آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الشعور بالمسؤولية

الشعور بالمسؤولية

تاريخ الإضافة: 2011/01/14 | عدد المشاهدات: 2867

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

لعلكم تسألون عما يميز الإنسان الحقيقي عن غيره أو الإنسان الصحيح عن غيره، أتريد أن تستشعر فيما إذا كنت موجوداً أو لا أنت أيها الإنسان ؟

إذا أردت أن تستشعر وجودك فانظر شعورك بمسؤوليتك، إن كنت تشعر بمسؤوليتك فأنت موجود وإن كنت غير مبالٍ فلست بموجود حتى وإن كان لك لحم وعظم وأرجل وأيدٍ تتحرك ومن خلالها وتمشي. أنا أشعر بالمسؤولية إذن أنا موجود، هذه قاعدة أساسية ولا أعظم من أن تستشعر المسؤولية من أن الله سمّاك خليفة: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾ وهل هناك أعظم من هذه المسؤولية حتى تستشعرها، وحتى تشعر بها: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾، وحُمِّلتَ الأمانة: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾ فهل هنالك أعظم من هذه المسؤولية، أنت خليفة على الأرض وأنت تحمل الأمانة وهل تريد مسؤولية أعظم من هذه حتى تستشعرها وتشعر بها، هذا أولاً.

ثانياً: أنت مسؤولٌ أمام مَنْ ؟ ربما قال لي بعضكم أنا مسؤول، أمام مَن سأكون مسؤولاً ؟ أنت مسؤولٌ أمام ذاتك أولاً أمام ضميرك: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾ ستسأل أمام ضميرك، محكمة الضمير مفتوحة في اليوم كله في الوقت كله وستسأل أمام ضميرك: (الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس، استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك) هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي وسواه.

ستسأل ثانياً أمام مجتمعك، والمجتمع أكبر منك مَن كنت أنت، مهما كنت سواء أكنت رئيساً أو وزيراً أو مديراً أو غنياً أو شيخاً أو متكلماً أو شاعراً... فالمجتمع أكبر منك وسيُسائلك المجتمع، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال، وأرجو أن نستوعب هذا في هذا السياق، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويُوقِّر كبيرنا) وفي رواية: (ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا) وفي رواية: (ليس منا من لم يحترم كبيرنا) وكبيرنا هو المجتمع، والمجتمع أكبر منك وعليك أن تحترمه وأن تجله وأن توقره، أن تحترم قوانينه، أن تحترم منظومته الأخلاقية، عليك أن تكون محترماً ومجلاً وموقراً للمجتمع الذي هو أكبر منك.

ثالثاً: ستسأل أمام ربك يوم القيامة، ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾، ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ الكل مسؤول، كلنا سيقف بين يدي الله عز وجل لا ريب في ذلك ولا شبهة ولا يمكن أن يطول ذلك أدنى شك، ستسأل أمام الله وإن الله سائلك.

ثالثاً: عن أي شيء ستُسأل ؟ ستسأل مَن كنت، ستسأل عن أمور، ستسأل عن أشياء كثيرة، ستسأل عن الصغيرة والكبيرة، لكنني سأذكر هنا خمسة أمور ستسأل عنها، وأريد من كل واحدٍ منا أن يحضِّر الإجابة عن هذه الأسئلة، وهل يمتلك الإجابة الصحيحة القوية المتماسكة المقنعة ؟

ستسأل أولاً عن اعتقادك: (ما منكم من أحدٍ إلا سيخلو الله به) هكذا قال سيدي رسول الله كما في الطبراني (يقول له عبدي ما غَرَّك بي) لماذا لم تؤمن بي ؟ لماذا لم تؤمن برسلي ؟ لماذا لم تؤمن بملائكتي ؟ لماذا لم تؤمن بالبعث والنشور ؟ ستُسأَل عن الاعتقاد، هل اعتقادك سليم ؟ أنت الآن اسأل نفسك قبل أن تُسأل من قبل ضميرك ومن قبل مجتمعك ومن قبل ربك، هل اعتقادك سليم ؟ هل اعتقادك صحيح ؟

ستسأل ثانياً عن عملك، وهل عملك صالح نافع مفيد أم أن الأعمال التي تصدر عنك لا تصب في مصبِّ المنفعة للناس ولا للأشياء ولا لنفسك. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في مسلم: (أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله) فهل عملك ينفع عيال الله وهل عملك ينفع الناس ويقدم الخير للمجتمع ؟ ستسأل عن عملك أيها الإنسان وهل عملك صالح ؟

ثالثاً: ستسأل عن قولك، عن لسانك وهل لسانك يتكلم الكلام السديد أولم تسمع قول الله عز وجل: ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ أولم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) انتبه لقولك، أنت مسؤولٌ عن اعتقادك، أنت مسؤولٌ عن عملك، أنت مسؤولٌ عن قولك.

رابعاً: أنت مسؤولٌ عن رعيتك، سواءٌ أكنت رئيساً أو وزيراً أو أباً أو أستاذاً أو معلماً أو مديراً أو شيخاً أو خطيباً أو إماماً أو طبيباً أو محامياً أو قاضياً أو أماً... فأنت مسؤولٌ عن رعية ترعاها، ولقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي ابن حبان: (إن الله سائلٌ كل عما استرعاه حفظ أم ضيع) فهل أنت ممن يحفظ الرعية ؟ وهل أنت عادل ورحيم في رعيتك ؟ العدل والرحمة مطلوبان من الراعي في رعيته، إن كنت أباً فعليك أن تكون راعياً عادلاً رحيماً، وإن كنت، وإن كنت... وقد ذكرنا كل الرعاة الذين يشكلون المجتمع، مسؤولٌ عن رعيتك هل عدلت ؟ هل رحمت ؟ وانظروا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدله ورحمته ويكفي أنه الرحمة ذاتها: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم﴾ سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عادلاً في رعيته حين كان رئيساً، وفي رعيته إذ كان أباً، وفي رعيته إذ كان معلماً، وفي رعيته إذ كان قائداً للجيش، وفي رعيته كان عادلاً رحيماً فاتقوا الله يا أيها الرعاة يا أيها الآباء يا أيها المدرسون يا أيها القضاة يا أيها المديرون يا أيها الوزراء، اتقوا الله في الرعية عدلاً، كونوا عادلين ورحيمين.

خامساً: أنت مسؤولٌ عن مالك، الأمر الخامس الذي ستسأل عنه وهو أمرٌ خطيرٌ جداً ولعلنا في هذا المسجد يحفُّنا هذا الأمر: المال، يحفنا من خلال أسواق المدينة، المال، ستسأل عنه اكتساباً وإنفاقاً، هل اكتسبته من حلال طيب ؟ وهل أنفقته في أمر مشروع نافع ؟ وكلنا يعرف الحديث المشروع الذي يرويه الترمذي وسواه ونكرره كثيراً: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: ... وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه) هذا المال الذي في جيبك من أين اكتسبته ؟ هل اكتسبته من طريقٍ حلال أم من طريق لا سمح الله حرام ؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما يروي ابن ماجه: (خذوا ما حَلَّ ودعوا ما حرم) أي في المال، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن أبي داود: (لعن الله الراشي والمرتشي) لأن الرشوة طريق حرام للاكتساب ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (لا يربو لحمٌ نبت من سُحت إلا كانت النار أولى به) فتشوا عن اكتسابكم المال من أين اكتسبتم المال ؟ ينبغي أن يكون من طريق حلال، وكيف تنفقون ؟ ينبغي أن ننفق في طريق مشروع، الإسراف طريقٌ غير مشروع، الملاهي طريق غير مشروع كل هذا الذي يلفتك عن واجباتك نحو وطنك نحو ربك نحو دينك إنفاقٌ غير مشروع، فكر في المال اكتساباً وإنفاقاً اكتساباً من حلال وإنفاقاً في شرعي من غير إسراف ومن غير تقتير، من غير بخل ومن غير إسراف، استشعر هذه المسؤولية، وأنت تنفق وأنت تكتسب فمسؤوليتنا عن المال مسؤولية جسيمة.

أيها التجار إياكم والغش فالغش كسبٌ حرام، إياكم والاستغلال فالاستغلال كسبٌ حرام، إياكم والمخادعة إياكم والحلف إياكم والرشوة إياكم وكل ما نهى الله عز وجل عنه، اقرؤوا الطرق المحرمة لاكتساب المال واقرؤوا الطرق المشروعة لاكتسابه ولإنفاقه.

أذكركم مختصراً: ستُسأل أيها الإنسان عن اعتقادك وعن عملك وقولك ورعيتك ومالك وستسأل أمام نفسك ومجتمعك وأمام ربك، وأنت المخلوق الأسمى لأنك الخليفة، ولأنك حُمّلت الأمانة حملت أمانة التكليف فهيا لاستشعار المسؤولية وقد عرفتم أمام من ستسأل ولماذا سنسأل وعن أي شيء سنسأل، عرفتم فلنسرع للعمل لأن الذي يعرف ولا يعمل أخشى أن يكون من أولئك الذين: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾ اللهم اجعلنا ممن يقول سديداً، ويعمل صالحاً، ويعتقد سليماً، ويعدل بين الرعية ويرحمها، وممن يكتسب من حلال، وينفق في شرعي نافع، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 14/1/2011

التعليقات

فاطمة الزهراء

تاريخ :2011/01/19

حفظكم المولى العظيم كم نحن بحاجة للعمل والتفكير بما قلتم وتقولون ان العبد أمامه يوم حساب يوم مواجهة مع الله عز وجل وفقكم الله وسدد خطاكم

شاركنا بتعليق