آخر تحديث: الثلاثاء 23 إبريل 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
القَلبُ السَّليم

القَلبُ السَّليم

تاريخ الإضافة: 2024/03/08 | عدد المشاهدات: 169

 

أمَّا بعد، فَيَا أيُّها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنون إنْ شَاءَ الله:

قال لي أحدُ الشَّباب: عَلى مَاذا أُركِّز في رَمضان ? قلتُ له: رَكِّز في رَمَضان وفي غَيرِ رَمَضان على قَلبك. فالقلبُ أساسٌ لا شكَّ في ذلك ولا رَيب، (ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغة، إذا صَلُحَت صَلُحَ الجسدُ كُلُّه، وإذا فَسَدت فَسَدَ الجسدُ كُلُّه، ألا وهي القَلب) كما تُعنَى بِصِحَّةِ قلبِك المادِّي وتَعتَبرُ القلبَ مَدَارَ وأساسَ الصِّحة العامة الجسدية المادية، فالقلبُ أيضاً من حيثُ الصِّحة الإيمانية والصِّحة الجسدية أساس، (يَومَ لا يَنفعُ مَالٌ ولا بَنون. إلا مَن أتى اللهَ بِقَلبٍ سليم) القلبَ القلبَ يا أخي، اعتنِ به واجعله سَليماً مُنيباً مُطمئناً. القلبُ - يا سائلي - مَحَلُّ نَظَرِ الله عَزَّ وجَلَّ (إنَّ الله لا ينظر إلى صُوركم ولا إلى أجسادكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظُر إلى قُلوبِكم) وأعمالكم التي تصدرُ عن قلوبكم، الأعمال الخالصة المخلصة (لأنَّ اللهَ لا يَقبلُ من العملِ إلا ما كانَ خَالصاً وابتُغِيَ به وجهُه)، القلبُ مَحَطُّ تَنزُّلاتِ المواهب الرحمانية، (نَزَلَ به الرُّوحُ الأمين. على قلبِكَ لتكونَ مِن المنذِرين. بلسانٍ عَربيٍّ مُبين) القلبُ مَقَرُّ الإخلاص، وعَمَلٌ من غيرِ إخلاص لا قِيمةَ له، القلبُ مُستودَع الإخلاص، ولذلكَ قالَ النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: (التَّقوى هَهنا، التَّقوى هَهنا) والتَّقوى هي الإخلاص، (أولئكَ الذينَ امتحنَ اللهُ قُلوبَهم للتَّقوى)، (التقوى هَهنا، بحسبِ امرئٍ من الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاهُ المسلم، كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرام) القلبُ المدارُ عليه وهو المعيار في القَبول وفي الرَّفض، (يَومَ لا يَنفعُ مَالٌ ولا بَنون. إلا مَن أتى اللهَ بِقَلبٍ سليم) من الضَّغائن، من الأحقاد، من الشَّحناء، من النِّفاق، من الرِّياء، من التَّطلُّع للناس، من التَّعلُّق بالدُّنيا، سليم وقَد مُلئَ رَغبةً ورَهبة، (يَدعُونَنا رَغَباً ورَهَباً وكانُوا لنا خَاشعين) هذا القلبُ مَملوءٌ بمحبةِ الله عَزَّ وجَل (يُحِبُّهُم ويُحبُّونه)، هذا القلب مَملوءٌ بالتَّوجه إلى الله عَزَّ وجَل، "إلهي أنتَ مَقصُودي، ورِضاكَ مَطلوبي"، (مَن عَمِلَ عَمَلاً أشركَ فيه مَعِي غَيري تَركتُه وشِركَه)، (ويُؤخِّر أهلَ الحِقدِ كما هم) كما قلنا في أحاديثِ شَعبان. القلبُ مِحور أساس، بل هو المحور الوحيد، (فإنَّها لا تَعمَى الأبصار ولكن تَعْمَى القلوبُ التي في الصُّدور)، انظُر قلبَك في بدايةِ رَمضان، وانظُر قلبَك في مُنتَصفِ رَمضان، وانظُر قلبَك في نهايةِ رمضان، هل تَحَسَّن قَلبُك من حيثُ الصَّفاء والنَّقاء والوَفاء والإخلاص والعَطاء ? هل تَحَسَّن قلبُك من حيثُ التَّوجُّهُ للهِ عَزَّ وجَل ? هل كانَ قلبُك ينبِضُ بـ: "لا إلهَ إلا الله حَقَّاً وصِدقاً، أم إنَّ قلبَك مُهمَلٌ مِن قِبلك، ولا تُعنَى إلا بالطُّقوسِ والشَّكليات ؟ تَصُومُ صِياماً تمتنعُ عن المفطِّرات الحِسِّية، ولا تَصومُ صَوماً تمتنعُ عن المفطِّراتِ المعنوية مِن كذبٍ وحَسَدٍ وحِقدٍ وغِيبةٍ ونَميمة ؟ انظر قلبك في أول رمضان، وفي مُنتصَف رمضان، وفي ليلةِ القدرِ من رمضان، وفي آخر رَمضان، فهل أنتَ صُمتَ رَمضان من خِلالِ قَلبك، أم صُمتَ رَمضان من خِلالِ جَسدك، (مَن صامَ رَمضان إيماناً واحتساباً) للهِ عَزَّ وجَلَّ، ليسَ من أجلِ الصِّحة، وليس من أجل العافية، وليسَ من أجل أن يُقالَ بأنَّني صائم، وليس من أجل أن أُحَسِّنَ وَضعي الصِّحي، وليسَ وليس... ولكنني أصوم لأنَّ الله الذي أُحبُّه وأعبُده وتعلَّقَ به قلبي قال لي صُم، فأنا أصومُ عُبوديةً لله، وأصومُ مَحبَّةً لله، وأصومُ طاعةً لله، (مَن صامَ رَمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذِنبه)، انظُر قَلبَك في كُلِّ ليلةٍ عند الإفطار وعندَ السُّحور، وعندما تأوي إلى الفِراش هَل قَلبُك مُعلَّقٌ بِربِّك ? هل قلبُك يقول: (الله) كما قال الإمام عبد القادر الجيلاني رَحمه الله ورضي الله عنه: "الإخلاص أن تقولَ (الله) وليسَ في قَلبِكَ سِواه". رَكِّز على قلبِك، وانظُر قلبَك، واشتغِل بقلبك، وعليكَ أن تتعلَّق وأن تنظُر إلى قلبك، "عَليكَ قَلبَك" أي الزَم قَلبَك من أجلِ أن يتحسَّنَ، لأنَّ القلبَ عليه المدار والاعتبار، لأنَّ القلب هو المقصودُ في النِّهاية من حيثُ الأمر والنَّهي الذي جاءَ من عندِ الله عَزَّ وجَل. قولوا جميعاً بقلوبٍ صادقة، وبقلوبٍ لا تعرفُ الرِّياء ولا تعرفُ الغَيرية، توجَّهوا إلى اللهِ عَزَّ وجَل وقولوا: اللهمَّ إنا نعوذُ بِكَ مِن قُلوبٍ لا تَخشع، ومن عَينٍ لا تَدمع، ومن عِبادةٍ ليسَ فيها إخلاص، توجَّهوا إلى الله عَزَّ وجَلَّ بالقلوب التي تَنشُدونها، بالقلوب التي تَبغُونها، ونحن نبغي قُلوباً مُطمئنَّة سَليمة رَاضية مُنيبة، ولا نَبغي، وحاشا لله، ولا نبغي قُلوباً سَوداء مُظلمة مَحشوَّة حِقداً وضغينة وعَداوة وبَغضاء. توجَّهُوا إلى الله بتلكَ القُلوب، وقولوا: اللهمَّ انصُر إخوتنا في فلسطين، يا نَاصِرَ المؤمنين انصُر إخوتَنا في فِلسطين. ومما يُساعدُ على جعلِ القلبِ سَليماً فريضةُ الصِّيام، لذلك قال الله عَزَّ وجَل في الحديث القدسي: (كُل عَملِ ابنِ آدمَ لَهُ إلا الصَّوم فإنَّه لي) لأنَّ الصومَ ليسَ له تَجَلٍّ ظاهر، أنت تُصلِّي، الصلاةُ لها تجلياتٌ ظَاهرة، تصلِّي الناسُ يرونك تصلي، أنت تحجُّ الناسُ يَرونك وأنت تحج، أنت تُزكِّي الناسُ يَرونك وأنت تُزكِّي وأنت تعطي، حتى ولو كان الذي يراك واحداً، أما الصَّوم فمَن الذي يَراك صائماً ? تمتنعُ سواءً أكان ذلك في رمضان أو في غير رمضان، تمتنعُ عن الطَّعام والشَّراب أمامي، لذلكَ قالَ اللهُ في الحديثِ القدسي: (إلا الصَّوم، فإنَّه لي وأنا أجزي به) الصِّيامُ يُعلِّمك الإخلاص، ويُعلمك أن يكون قَلبُك سَليماً بإذن الله عز وجل، ولهذا كانَ القلبُ المتَّقي غاية الصيام، (كُتِبَ عليكم الصِّيام كما كُتبَ على الذين من قبلكم لعلَّكم تتقون) والتَّقوى هي الإخلاص، والإخلاص مَقَرُّه ومُستودَعُه ومَحَلُّه القلب، اللهمَّ اجعَلنا في أعمالنا من المخلِصين، واجعل قُلوبنا سَليمة، وانصر المجاهدين في فلسطين وفي غيرِ فلسطين على أعداء الإنسانية يا ربَّ العَالمين، نِعْمَ مَن يُسأَلُ أنت، ونَعْمَ النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله    .

 

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 8/3/2024

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/qGJxZqLmcz/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

 

https://t.me/akkamorg

 

التعليقات

شاركنا بتعليق