آخر تحديث: الجمعة 01 مارس 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
دِعاماتُ التَّماسُك

دِعاماتُ التَّماسُك

تاريخ الإضافة: 2023/12/08 | عدد المشاهدات: 174

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنون إنْ شَاءَ الله:

قلت في الأسبوع الفائت: إنَّ إنساناً يعمل في الإعلام سألني وقال لي: وَجِّه كلمة للأمة في هذه الظروف، فقلت: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).

أيتها الأمة: تَمسَّكي وتَماسَكي، تَمسَّكي بحبلِ الله المتين، وهُو القرآنُ الكريم، وتَماسكي، اجتمعي وتآلفي وتضامني وتعاوني، ومِن دون التمسُّك بحبل الله الذي هو القرآن، والتماسُك والاجتماع على هذا التمسك لن تكون لكِ أيةُ قيمة، ولن تقومَ لك قائمة. تحدثنا عما يؤذي التَّماسك، وقد طلبَ مني بعض الإخوة أن أحدثكم عمَّا يَدعَمُ التَّماسك، تحدَّثنا عمَّا يؤذي التماسك، واليوم عما يدعم التماسك. الذي يدعم التماسك أمور:

أولاً: أن تستحضر بأنَّ التماسك فَريضة، لأنَّ الله عَزَّ وجل قال: (ولا تَفَرَّقوا) أي اجتمعوا، والاجتماع أمر، والأمر يُفيدُ الوجوب. اعلم أنَّ التَّماسك، أنَّ التعاضد، أنَّ الاجتماع، أنَّ الجماعة فَرض، ولذلك قالَ أيضاً ربُّنا عز وجل: (إنَّما المؤمنون إخوة) هو إخبار، ولكنَّه يحملُ إنشاءً، أي: كونوا إخوة، وهذا الأمر عليكم أن تستقبلوه لتُطبقوه، فها أنتم قد استقبلتموه فطبقتموه فأصبحتم إخوة، وكان الأمر بَدَهي (إنَّما المؤمنون إخوة) أصبحتم إخوة، أن تكونوا إخوة مجتمعين، فهذه فريضة، ولذلك أيضاً قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لا تَحاسَدُوا ولا تَباغضوا ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) فريضة، كونوا فعل أمر، كونوا عباد الله إخواناً.

الأمر الثاني الذي يدعم التَّماسك: إفشاء السَّلام، أن أشعرَ بالسِّلم وأنا معك، وأن تشعرَ بالسِّلم وأنت معي: (لا تدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تؤمنونَ حتى تَحابُّوا، أوَلا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تَحاببتم ؟ أفشوا السَّلامَ بينكم) أي قولوا - كما قلنا في أكثر من مناسبة - حَيُّوا بعضكم تحيةَ الإسلام: "السَّلام عليكم"، وأيضاً لا تكتفوا بالسلام تحية، بل اجعلوا السَّلام هي الأرضية التي تلتقون عليها فيما بينكم أنتم يا من تعتصمون بحبلِ الله، يا من تعتصمون بالقرآن الكريم، يا من تُؤمنون بالقرآن الكريم.

الأمر الثالث الذي يدعَمُ التَّماسك: التَّزاور والتَّجالس واللقاء، يقول عليه الصَّلاة والسلام عن ربِّ العزة جَلَّت قُدرته: (وَجَبَت مَحبَّتي للمُتزاورين فيَّ، وَجَبت مَحبتي للمُتجالسين فيَّ، وَجَبت مَحبتي للمتحابين فيَّ) هيا فَزُر المسلم الآخر بنيَّة التقرب والقرب، بنية المودة، بنية الاجتماع على الخير، بنية لمِّ الشَّمل، بنية شَدِّ العَضُد، بنية التَّقوي بالمسلم الآخر، لذلك التَّزاور والتَّعارف: (وجَعلناكم شُعوباً وقَبائل لتعارفوا) مطلوبٌ منك التَّعارف مع الناس كافة، فمن بابٍ أولى مع هذا الذي يُصلِّي بجانبك، مع هذا الذي يصلي كما تصلي، ويصوم كما تصوم، ويزكي كما تزكي، وينادَى بالاسم الذي يُماثل اسمك، ويسكن البلد الذي تسكنه، ويعيش بجانبك، ويرتادُ المسجد الذي ترتاده، (كونوا عباد الله إخواناً) التَّعارف والتَّزاور.

الأمر الرابع الذي يدعم التماسك: ولعلَّنا مُقصِّرون في هذا الأمر، في هذا الشَّأن، في هذا الدَّاعم: الدُّعاء في ظهر الغيب لأخيك، لإخوتك، للجماعة الذين يُصلُّون معه، للجماعة الذين تعرفهم. قلتُ لكم مرةً منذ أكثر من أربعين عاماً: قرأتُ عِبارةً منسوبة لسيدنا أبي الدَّرداء رضي الله عنه يقول هذا الرجل: "إنِّي لأدعو لسبعينَ رجلاً من أصحابي في صلاتي أُسمِّيهم بأسمائهم" فهل تدعو أنت لأخيك الذي يُصلِّي بجانبك، وهل تدعو لأخيك الذي يزورك، وهل تدعو لأخيك الذي تعرف اسمه، وعليك أن تتعرَّف على اسمه، على اسم هذا الذي يُصلِّي بجانبك، لأنَّ النبيَّ عليه الصَّلاة والسلام قال، وإن كان الحديثُ فيه شيءٌ من الضَّعف إلا أن المعنى تُقوِّيه مَفاهيم أو مفهومات الإسلام: (ثلاثٌ من العَجْز: أن تتحدَّث إلى شخصٍ وأن لا تعرفَ اسمه) إذا آخيتَ أخاً فسَلْ عن اسمه وعن نَسبه، فإنه كما قال النبي في هذا الحديث وسِواه (فإنه أوصلُ للمودة) ومن جُملة الدُّعاء في ظهر الغيب أن تَنصُرَ أخاك في غَيْبته، ألا تكون عوناً على هذا الذي يتكلم على أخيك، بل عليكَ أن تنتصر لأخيك الغائب عندما يُنتقَصُ من عِرضه، وعندما يُنتَهكُ من حرمته، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما من امرئٍ ينصُرُ مُسلماً في مَوضعٍ يُنتَهكُ فيه من حرمته أو ينتقص فيه من عرضه إلا نَصَره الله عزَّ وجل في موضعٍ يُحبُّ نُصرتَه فيه) فهل تَنصُرون بعضَكم في غَيْبةِ بعض، وهل تُدافعون عن بعضِكم وإن كنتم لا تعرفون بعضَكم حقَّ المعرفة، أم إنكم تنتظرون اللحظة التي يُتكلَّم فيها عن أخيكم، هذا الذي بجانبكم لتكونوا عَوْناً مع هذا النَّمام، وهذا المغتاب، وهذا ما يحصل في لقاءاتنا ومجتمعاتنا، فأين نحن من هذا التماسك، والتماسك شرطٌ من شُروط النصر: (إنَّ اللهَ يُحبُّ الذين يُقاتلون في سَبيله صَفَّاً كأنهم بُنيانٌ مَرصُوص) فإن لم نكُن بُنياناً مَرصوصاً فلا نَصرَ لنا.

لَعلِّي في النَّهاية أقول: هذا التماسك يجبُ أن نتحقَّق به، وأن نُحققه، وأن نُدافع عنه، واليوم وكلنا يعلم أنَّ ثمَّةَ عدواً لدوداً، يُجسِّد هذا العدو الصُّهيونية العالمية، والماسونية العالمية، والغرب المتصهين، كل هؤلاء يُريدون منا أن لا نكون متماسكين، يريدون أن يفرقوا بيننا في وقتٍ ما على أساسِ المذهب، وفي وقتٍ آخر على أساسِ العِرق، وفي وقتٍ ثالث على أساسِ اللغة، وعلى أساسِ الطائفة، وعلى أساسِ الجغرافية، وعلى أساسِ الحدود، هؤلاء اخترقوا تماسكنا وشَتَّتوا شملنا واحتلوا أراضينا وها هم الآن إخواننا المجاهدون يجاهدونهم ويقاتلونهم، يُدافعون عن تماسكنا، يُدافعون عن وحدتنا، فيا أيها المتكلمون في غير فلسطين: تحدَّثوا عن التَّماسك، تحدثوا عن التعاون، تحدثوا عن الاعتصام، ولا تتحدثوا عن التفرقة، فما لي أسمع اليوم مَنْ يتكلَّم هنا أو هناك عن تفرقةٍ يُريدها كما يُريدها العدو الصهيوني الغاشم والغرب المتصهين، يتحدث عن تفرقةٍ بين المسلم والمسلم، بين المسلم الصُّوفي والسلفي، ولا حاجة أن أكرر وأذكر إخوتنا في فلسطين يجاهدون حق الجهاد، لأنهم يدافعون عن تماسكنا أمام عدو لدود، سعى منذ أن وُجد، منذ أن أوجده الشيطان الأكبر وإلى يومنا هذا سعى لاختراقنا، سعى لتفريقنا، استخدم قاعدة "فَرِّق تَسُد" أما من حيث الجغرافية فها هو قد قسَّم بلداننا إلى بلاد صغيرة، وها هو الآن يتابع دَورَه الإفسادي من أجل أن يُفسد بينَ المسلم والمسلم، بينَ الذي يقول لا إله إلا الله وبين الذي يقول أيضاً لا إله إلا الله، لكنه يجتهدُ، هذا العدو الخبيث، ليقول لهذا وذاك: "هذا الذي يقول لا إله إلا الله لا يحبك" وإذ بنا نستمع لهذا العدو، نطيع هذا العدو، ونسمع له فنُعادي أخانا الذي يشترك معنا في خمسةٍ وتسعين أمراً من شؤون حياتنا من دنيانا وأخرانا. بوركتم أيها المجاهدون في فلسطين وأنتم تجاهدون في الأرض التي يجب أن نجاهد فيها، جهادُ فلسطين هو الجهادُ الحقيقي، بوركتم لأنكم تُدافعون عن تماسكنا ولأنكم تتعاونون مع المسلمين في مختلف الأصقاع على اختلاف مذاهبهم، فبوركتم يا أيها المسلمون المجاهدون، وأما أنتم يا من تذعنون لنداءِ التفرقة وقد صدرَ من عدوٍ لدود، وأنتم تعرفون عداوته اللدودة، أسألُ الله أن يُصلِحكم وأن يَردَّكم إلى دينكم رداً جميلاً، وأن تعودوا مع المسلمين المتمسِّكين المتماسكين لتكونوا قوة، وعندها: (وكان حَقَّاً علينا نصرُ المؤمنين) وعندها: (كُنتم خير أمةٍ أخرجت للناس) وعندها: (وليَنصرنَّ اللهُ مَن ينصره إنَّ الله لقويٌّ عَزيز). اللهم نصركَ الذي وعدت على أولئك المعتدين الآثمين ومن لَفَّ لَفَّهم ومَن سارَ معهم ومَن دار في فَلَكهم يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَن يُسأَلُ أنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 8/12/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/oOSDUu-HVh/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق