آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
أيُّ سرٍ للجهاد

أيُّ سرٍ للجهاد

تاريخ الإضافة: 2002/06/10 | عدد المشاهدات: 2313

أما بعد ، أيها الإخوة المسلمون المؤمنون : 
منذ يومين سألني سائل ليسجل الجواب في صحيفة عربية ، قال لي : لِمَ الجهاد ؟ لم الجهاد الذي تخسرون فيه أشياء وأشياء تقدمون نفساً ، ومالاً ، أفلا تستريحون ؟! ووفرتم هذه الدماء والجهود وهذه الأموال لتجعلوها تعود عليكم بزيادة سرور وزيادة رفاهية ، ألا تستريحون من هذا العناء ؟ ما الذي يدفعكم من أجل أن تقاتلوا وتجاهدوا . 
قلت له : نحن ندعو إلى الله عز وجل ، ونسأل الله أن يجعلنا ونحن ندعو إليه من الدعاة إليه فعلاً ، فأنا أخشى - وليس هذا من باب التواضع - أخشى من دعوة إلى الله ولكن تسجل عند الله دعوى وادعاء ، فاللهم اقبل كلامنا هذا وعملنا وجهدنا على أنه مساهمة من أجل دعوة إليك يا رب العالمين . 
قلت لهذا السائل سَجِّل : نحن ندعو إلى الله عز وجل ونسعى من أجل أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وإخواننا يقاتلون العدو في فلسطين ، وآخرون من إخواننا يقاتلون العدو في مكان آخر ، كل ذلك من أجل أمور : 
الأمر الأول : لأننا مُكَلَّفون - يا أخي - والذي كلفنا هو الله . لماذا تقوم أنت بوظيفتك ، لماذا تعمل وتخاطر وتركب السيارة وتقطع المسافات ؟ لأنك موظف وتأخذ على ذلك أجراً ، ونحن أيضاً مكلفون ، وربي عز وجل هو الذي كلفنا وقال لنا : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) الله عز وجل قال : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) نحن مكلفون من قبل ربنا وخالقنا ، نحن مكلفون لأن ربنا قال لنا ( فقاتلوا أئمة الكفر ) نحن مكلفون لأن ربنا قال لنا ( كتب عليكم القتال وهو كُرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) هذا تكليف ، ولذلك دافعنا أننا مكلفون .
الأمر الثاني : لا تنس يا أخي أننا نقوم بما نقوم به لأننا نريد صلاح الكون وإعماره ، بناء وإعماراً ، سَجِّل البناء هو ما يتعلق بالمادة الكونية ، وأما الإعمار فما يتعلق بالمعنى الذي يجب أن يقوم عليه الكون، لأن الكون ليس مادة فحسب ، وإنما مادة ومعنى ، ونحن نريد صلاح الكون بناء لمادته وإعماراً بمعناه ، أليس الله قد قال : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) للبناء والإعمار ، قال لي : أولا يَسْعَ الآخرون إلى صلاح الكون ، سَلِّموا لهم إذاً . أجبته : إن هؤلاء الذين تعنيهم يسعون ، ولكن في أحسن أحوالهم لبناء الكون دون إعماره ، يبنون الكون ، يقومون بإنشاء المادة ، ويصنعون السلاح ، ويصنعون أدوات الترفيه ، والآلات ويصنعون ويَصنعون ، فهم في أحسن أحوالهم يقومون بالبناء ، لكن ألا ترى أنهم فيما يخص الإعمار يهدمون ، إذا كان الإعمار ينصب على المعنى ، ومعنى الإعمار عدل وإنصاف ورد اعتبار وإعطاء الحقوق لأربابها ، فإن هؤلاء ليسوا بأولي إعمار للكون لأنهم ظالمون ، ألم تسمع منهم كيف يصفون الظالم على أنه مظلوم ، يُبَدِّلون الحقائق ويصفون المظلوم على أنه ظالم ، ألم يعينوا أهل الفساد على فسادهم ، أين عدلهم وأخلاقهم وعفتهم ؟ أوَنُسِيَت العفة أم أن مرور السنوات أنسانا إياها فضيلةً وأضحت بالنسبة لنا قضية ليست بمحل اعتبار ؟ أين صونهم نساءهم وبناتهم وشبابهم ، أين صونهم عقولهم فيما يخص المجال الإنساني ، أين هذا كله ؟ نحن لسنا بمتعصبين فلم نسلم بعصبية ، لكننا لم نسلم للآخرين ، لأن الآخرين في أحسن أحوالهم يتوجهون للكون بالبناء لكنهم فيما يخص المعنى يهدمون ، والأمثلة واضحة ، ماذا فعلت أمريكا في فلسطين ؟ قضت على العدل والإنصاف والحق ، وقفت إلى الباطل تدعمه . ماذا فعلت أمريكا في فيتنام ( في دولة غير مسلمة ) قضت على الإنسانية ، قضت على البراءة ، ماذا فعلت ببعض الحكام العرب ؟ قضت على نخوتهم ، قضت على أمانتهم ، جعلت منهم خانعين ، جعلت منهم أذلاء يخونون القضية وهي تمدحهم إذ يخونون ، أمريكا لا تريد صلاح الكون بناء ولا إعماراً ، انظر آثارهم في بلادهم وفي بلاد غيرهم . 
الأمر الثالث : نحن ندعو ونجاهد ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، لأن الناس في فطرتهم يريدون هذا ، الناس يريدون العدل ، قد نخطئ ، لكن خطأنا ليس متعمداً ، الناس تواقون للعدل يظهر ، الناس تواقون للظلم يُقضَى عليه ، نحن نلبي تطلعاً للناس ، الناس تواقون لحرية مهذبة مؤدبة ، تواقون لعلاقة مستقرة ، تواقون لعون يجعل الأواصر بين الإنسان والإنسان قائمة على الحسنى ، الناس عطشى لما يحمله القرآن ، لما يحمله سيد ولد آدم محمد عليه وآله الصلاة والسلام . 
الأمر الرابع : نحن بما نقوم به ندفع بلاء ، أمرنا أن نمارس هذا لندفع البلاء ، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كما يروي الترمذي وابن ماجه : " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطِرُنَّه على الحق أطراً أو ليلعنكم الله كما لعنهم " أي كما لعن بني إسرائيل . نحن أمام خيارين : إما أن نمارس هذا بكل إخلاص وعلم ، وإما أن نُلعن من قبل ربنا " ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليلعنكم الله كما لعنهم " نحن نلبي حاجة وتطلعاً لمن يعيش في هذا الكون . أوليس الناس تواقين إلى مقولة ابن الخطاب رضي الله عنه ، أوَليست هذه الكلمة متطلعاً لكل فطرة عند الإنسان : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟! الناس يتطلعون إلى قولة ربعي بن عامر : إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . يا سائلي : سجل هذا الذي أقوله لك . 
الأمر الخامس : لأننا نرد الاعتداء وندفع الاعتداء ، فنحن لم نعتدي ولم نبادر الاعتداء ، نحن لم نبادر بالتشويه والإفساد ، وحاشا ، وإنما مورس علينا التشويه والاعتداء والإفساد ، كنا آمنين ، وكان إخوتنا آمنين في فلسطين ، فجاءت القوى الشريرة لتجعل من فلسطين أرضاً مغتصبة لأناس ليسوا أهلها ، لأناس لا يستحقونها ، أتريد منا أن لا نمارس الأمر بالمعروف والمنكر ينتشر هنا وهناك ، أتريدنا أن نقف أمام تدفق المنكر على بيوتاتنا وعلى أرضنا هامدين لا نرده حتى يأكلنا ويتركنا أشلاء لا قيمة لنا ، أتريدنا أن نقف أمام المنكر مستسلمين ، لئن استسلمنا اليوم أمام من يقتحم أرضنا فهذا يعني أن نستسلم لمن يقتحم عرضنا ، وهذا يعني أن نقول لصاحب القوة المادية : ما دمت الأقوى مادياً فافعل بنا ما تشاء ، وكأننا نقول لهذا مستسلمين أكثر مما يجب أن نقوله لربنا . نحن نرد عن أنفسنا اعتداءً . أليست إسرائيل معتدية ، أليست أمريكا معتدلة ، أليست بعض الكنائس النصرانية المسيحية في الغرب معتدية ، وقد تَصَهْيَنت ودعمت إسرائيل ، أليس بعض القادة من بني جلدتنا معتدين ؟ أتريدون أن نغل أيادينا لكي لا نقاوم المعتدي ، ومتى كان الإنسان إنساناً ويُحسَب على الإنسانية إذا وقف مستسلماً أمام العدو ! الفطرة تدفعنا من أجل أن نقاوم ونبادر ونقدم للناس بضاعتنا ، ومن بضاعتنا ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) من بضاعتنا ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) من بضاعتنا هذا القرآن الكريم ، بل هو كل بضاعتنا ورأس بضاعتنا وكل البضاعة وعظيم البضاعة ، ولا أعني بالبضاعة - وأرجو أن أكون مفهوماً - أنني أضعه موضع الخلق ، إنه الحق وكلام الحق ، لكننا هذا الذي نقدمه للناس نريد أن يهتدي الناس إليه . 
أخيراً : قلت لهذا السائل يا أخي : نحن نبغي التعايش مع الناس ، ولكن بشرط واحد مختصر : أن يعرف كل إنسان حقه وواجبه ، أن يدرك من داخله بأنه غير معتد ، يجب أن يعلم كل إنسان حدوده وحينما يعرف كل إنسان حدوده ، فنحن نعيش معه لا نكرهه على دين ولا نكرهه على مذهب ولا نكرهه على شيء ، ولكننا نقول فكر وأدم التفكير ، وأنا يجب أن أفكر وأديم التفكير حتى نصل في النهاية إلى الحق ، وإذا ما ظهر الحق فعليك أن تتبعه ، وإذا لم تتبعه فما علي إلا أن أدفعك بكل قوة لاتباعه ، وهذا لصالحك ، وحينما نمارس الدعوة إلى الله فإنما هو اعتقاد في داخلنا أن ذلك من أجل صالح الناس ، لولا ذلك ما دعونا ، ونحن نقبل انتقاداً ونقبل تقويماً وتصحيحاً . 
سألني بعضهم : أنقاطع البضائع الأمريكية ؟ أجبته نعم قاطع البضاعة الأمريكية ، لكن لا تقف عند هذه الحدود ، نحن لا نريد أن نكون ساحة استهلاكية تتحول من دولة إلى دولة على أساس من مواقف لهذه الدولة ، بمعنى : لا أريد أن نقول عن أنفسنا اليوم سنقاطع البضائع الأمريكية ، حتى إذا تغير موقف أمريكا قلنا عليكم بالبضائع الأمريكية وقاطعوا البضائع الفرنسية ، وإذا ما تغير موقف فرنسا انتقلنا أيضاً إلى البضائع الإنكليزية ولم نفكر في أمر جاد هام وهو أنه يجب أن نقاطع كل البضائع إلا بضائعنا ، ومن هنا يجب علينا أن نكون منتجين ، وهذه هي المقاطعة الجادة ، أنتج بضاعتك أنت حول نفسك إلى صناعي وإلى زراعي ، وهذه هي البضاعة الجادة المطلوبة ، فإلى متى سنظل سوقاً يتناوب علينا من يجاملنا ، ومن يرفض مجاملتنا ، ومن استحكمنا ومن وقف اليوم على مسافة كبيرة من إرضائنا الظاهري . المقاطعة الحقيقية أن ننتج نحن ونتوجه إلى بناء بلدنا إلى بناء صناعته وزراعته وأخلاقه ، إلى بناء هيكله السياسي والدستوري والأخلاقي والتعليمي والقضائي ، هذه هي المقاطعة وليست المقاطعة وإن كانت صورة من صورها لكنها ضعيفة ، ليست المقاطعة أن لا أشتري السلعة الأمريكية ، أو لا آكل الطعام الأمريكي ، هذه صورة من صور المقاطعة لكنها ضعيفة وندعو إليها ونقول عليكم أن تمارسوها ، ولكن فكروا في المقاطعة الجادة ، في الاستقلال الصحيح ، في بناء أنفسنا وبلادنا وحياتنا حتى إذا ما كنا كذلك أعتقد أن المقاطعة صارت تلقائية وأمراً طبعياً ، ولا حاجة لأن نقول : لا تشترِ البضاعة الفلانية والفلانية ، لأن بضاعتنا صارت تفرض نفسها ، لا يمكن أن نقول في أمريكا على سبيل المثال : قاطعوا البضاعة العربية لأنه لا بضاعة عربية ، ولا يمكن أن يقول الفرنسيون فيما بينهم : قاطعوا البضاعة العربية لأنه لا بضاعة عربية ، ويمكن الاستغناء عنا والحال كذلك ، لكن نحن هذا الذي يحصل في فلسطين يجب أن يدفعنا للجهاد بمعنى القتال ، وللجهاد بمعنى البناء ، وكفانا أننا قضينا فترة غير وجيزة من أعمارنا في استهلاك غير رشيد ، كفانا أننا أصبحنا كالأيتام على موائد اللئام ، نأكل الفتات ثم نحارب اللئام بعدم تناول الفتات وهم قبل أن نحاربهم بهذا وجدوا بدلاء عنا فقدموا لهم هذا الفتات ، والبدلاء من بني جلدتنا . أين الصناعة العربية ، أين الصناعة الإسلامية ؟ أين السلاح العربي ؟ أين السلاح الإسلامي بشكل عام وإن كنت لا أنكر أن بعضاً من دولنا الإسلامية بدأت تقدم وتقدم ، وستلقى تعنتاً ، وأنتم علمتم ما يسمى بالنمور الآسيوية ، ومن جملتها دول إسلامية كماليزيا وأندونيسيا ، لكن أعداءنا لم يقفوا وحاولوا التحريش وإلهاءهم عن أن يكونوا مصنعين وأوجدوا في بلادهم الفتن حتى يلفتوهم عن هذا لنبقى جميعاً بحاجة إلى مصنوعهم ، أظن أننا إذا كنا بحاجة إلى صناعة فلسنا بحاجة إلى مادة نأكلها ، لا سيما والحمد لله - الذي لا يحمد على مكروه سواه - أننا عُرِفنا واشتهرنا بالأكل والشرب - حتى الذي اشتهرنا به استبدلنا به الذي أدنى فهفونا ودنونا إلى المطاعم الأمريكية ونحن نقول عن أنفسنا بأن الطعام العربي شيء نفتخر به ، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه . 
أيها الإخوة : أليس فينا من رجل رشيد ، يقف بينه وبين نفسه ليقول : المقاطعة الصحيحة أن أبني نفسي أن أعيش لهذا البلد وتطويره وتقدمه في ميدان المادة والمعنى ، نحن بحاجة إلى إصلاح في الميدان المادي والمعنوي ، نحن بحاجة إلى إصلاح من أجل صناعات وزراعات والى إصلاح من أجل قضاء عادل ودستور صحيح ، وإدارات حكيمة ، ولا نقول هذا لنواجه به حاكماً ومسؤولاً ، فكلنا مسؤولون ، وليس واحد منا مُعفَى من هذه المسؤولية ، بل كل واحد منا له مساحة مسؤولية . 
أخيراً : أقول لهذا السائل : ادع الله معي أن يوفقنا لأن نكون من الباحثين عن مرادات الله فينا ، لسنا إلا عباداً ونسأل الله أن نكون كذلك ، لسنا إلا مكلفين ، نسأل الله أن يوفقنا للقيام بحق التكليف المشرف الذي جاء من الله عز وجل ، فيا ربنا كن معنا ولا تكن علينا ، وإذا أردت في قوم فتنة فتوفنا غير مفتونين ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق