد لله وأنت عبدٌ لله، على أساس أنهم مؤمنون وأنت مؤمن: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ هم مؤمنون وأنت مؤمن، أنت صاحب مرتبة لكن لا تنظر إلى هذه المرتبة من أجل أن تتعامل معه، انظر إلى هذه المرتبة من أجل أن يدفعك هذا إلى شكر الله عز وجل.

إذا كنت مديراً فلا تنظر إلى الإدارة من أجل أن تستعلي بها على من أمامك وإلا فأنت مطرود من رحمة الله ومن رحمة الناس، ولكن انظر إلى الإدارة على أنها نعمةٌ عليك أن تشكر الله عليها، وعليك أن تستشعر مسؤوليتك حيالها من أجل أن تقوم بها.

التواضع: النظر إلى المشتركات واعتبار هذه المشتركات وأنت تتعامل مع الناس، بينك وبين هذا الآذن الذي يشتغل عندك كذا من المشتركات، هو إنسان وأنت إنسان، هو ابن عائلة وأنت ابن عائلة، ينتمي لوطنٍ تنتمي له، مؤمن بالله وأنت مؤمن بالله، فلماذا تترك كل هذه المشتركات لتعامله على أساس أمرٍ عابر، على أساس الوظيفة لأنك مدير ولأنه آذن، من قال لك بأنه يحق لك أن تتعامل بترفع واستعلاء على أساس هذه الميزة التي هي ميزة عَرَضية ولن تدوم، وإن دامت فلن تستطيع الوقوف أمام مشتركات كثيرة أساسية متجذرة قوية متينة صلبة تشكل سداً منيعاً يطرد كل من يريد الاستعلاء.

مشكلتنا أننا ننتسب إلى تلك المقولة الرَّعناء: ﴿أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، أنا خيرٌ منه، أنا وزير وهو مدير، أنا خير منه أنا ضابط وهو جندي، أنا خير منه أنا صاحب المعمل وهو عامل، أنا خيرٌ منه أنا أقف على المنبر وهو يقعد هنا في الأرض، أنا خيرٌ منه أنا أصلي إماماً وهو يصلي ورائي، أنا خيرٌ منه عندي مال ولا مال عنده، أنا خيرٌ منه عندي أولاد ولا أولاد لديه... هذه هي مقولاتنا، ولذلك أصبحنا شئتم أم أبيتم مجتمعاً متكبراً على أساسٍ واهٍ لا قيمة لهذا الذي على أساسه نتكبر، ولذلك أتريدون أن تدخلوا قلوب الآخرين ؟ أنت أيها الزوج بالله عليك كيف تتعامل مع زوجتك، تتعامل بشكل متكبر، إن سألتك زوجتك سؤالاً فستصعِّر خدَّك حيالها وستقول لها وهل تفهمين أنت هذه القضية حتى أجيبك عليها، أنا خيرٌ منكِ أحضر ولا تحضرين، أسافر ولا تسافرين، ألتقي مسؤولين ولا تلتقي مسؤولين، أعمل كذا وأفعل كذا، أنا ذكر وأنت أنثى، أنا خيرٌ منكِ. المثقف يتعامل مع غير المثقف بهذه النفسية الضالّة الرَّعناء، أنا خيرٌ منه أنا مثقف أكتب قصة وأنشر نثراً وأقول الشعر وأتبنى المواقف وأحدّث الناس في المحافل، أما أنت فأين أنت مني حتى تكلمني بشكل مباشر على الهاتف، مَن أنت حتى تكلمني بشكل مباشر أو حتى تأتي بيتي هكذا وتطرق الباب من دون موعد سابق ؟ من أنا ومن أنت ؟ أنا خير منك ؟ أين تتجلى هذه الخيرية ؟ أنا مدير وأنت موظف عندي، ولا يطرق الباب عليَّ إلا المدير، ولا يأتيني إلا الوزير؛ أتريد أن تأتيني أنت كما يأتيني المدير والوزير ! يا ويحك، أنا ضابط، أنا لواء وأنت ملازم، فهل تطرق عليَّ الباب وتخبرني بالهاتف كما يخبرني اللواء والعقيد والعميد ؟ يا ويلك، أنا خيرٌ منك، إياك أن تحدثني بشكل مباشر، حدِّث أولئك الذين تماثلهم، حدث أولئك الذين تشابههم من خدمي من جماعتي وبعد ذلك حدثني.

هذا المنطق أصبح مطيقاً ومنفذاً برعونة بين الأخ وأخيه بين الأخ وأخته، أخٌ دارسٌ له منصب، عُيّن مديراً أو وزيراً أو رئيساً... وأخته إنسانة فقيرة متزوجة من فقير، ينظر إلى أخته على هذا الأساس، لا تكلميني هكذا وأنا الوزير، المدير، صاحب المال، وأنت الفقيرة. أنا أسكن في المكان الفلاني وأنتِ تسكنين في المكان الفلاني، لا تحدثيني أمام الناس يا أختاه، إن رضي أن يقول يا أختاه، أنا سأرسل إليكِ من يحدثك، وسأرسل إليك ما تحتاجينه من طعام وشراب، إن زارته أخته فسيصبح كأنه المقدّد، يتقدد ويتصاغر. وانظروا أنفسكم ولأنظر نفسي أنا نعيش هذه الإشكالية فيما بيننا، انظروا الغرب، الغرب مجتمع متواضع، التلميذ يكلم أستاذه كما يكلم صديقه، كما يكلم تلميذاً آخر، والأستاذ يكلم تلميذه كما يكلم الأستاذ الآخر، لا يحتقر هذا ذاك ولا ذاك هذا، الرجل يكلم سائقه كما يكلم أخاه، وكما يكلم زميله، والسائق يشعر بأريحيّة مع هذا الذي يقوده كما يشعر بنفس الأريحية مع زميلٍ له، لكننا هنا باعتبار أن مضاميننا أصبحت لا شيء فاهتممنا بالشكليات. نتساءل: لماذا لا تزورني، لماذا لا تأتيني، ولماذا لا آتيك، ولماذا لا تسلم علي، ولماذا لا أسلّم عليك ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟ وإذ بالبيوت تهدّم، هدمت بيوتاتنا لا لشيء، إلا لأن هذا الرجل هو أب، يسأل الأب: لماذا تكلمني يا ولدي صباح مساء ؟ فيجيبه: يا والدي أنا مشغولٌ بعض الشيء، وأعلم أن من الواجب عليَّ أن أكلمك. فيقول له: عليك أن تكلمني، ولا أعذار. هو ليس بحاجة إلى الكلام لكنه يريد أن يظهر استعلاءً لأنه أب. نعم، الإسلام قدّسك، والعروبة قدستك، ولكن عليك أنت أن تقدّس هذا الذي أمامك. هو يريد أن يقدّسه الإسلام، وأن تقدسه العروبة، وأن يقدّسه القانون، وأن يقدّس هو نفسَه أيضاً، لكنه في نفس الوقت يريد أن يحقّر ولده والإسلام والقانون، يريد كل التقدير لذاته، ويريد كل التحقير للآخر. لا تخربوا بيوتاتكم من خلال هذا التكبر الفارغ.

المجتمع الغربي مجتمع متواضع أما أنتم، حتى الذين يدخلون المسجد يتكبرون، إن رأوا إنساناً لا يصلي عاملوه من خلال صلاتهم وعدم صلاته، لا يا أخي، العبرة بالخواتيم، فلربما كان هذا الإنسان الذي لم يصلِّ الآن خُتم له بتمام الإيمان، وربما ختم لك أنت بلا إيمان، من يدري، هل تضمن خاتمتك ؟ّ هذه هي مشكلتنا، يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأريد أن نضع هذا في أذهاننا وعقولنا وأجوافنا ودواخلنا: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا) إياك أيها الطائع أن تتكبر على العاصي، وقد قلت لكم حكمة قالها ابن عطاء الله ما أروعها: "رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً".

الشيوخ بعضهم، ولا أعمِّم، يتكبرون لأنهم يلبسون لباس الشيوخ، الضباط يتكبرون لأنهم يلبسون لباس الضباط، أصحاب المناصب يريدون لو أنهم وضعت عليهم إشارات تصفهم بمناصبهم، حتى إذا ما تكبَّروا تكبروا عن حقٍ وحقيقة: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحدٌ على أحد) لماذا تريد أن تفخر ؟ لعلمك ؟ هيهات أن يكون عندك علم وأن تفخر به وأن يبقى هذا العلم علماً بمجرد أن تفخر بالعلم، فإن العلم سيزول وستزول آثاره الطيبة وستبقى آثاره غير الطيبة. أتريد أن تفخر بمالك ؟ وهل يستحق المال أن تفخر به، عليك بينك وبين نفسك أن تفخر وأن تعتز بعبوديتك لربك وأن تظهر أمام الناس بكل تواضع وأخلاق ولطف وحسن تعامل. إن دخل عليك وزير قمت، وأحسنت بالقيام، وإن دخل عليك إنسانٌ عادي جلست ولم تقم، وتعلل فعلتك هذه بقولك: "أنزلوا الناس منازلهم"، لا، لا تقل هذا الحديث في هذا المقام، فليس هذا الحديث بمسعفك في هذا المقام، أنزلوا الناس منازلهم، قم لهذا الذي يأتيك ولو لم يكن صاحب منصب، هذا هو فهم الحديث، أنزلوا الناس منازلهم لأنه إنسان، ولأن بينك وبينه مشتركاتٍ كثيرة، ولأنه صاحب اعتبار عند أهله، في طائفته، في جماعته، أما إن أتاك صاحب منصب قمتَ له، وإن أتاك إنسان ضعيف لم تقم له، ثم بعد ذلك تحتجّ بقولك: أنزلوا الناس منازلهم ؟ لا، أنزلوا الناس منازلهم: أي أعطِ هذا ما يستحق، وأعط ذاك ما يستحق حين يتعلق الأمر بعلاقة معه.

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته وأختم بهذا الحديث كما جاء في مسند الإمام أحمد، "كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويكون في خدمة أهله"، بينه وبين أهله مشتركات. أنت الآن في بيتك فلماذا لا تساعد زوجتك ؟ أنتا تقول أنا تعبت، أشعرها بأنها إنسانة وأنك إنسان، وأنك تعمل ما تعمل وأنها تعمل ما تعمل أنت، أشعرها بوجودها من خلال انخراطك في عملٍ هي تقوم به حتى تستشعر بأنك لا تميز نفسك عليها.

رسول الله عليه أفضل الصلوات، هذا المعلم العظيم كان يعود المريض، ويركب الحمار، ويكون في خدمة الناس، وتأتي الأَمَة فتأخذ يده حيث شاءت فيقضي لها حاجتها، هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهم حاجتهم، هذا النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم يجيب دعوة العبد ويجيب دعوة المسكين ويجيب دعوة الإنسان مهما كان، هذا الرسول ضعوه أمام أعينكم قدوة وأسوة. ورب الكعبة إن قول الله عز وجل: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ يجب أن يكون ملء أسماعنا وأبصارنا، وقول من قال: ﴿أنا خيرٌ منه﴾، يجب أن يكون أيضاً أمام أعيننا من أجل أن نتجنبه ونجافيه ونبتعد عنه ونهجره. فكفانا أننا لم نعد نتكبر على أعدائنا الذين يجب أن نتكبر عليهم، كفانا أننا نتكبر على بعضنا، يتكبر صاحب القميص على من لا قميص له، ويتكبر صاحب السيارة على من لا سيارة له، ويتكبر صاحب البيت على من لا بيت له، ويتكبر صاحب المنصب على من لا منصب له، ويتكبر بعضنا على بعضنا، ويتكبر كلنا على كلنا، ولذلك يرفض كلُّنا كلنَّا ولا يقبل كلُّنا كلَّنا، ونعيش في حالة تجافٍ وابتعاد وتنافر ويؤدي ذلك كله إلى التنازع والتنازع يؤدي إلى الفشل.

أسأل ربي جلت قدرته أن يوفقنا من أجل أن يحترم كلٌ منا خلق الله في الإنسان أولاً، لأن الإنسان التجلي الأسمى لخلق الله عز وجل، ثم بعد ذلك في سائر المخلوقات الأخرى، إن ربي على كل شيء قدير، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 16/7/2010

التعليقات

ابو فراس

تاريخ :2010/07/25

تعلمنا منك التواضع يا سيدي دمت معلماً ومدرسا

شاركنا بتعليق