آخر تحديث: الأحد 15 كانون الأول 2019
عكام


كلمة الشـــهر

   
الرّشوة

الرّشوة

تاريخ الإضافة: 2019/03/29 | عدد المشاهدات: 218

فعلةٌ ذميمةٌ منكَرة، لا يُقرُّها الشَّرع ولا العقل، وهي في عُرف الفقه تعني: "دفع مالٍ مُقابل قضاءِ حاجة أو مصلحة يجبُ على المسؤول المكلَّف قضاؤها بدونه، أي بدون المال".

وحكمها: التَّحريم القطعي بناءً على قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)، وقوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)، وقد قال ابن مسعود: "السُّحتُ هو الرِّشا" أي الرشوة، ونُقل عن الإمام علي قوله: "السُّحت الرشوة"، كما أن تحريم الرشوة ثابتٌ بالسنَّة الصحيحة، فقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: "لعن رسولُ الله الرَّاشي والمرتشي"، وفي رواية: "لعن اللهُ الرَّاشيَ والمرتشي والرَّائش الذي يمشي بينهما".

ولا نريد حديثاً مُفصَّلاً عن الرشوة هنا لكننا سنُعالج في هذه الأسطر مشكلةً مطروحة مفادها: هل يجوزُ دفعُ مالٍ في صورة رشوة لنيل حقٍّ ثابتٍ للدَّافع أو لردِّ ظلمٍ حالٍّ على الدافع ؟

والجواب: أنَّ فقهاءنا اختلفوا حول هذا الأمر إلى ثلاثة مذاهب:

الأول: أجازَ الدَّفع، وهو قول عطاء بن رباح والحسن البصري، واستدلُّوا بما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه: "أنه لما أتى أرضَ الحبشة أخذَ بشيءٍ فتعلَّق به، فأعطى دينارين حتى خلّي سبيله". وجاء في كتاب المجموع للإمام النووي: "فأما الرَّاشي فإن كان يطلب بما يدفعه أن يحكم بغير الحقِّ حرم عليه ذلك، وإن كان يطلب بما يدفعه وصوله إلى حقه لم يحرم عليه ذلك".

الثاني: لم يُجِز الدَّفع، وصاحبُ هذا القول الشوكاني حيث قال: "والتخصيص لطالب الحقِّ بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم غير وارد، ولا أدري بأيِّ مخصص كان، والحقُّ التحريم مطلقاً أخذاً بعموم الحديث".

الثالث: أجازَ الدَّفع للذي لا يستطيعُ الحصول على حقِّه إلا بهذه الطريقة، فإن استطاع بغيرها حرم عليه الدفع، وهذا قول ابن حزم، وقد قال رحمه الله تعالى: "من قدر على دفعِ الظلم عن نفسه دونَ أن يدفع لم يحلَّ له إعطاء فِلْسٍ فما فوقه في ذلك، وأما مَنْ عجزَ فالله تعالى يقول: (لا يُكلِّفُ الله نفساً إلا وسعها)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم"، وصارَ في حدِّ الإكراه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه".

وأنا أختار الرأي الثالث، وذلك للضَّرورة، التي هي ملجأٌ شرعي ومصدرٌ مُعتَرفٌ به في ديننا فالله تعالى يقول: (فمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه).

على أنَّه لا يجوز التوسع في الضرورة، وإنما الضَّرورة تُقدَّر بقدرها كما قال الأصوليون.

وعلى كلٍّ: نسألُ اللهَ أن يجعلَ أموالَنا وكسبَنا حلالاً، وأن يُجَنِّبنا الحرامَ والسُّحت.

حلب

29/3/2019

محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق