آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
وأَوْفُوا بالعَهْدِ

وأَوْفُوا بالعَهْدِ

تاريخ الإضافة: 2023/11/10 | عدد المشاهدات: 258

 

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

كنتُ أقرأُ القرآنَ الكريم وإذ بي أَصِلُ إلى قوله تعالى: (وأَوفُوا بالعَهدِ إنَّ العهدَ كان مَسؤولاً)، قلتُ: إن هذا القرآنَ خِطابٌ لنا جميعاً، فهل هُنالك عَهدٌ أبرمتُه ولم أُوفِ به ? هل ثمة عُهودٌ أبرمتُها ولم أوفِ بها ? قلتُ: لأحدِّثنَّ إخوتي في هذا الأسبوع عن العُهود، وأريدُ أن أذكِّرهم بتلك العُهود التي أبرموها، فإنْ سألتُكم: هل أبرمتم عهُوداً ثم نسيتموها ? لعلكم تقولون: لم نُبرِم عَهداً معَ أحد، وبالتالي: (وأَوفُوا بالعَهدِ إنَّ العهدَ كان مَسؤولاً) إذا عاهدتُ عهداً فسأوفي به إن شاء الله. أُذكِّرُ نفسي وإياكم بأنَّ ثمةَ عهوداً أبرمناها، وعلينا أن نتذكَّرها دائماً، هنالك عهدٌ أبرمتَه معَ ربِّك يومَ كُنتَ في عالم الذَّرِّ، يومَ كُنت في ذلك العالَم الذي قال عنه ربي عزَّ وجَل: (وإذ أخَذَ رَبُّكَ من بني آدمَ مِن ظُهورِهم ذُرِّيَتهم وأشهَدَهُم على أنفسهم ألستُ بِربِّكم قالوا بلى شَهِدنَا) أنت شهدتَ بأنَّ اللهَ رَبُّك، وأخذتَ العهدَ على نفسك أمامَ ربِّك أن يكونَ اللهُ ربَّك، أن يكونَ اللهُ مَعبودَك، أن يكونَ الله هو المشرِّع عندك، أن يكونَ الله هو المعبود، (ألم أعهَد إليكم يا بني آدمَ ألا تعبدوا الشَّيطان إنَّه لكُم عَدُوٌّ مبين. وأن اعبُدوني هذا صِراطٌ مستقيم) أبرمت عهداً مع ربِّك، عليكَ أن توفيَ به في أن تعبُده، في أن تُوحِّده، في أن تُطيعَه، فانظر يومَك عند المساء، هل أوفيتَ بِعَهدك معَ رَبِّك ? هذا عَهدٌ من العُهود.

أبرمتَ عَهداً مع مُحمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلام، عندما رَدَّدتَ وتُردِّدُ في كلِّ يوم: "أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّ مُحمَّداً رسولُ الله" أخذتَ العَهدَ على نفسك في أن تعتقدَ جَازماً بأنَّ محمداً رسولُ الله، وبأنَّ محمداً أسوتُك، وبأنَّ مُحمداً قدوتُك، فهل أوفيتَ بالعهدِ مع رسولِ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلام.

عاهدتَ نفسَك مع القرآن الكريم على أن يكونَ مِنهاجَك، على أن يكونَ كتابَك، على أن يكون دستورَك، يومَ قرأت: (وبالحقِّ أنزلناهُ وبالحقِّ نَزَل)، (إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقوم) تلكَ آياتٌ تقرؤها أنت، فإن سألتُك هل تعتقد بها ? تقولُ لي مِن دون أدنى شك: نعم، أعتقدُ بها، وأُقِرُّها وأعترفُ بها وأَدينُ بها أمامَ الله عَزَّ وجل، فهل أوفيتَ بعهدك مع القرآن تلاوةً وقراءةً وتدبُّراً ? هل أنتَ أوفيتَ بعهدك مع القرآن لأنكَ عاهدتَ نفسَك أمامَ رَبِّك على أن يكونَ الكتابُ الكريم دُستورَك، فهل تقرأ هذا الدُّستور ? وهل تفهمه ? وهل تتدبره ? وهل تصطحبه ? وهل تَتبارك به ? وهل تجعله دائماً ميزانَك ومِعيارَك ? "أنزل الله هذا القرآن"، هكذا قال الحسن البصري رضي الله عنه: "أنزلَ اللهُ هذا القرآن ليُعمَلَ به، فاتَّخَذَ النَّاسُ تلاوتَه عملاً" هو المعيار إذا أردتَ أن تعرفَ مَن أنت، وما أنت فاعرِض نفسَك على القرآن الكريم، عاهدتَ نفسَك معَ القرآن على القرآن وعلى المصطفى العدنان وعاهدتَ ربَّك على أن تعبده، فهل أوفيتَ بعهودك هذه ? لذلك إذا قرأتَ قوله تعالى: (وأَوفُوا بالعَهدِ إنَّ العهدَ كان مَسؤولاً) تذكَّر هذه العُهود التي أبرمتَها أنتَ بملءِ إرادتك، أقول لك: هل أنتَ عَاهدتَ ربَّك على الطَّاعة مُكرَهاً ? ستقولُ لي: لا. هل عاهدتَ مُحمَّداً على الاتباع والاقتداء والائتساء مُكرَهاً ? ستقول: لا. هل عاهدتَ القرآن الكريم على أن يكون منهاجَك وكتابَك ودستورَك مُكرَهاً ؟ ستقول: لا. إذاً أوفِ بِعَهدك أيها الإنسان، لأنَّك مسؤولٌ أمام الله عن تلك العُهود وقد أبرمتَها بإرادتك وبرضاك.

هنالك عَهدٌ تُذكِّرنا الأحداث به، هنالك عَهدٌ أبرمتموه مع شعائر الله، مع الأماكن المقدَّسة، مع الحَرَمين الشريفين، مع المسجد الأقصى، هذه الأماكن المقدَّسة من الشَّعائر، والعَهدُ الذي أبرمتَه مع هذه الشَّعائر من أولوياتِ بُنودِ هذا العَهد أنْ تُعظِّمها، (ومَن يُعَظِّم شَعائرَ اللهِ فإنَّها مِن تقوى القلوب) فهل أنت أوفيتَ بِعَهدك مع هذه الشَّعائر فعَظَّمتَها ? هل عظَّمتَ الحَرَمين الشريفين مكَّة والمدينة، الحرمَ المكي والحرم النَّبوي ? لعلَّكَ فعلتَ هذا وإن كانَ على استحياء، لكن السؤال الأكبر: هل عَظَّمتَ المسجدَ الأقصى، (سُبحانَ الذي أسرى بِعبدهِ لَيلاً من المسجدِ الحَرَامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي بَاركنا حوله) هُو مَسرى الرسول عليه الصَّلاة والسلام، أو نهايةُ المسرى، ومُبتَدأ المعراج، وثالثُ الحَرَمين، وأُولى القِبلتين، فهل أوفيتَ بِعَهدك مع المسجدِ الأقصى بالتَّعظيم ? ومن أهمِّ بُنودِ التَّعظيم أن تُزيلَ عن هذا المكان المقدَّس الآثمين الصِّهاينة المجرمين المعتدين، لذلك إخوتُنا المجاهدون هناك يَقومون بالوفاء بالعَهد الذي أبرموه مع رَبِّهم حِيال المسجد الأقصى، أما أنت فهل تُوفِي بالعهد مع المسجدِ الأقصى أمامَ ربِّك ? لعلَّك تقول لي: وماذا أفعل ? أقول لك: أنت تقرأ كتابَ الله عز وجل، وتقول بأنَّ الجهاد يمكن أن يكونَ بالنَّفسِ وبالمال وبالكلمة، فاتَكَ الجِهادُ بالنَّفسِ، فهل فاتَك الجِهادُ بالمال ? هل فاتَكَ الجِهادُ بالإعانة ? هل فاتَكَ الجِهادُ في أن تُرسِلَ - كما قلت في أسبوعٍ مضى – (فليُهدِ إليهِ زَيتاً يُسرَجُ فيه، فإنَّ مَن أهدَى إليه كَمن صَلَّى فيه) هكذا قال النبيُّ الأعظم عليه الصَّلاةُ والسَّلام، جِهادٌ بالمال، لأنَّ اللهَ اشترى منكَ نفسَك ومالَك، والذين يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فهل أنتَ توفي بعهدك مع المسجد الأقصى بالجهادِ بالمال ? لا تملكُ المال فهل تُوفي بِعَهدك بالجهاد بالكلمة ? بالدِّفاع عن المسجدِ الأقصى من حيثُ التَّاريخ، ومن حيثُ العقيدة، ومن حيث الأصول، ومن حيث الأصالة، ومن حيث نسبةُ الحقِّ إلى أهله، ومن حيثُ الدُّعاء، فهل تتذكر أنتَ يا أخي الكريم في كُلِّ صلاةٍ هذا المسجد الذي اعتَدى عليه مُجرِمون آثمون، وعاوَنَهم مُجرمون آثمون أيضاً، فهل تَدعُو لإخوانك الذين يُجاهدون هؤلاء المجرمين، تدعُو لهم في كلِّ صلاة ? المطلوبُ منك أن توفي بعهدك مع المسجد الأقصى، فقد عاهدتَ ربَّك على أن تُعظِّمَ شعائر الله والمسجد الأقصى، وبيتُ المقدس من شَعائر الله لا شكَّ في ذلك ولا رَيب. أعيدُوا النَّظر يا إخوتي في عُهودكم التي أبرمتموها مع ربِّكم، واسألوا أنفُسَكم صباحَ مَساء: هل تُوفونَ بعهدِ الله الذي عاهدتم به ? (وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ من الإيمان) كما قال سَيِّدُ بني عَدنان عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وسَيِّدُ بَنِي الإنسان: (وإنَّ حُسْنَ العَهْدِ من الإيمان) وإنَّ عَدَم حُسنِ العَهدِ - لا شكَّ - هو مما يُضادُّ الإيمان، من عَكسِ الإيمان، وعَكسُ الإيمان كُفرٌ وإلحاد، فاللهمَّ إنَّا نسألُكَ بحقِّ مُحمَّد وآلِ محمد، وحقِّ القرآن، وحقِّ شَعائرك التي أمرتَنا أن نُعظِّمها، نسألك أن توفِّقنا لإكرامه، للإيفاءِ بالعهود التي أبرمناها معك يا رب، مع نبيِّك، مع القرآن، مع شعائرك المعظَّمة المقدَّسة، مع وَطننا الذي هو أيضاً صاحبُ فَضلٍ علينا، "ووَطَنٌ لا تَحمِيه لا تَستَحقُّ العَيشَ فيه"، اللهمَّ أيِّدنا بتأييدٍ من عندك، وانصر إخواننا المجاهدين في فلسطين وفي كل مكانٍ على أعدائك أعداء الدِّين يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَن يُسأَلُ أَنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أَنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 10/11/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

 

https://fb.watch/odLc6medJp   /

 

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق