آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
الأمانة

الأمانة

تاريخ الإضافة: 2011/12/09 | عدد المشاهدات: 2613

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحفظ أوطاننا من كل مكروه.

أيها الإخوة المؤمنون، أيها الإخوة المواطنون:

هل سألت نفسك يوماً أو ساعة عما إذا كنت أميناً أو لا ؟ هل سألت نفسك والسؤال تطرحه منك على نفسك، هل أنت تقوم بما اؤتمنت عليه أم أنك تخون ما اؤتمنت عليه ؟ أعتقد أن جواب الواحد منا لسؤالِ نفسه منه سيكون نعم أحب الأمانة وأتحلَّى بالأمانة، والأمانة صفة أسعى من أجل أن أكون متصفاً بها على الدوام، لو أن إنساناً وضع عندك أمانة أعتقد أنك سترعاها، وستحافظ عليها، لكنني أسألك أيضاً سؤالاً آخر أيها المسلم: هل تدري وهل تعرف الأمانات التي لديك ؟ هل أحصيتَ الأمانات التي استودعت عندك ؟ وبالتالي إذا عرفت الأمانات التي استودعت عندك سعيت من أجل أن تقوم بحفظها ورعايتها وصيانتها، لكن إن لم تعرف الأمانات المستودعة عندك فكيف ستقوم بها وبرعايتها ؟ هل تدري - على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر - أن عقلك أمانة فهل ترعى عقلك ؟ وهل تدري بأن روحك أمانة عندك فهل ترعى هذه الأمانة ؟ وهل تدري بأن جسمك أمانة ؟ وهل تدري بأن زوجتك وبأن أولادك وبأن بيتك وبأن شارعك... لكني سأصل أخيراً هل دريتَ بأن بلدك أمانة في عنقك أنت، في عنق كل واحد منا ينتسب لهذا البلد، بلدك أمانة عندك فهل ترعى الأمانة يا أيها الإنسان ؟ إني لأرى الأمانة مُضيَّعة لا أقول بشكل كلي ولكن بشكل يكاد يصل إلى الكلي، أمانة البلد كدنا أن نضيّعها، فمن منا يرعى البلد ويرعى هذه الأمانة ويحفظها ويصونها: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ أرى من يسفك الدماء، وأرى من يحتكر وأرى من يسعى إلى مصلحته الخاصة يقدمها على مصلحة البلد وأرى من يقف على أبواب المحال التجارية ليشتري ما يكفيه لسنة أو سنتين وأرى من لا ينظر إلا إلى حدود داره وبيته أما الشارع فلا علاقة له به، وأرى من لا يُعنى بالنظافة والنظافة جزءٌ من أمانة البلد الذي في عنقك، وأرى... فهل ترون بعد هذا الذي ترون وأرى أننا نقوم برعاية الأمانة بحفظها بصيانتها، مررتُ بهذه الأسواق فرأيت الناس يتزاحمون على تبديل العملة، ورأيت الناس يتزاحمون على شراء الوقود ورأيت الناس يتزاحمون على شراء ما يريدون شراءه من مواد غذائية وسواها، ورأيت، ورأيت... ورأيت الناس لا يعنون بشوارعهم من حيث نظافتها، ورأيت الناس يخالفون قواعد المرور ورأيت الناس فيما بينهم يتشاتمون ويتسابّون، ورأيت، ورأيت... وبعد ذلك يا إخوتي علينا أن نسأل أنفسنا هل نحن نقوم بأمانة البلد ؟ إني لأسأل الله عز وجل أن نكون ممن يقوم بالأمانة لبلده خير القيام.

حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلنا معنيون به، من أكبر شخصية إلى أصغر شخصية، من رئيس الدولة إلى أقل إنسان من حيث المنصب والمكانة والعمل وليس من حيث القيمة، فلا يعرف أحد يعرف قيمة الأشخاص عند الله عز وجل، كلنا معنيون أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في البخاري ومسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) ؟ أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح ابن حبان يقول: (إن الله سائلٌ كل راع عمَّا استرعاه حفظ أم ضيع) سيسألك ربي أيها الحاكم أيها القاضي أيها الموظف أيها التاجر أيها الأب أيتها الأم أيها الزوج أيتها الزوجة أيها المعلم أيها المرشح أيها المُنتخِب أيها المنتخَب، أيها الضابط أيها الجندي: (إن الله سائلٌ كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع). فهل أنت ستجيب ربك يوم يسألك هل حفظت أم ضيعت ؟ أجب نفسك هنا وحاسب نفسك قبل أن تُحاسَب.

أيها المعنيون بالأمانة وكلنا معنيون تجاه هذا البلد، اسمعوا النتيجة لمن لم يقم بالأمانة خير قيام، قال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية) وأنت لك رعية صغرت أم كبرت لذلك أخاطب الجميع (فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة) لم يشم رائحة الجنة، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم أيضاً: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) أتطلبون الجنة ؟ إذن فلنقم بالأمانة، أيها المعنيون وكلنا معنيون من أكبر شخصية إلى أصغر شخصية من أكبر وظيفة إلى أكبر وظيفة: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مستدرك الحاكم على شرط الشيخين: (ما من أحد يكون على شيء من أمور المسلمين) يا أيها التجار يا أصحاب السلطة السياسية ويا أصحاب السلطة الاقتصادية ويا أصحاب السلطة الدينية (فلا يعدل فيهم إلا كبَّه الله عز وجل في النار) هذه أمانة ولا يكفي أن نسمع الوعظ فيها بل يجب أن نتحرك على الأرض لنطبق وننفذ، ما لي أرانا وأرى من حولي لا يلتفتون فعلاً وحقيقة لنبينا وقائدنا ومعلمنا وحبيبنا وسندنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أفعالهم في حركاتهم، في بيعهم في شرائهم في قضائهم في كل أمورهم وهم يقولون وبألسنتهم أسوتنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقدوتنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أيها الإخوة لقد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذاك الذي يسترعيه الله رعية فيشقّ على رعيته وأنت معني مَن كنت أوما سمعتم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رددناه مراراً كما جاء في مسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) هذا قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا أريد أن أكثر من الكلام والاستشهاد لكنني في النهاية أذكر لكم حديثاً ذكرته منذ خمسة أشهر، وعليك أيها الإنسان وأنت تسمع هذا الحديث أن ترى نفسك من خلال شخصيات هذا الحديث يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق) ذو سلطة من الموظف الأكبر إلى الموظف الأصغر، من العامل الأكبر إلى العامل الأصغر في كل مجالات حياتنا المدنية والعسكرية، ذو سلطان مقسط موفق إلى تطبيق العدل فهل أنت منهم أيها الموظف أيها العامل أيها الضابط ؟ (ورجل رحيم القلب لكل ذي قربى ومسلم) وهذا ينطبق على التاجر والعامل في القطاع الخاص فهل قلبكم رحيم على أقربائكم الذين لا يجدون ما يأكلون ولا يجدون ما به وعليه يتدفؤن فهل أنت رحيم القلب بالله عليك أم أنك تتبع الأثرة وتؤثر نفسك على غيرك ولو مات غيرك، حتى ولو كان غيرك أخاك أو أباك أو قريبك أو جارك أو مواطنك، المهم أن تنجو أنت ببضع لقيمات وعلى الآخرين السلام (وذو عيالٍ عفيفٌ متعفف)، (ومن يستعفف يعفه الله) نحن نبحث عمن يتعفف، فيا أيها الفقير أنصحك بالعفة والالتجاء إلى الله، فسيكفيك الله، وإياك وأن تظهر غير العفة مع أولئك الذين لا يبحثون عنك فلا تظهر غير عفتك معهم فسيكفيك ربي عز وجل: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً﴾ حسبك الله، إن كان جارك الغني لا يسأل عنك فلا تسأل عنه أنت واتركه من أجل أن يبحث عنك هو، وفي رواية: (وذو عيال عفيف متعفف) فمن أي الأصناف أنت ؟ ونحن جميعاً إما أن نكون موظفين أو بائعين أو فقراء، فهل أنت واحد من هؤلاء الأصناف (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى، وذو عيال عفيف متعفف).

هيا إلى القيام بالأمانة تجاه هذا البلد الذي يحتضننا، البلد أمانة في أعناقنا فهل نرعى هذه الأمانة ؟ أملي من الجميع أن نكون على مستوى بلاد الشام فهي بلادنا ونحن حريصون عليها، فلنلتقي بأمانة على ترابها الطيب الذي أعطانا الكثير، إياكم والخيانة يا أبناء وطني، إياكم والاعتداء على بلدنا يا أبناء وطني وأنا أخاطب الجميع من غير استثناء أخاطب كل المعنيين كل المواطنين على اختلاف توجهاتهم أقول للجميع: البلد أمانة، بلدكم أمانة في أعناقكم سورية أمانة في أعناقكم فلا تنتهكوا أمانة البلد يا أبناء سورية يا أيها الحريصون على بلدكم.

اللهم إني أسألك بحق أسمائك وصفاتك أن توفقنا من أجل أن نقوم بأمانة البلد الذي نعيش عليها ونعيش من خيراتها بتوفيقك أنت يا رب العباد، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 9/12/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق