آخر تحديث: السبت 04 فبراير 2023
عكام


خطبة الجمعة

   
فِيهِ ذِكرُكُم

فِيهِ ذِكرُكُم

تاريخ الإضافة: 2022/12/02 | عدد المشاهدات: 91

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

سأل طالبٌ استاذه: لماذا القرآن ? وما حاجة الانسان الى القرآن ? ودائماً يُحدِّثوننا عن تلاوة القرآن وقراءة القرآن وتدبر القرآن، فلماذا ؟ أجاب الأستاذ هذا الطالب قائلاً: هل ذهبت يا هذا يوماً لشراء آلةٍ كهربائية ؟! أو هل قُدِّر أن كنت مع والدك أو مع أخيك الكبير أو مع أحد أقربائك فاشترى أمامك آلةً كهربائية أو آلة صناعية أو ما ماثل ذلك ? قال الطالب: نعم حدث. قال الأستاذ: عندما اشترى هذا الذي معك الآلة الجديدة الحديثة كيف تسلَّمها ? قال: تسلَّمها مُغلَّفة في صُندوق وكان معها ما يُسمَّى "بالدليل"، كان معها ما يسمى "بالكتالوك". قال الأستاذ: أرأيتَ لو أن هذا البائع أعطاك هذه الآلة من غير هذا الكتاب الذي هو الدليل ؟! فقال الطالب: لو أعطاني الآلة من غير هذا الكتاب لطالبتُه بالدَّليل، بهذا الكتاب الذي يُسمَّى "الدليل". قال الأستاذ: وماذا في هذا الدليل ? قال: في هذا الدليل توصيفٌ للآلة وكيفية تشغيلها وكيفية استخدامها. قال له: أحسنت. ثم التفتَ التفاتة أساسية وقال لهذا الطالب: أأنتَ مصنوع ? قال: نعم، أنا مصنوع، لكن صناعة فريدة. لقد صَنَعني ربي عزَّ وجل. قال له: الذي صنعك ربك، هناك آلة صَنعها صانع، ومع الآلة أعطى هذا الصانعُ كتاباً من أجل إرشاد هذا الذي اشترى الآلة كيف يتعامل مع هذه الآلة، يتعرَّف عليها وكيف يُوظِّفها.

أنت مصنوع، والله صَنَع، فالله جعلَ معك دليلاً، الصانع وهو صاحب الدليل، وهو صاحب "الكتالوك" وأنت المصنوع المقدَّر الأسمى، المصنوع المكرَّم، فثمة كتاب ودليل يجب أن يكون معك، الفارق بين هذا الكتاب والدَّليل والكتاب الآخر أن هذا الكتاب الذي يأتي مع الآلة يقرؤه المستخدم لهذه الآلة، أما هذا الكتاب الذي معك تقرؤه أنت، لأنك أنت مصنوعٌ واعٍ، هذا الكتاب (الدليل) هو القرآن يا ولدي. أنت لا يمكنك أن تكون من غير دليل من الصانع الأجَلّ جَلَّ وعلا، لا يُمكن أن تكون والا فستتيه وأنت تحاول التعرف على نفسك، وأنت تحاول كيف أن تتعرَّف تُشغِّل نفسك وكيف تتعرف على هدفك وعلى غايتك.

كان هذا القرآن أو الكتاب السماوي دليلاً لك أرسله الصَّانع الأعظم من أجل أن تستهدي به لمعرفة نفسك، ولمعرفة غاياتك، ولمعرفة وظيفتك، وللقيام بوظائفك من حيث كونك إنساناً. في هذا الدليل - يا بني - ستجد أمرين اثنين كما في الدليل الآخر: ستجد توصيفك وستجد توظيفك، اقرأ هذا القرآن من أجل تتعرَّف على أوصافك، على وصفك الخِلقي، اقرأ: (فلينظُرِ الإنسانُ ممَّ خُلِق. خُلِقَ من ماءٍ دافق. يخرجُ من بين الصُّلبِ والتَّرائب)، اقرأ: (إني خالقٌ بشراً من طين. فإذا سَوَّيتُه ونفختُ فيه من رُوحي فقعوا له ساجدين)، اقرأ: (هل أتى على الإنسان حينٌ من الدَّهرِ لم يكن شيئاً مذكوراً. إنَّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليهِ فجعلناهُ سميعاً بصيراً). كل هذا في التَّوصيف الخِلقي، وثمةَ آياتٌ وآيات لا يُمكن أن يحصيها إلا رجلٌ جَادٌّ في البحث في هذا الدليل عن صِفته التي وصفه بها الصَّانع الأعظم جَلَّ وعلا.

وأما التَّوصيف المقابل للخِلقي التَّوصيف الخُلُقي، التَّوصيف المعنوي، ثمة آيات كثيرة أيضاً: (إنِّي جاعلٌ في الأرض خليفة)، أنت خليفة الله في أرضه: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة)، (إنَّا عرضنا الأمانة على  السَّماواتِ والأرضِ والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)، (يا أيها الإنسان ما غَرَّكَ بربك الكريم. الذي خلقك فسوَّاك فعَدَلك)، (لقد خلقنا الإنسان في كبد. أيحسَبُ أن لن يقدر عليه أحد. يقولُ أهلكتُ مالاً لُبَداً)، (أيحسب أن لم يَرَهُ أحد. ألم نجعل له عينين. ولساناً وشفتين. وهديناه النَّجدين. فلا اقتحمَ العَقَبة. وما أدراكَ ما العقبة)، اقرأ يا أيها الباحث الجادُّ عن عن توصيفِك الخُلُقي، اقرأ عن توصيفك الخُلُقي بعد أن تقرأ عن توصيفك الخِلقي: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثمَّ رَدَدناه أسفل سافلين)، هذا عن التَّوصيف.

أما التوظيف، لماذا خُلقت ? سؤال يطرح نفسه، لماذا خُلقت ? أنت تسأل نفسَك، وأنا أسأل نفسي لماذا خُلقت ? ما وظيفتي ? ما الغايةُ التي يجب أن أحقِّقها من وجودي ? هل وُجِدتُ من أجل أن آكل وأن أشرب ? هل وُجدتُ من أجل أن أنمو يوماً بعد يوم، أكون صغيراً ثم أُصبح كبيراً ثم أرحل من هذه الحياة، هنالك وظيفة مُلقاةٌ عليك، وهنالك غاية يجب أن تُحقِّقها، كُلُّ ذلك موجود في هذا الدليل في القرآن الكريم. الوظيفة التي أنت خُلقتَ من أجلها: (لا إله إلا أنا فاعبدني)، الوظيفة التي خُلقتَ من أجلها: (وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون)، (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)، خُلقتَ من أجل أن تعبدَ الله، من أجل أن تكون عبداً، وهذه الصِّفة هي أشرف صفة يمكن أن تسعى للتحقُّق بها، ولذلك نقول: لقد مدح الله نبيَّه مُحمَّداً صلَّى الله عليه وسلم بأعظم صفةٍ حينما قال: (سُبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) بعبده، فهل أنت عبد ? هذه وظيفتك، هل أنت مُتحقِّق بالعبودية في زواجن، في طعامك، في شرابك، في علاقاتك، في تحركاتك، في تعاملك، في مسؤولياتك التي أنيطت بك، في ثُكنتك، في مديريتك، في وزارتك ؟! فهل أنت مُتحقِّق بالعبودية حسب الكتاب، الدليل الذي جعله الله لك دليلاً. انظر القرآن، ولذلك قال الحسن البصري سيد التابعين رضي الله عنه: من أراد أن يعرف مَنْ هُو، أن يعرف حقيقته، فليعرِض نفسَه على القرآن. هل من هل من قراءة حتى نكون عمليِّين، هل من قراءة تقرؤها أنت للقرآن الكريم من أجل أن تتعرَّف على وصفك وعلى وظيفتك ? اقرأ القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، أناشدك الله، أناشدك إنسانيتك أن تقرأ القرآن، أن تبدأ من اليوم، وأن تقرأ القرآن بهذه النية، بنية التعرُّف على نفسك، ومَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه، إن عرفتَ نفسك وأنَّك مصنوعٌ أسمى، وأنك مصنوعٌ مُكرَّم، وأنك مصنوعٌ مُعظَّم، تعرَّفت على الصانع الأعظم، تعرفت على من قال ولا قول بعده: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبيتليه فجعلناه سميعاً بصيراً)، (ونفسٍ وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكَّاها. وقد خاب من دسَّاها. كذبت ثمود بطغواها. إذ انبعث أشقاها. فقالَ لهم رسولُ اللهِ ناقةَ اللهِ وسُقياها. فكذَّبوهُ فعَقروها. فدَمْدَمَ عليهم ربهم بذنبهم فسوَّاها. ولا يخافُ عُقباها).

أناشدكم الله يا شباب، يا طلاب، يا أساتيذ، يا معلمون، يا أيها الناس على اختلاف طبقاتكم العمرية وعلى اختلافِ مَناصبكم: أناشدكم أن تقرؤوا القرآن قراءةً واعية لتتعرَّفوا على أوصافكم، على حقيقتكم الخِلقية والخُلُقية والمعنوية والمادية، ولتتعرَّفوا على وظيفتكم، لأنَّ السؤال الأكبر في حياة الإنسان لمَ أنا موجود ؟ والقرآن هذا الكتاب الدليل يُجيبك على هذا السؤال الذي حيَّر الكثيرين إن لم يكونوا مُسلمين مُؤمنين عندهم كتابٌ من الله يتدبَّرونه حقَّ التَّدبر.

اللهمَّ رُدَّنا إلى هذا الدَّليل الذي ارتضيتَه لنا: (إنا أنزلناه قرآنا عربياً)، (الم. ذلك الكتابُ لا ريب فيه  هُدىً للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) رُدَّنا إلى قرآننا ردَّاً جميلاً يا ربَّ العالمين، نِعمَ مَن يُسألُ أنت، ونعم النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 2/12/2022

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/h9S-2DGw7Z/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق