آخر تحديث: الأحد 14 يوليو 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الصدق والأمانة

الصدق والأمانة

تاريخ الإضافة: 2005/07/29 | عدد المشاهدات: 7010

أما بعد ، أيها الأخوة المؤمنون المسلمون :
هنالك صفتان إذا تحلى المرء بهما كان هذا المرء كبيراً وعظيماً ، وفي مقابل هاتين الصفتين صفتان أيضاً إذا تحلى المرء بهما كان حقيراً وضيعاً لا يمكن أن يُطلق عليه اسم الإنسان . أما الصفتان اللتان تجعلان الإنسان كبيراً وعظيما فهما الصدق والأمانة ، والصفتان المقابلتان هما الكذب والخيانة ومن هنا ندرك لماذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبل البعثة النبوية الشريفة يُعرَف بالصادق الأمين ، لكن السؤال : ما الفرق بين الصدق والأمانة ؟ هل هما صفتان مترادفتان أم أن لكل منهما معنى يفارق المعنى الآخر أو الكلمة الأخرى ؟
الصدق : حالٌ يكتنف اللسان ، الصدق محله اللسان ، وأما الأمانة فمحلّها الجوارح والجَنان أي القلب . عندما يكون لسانك مستقيماً فهو صادق ، وعندما تكون جوارحك مستقيمة فأنت يا أيها الصاحب لها أمين . بعبارة أخرى : الصدق حالٌ يكتنف اللسان فينطق ، والأمانة حال يكتنف السلوك فيؤدِّه . أقول لك عندما تتكلم بالصدق أنت صادق ، وعندما تقوم بما اؤتمنت عليه بوفاء فأنت أمين ، ومن هنا أدعو كل واحد منا إلى هاتين الصفتين ولا سيما الشباب ، أقول لهم : انظروا ألسنتكم هل تصدق ، وأَحصوا على أنفسكم وعلى ألسنتكم من الصباح إلى المساء في جلسة بينكم وبين أنفسكم هل كان لسانك أيها الأخ الشاب ، أيها الأخ الكبير ، أيتها المرأة ، أيها الرجل : هل كان لسانك صادقاً هذا اليوم ، كم من المرات كذب اللسان ، كم من المرات خالف لسانك الحقيقة حتى ولو كنت مازحاً فرسولنا صلى الله عليه وآله وسلم كان يمزح ، ولكن كان لا يقول في هذا الذي يمزح إلا حقاً . أقول لك أيضاً : انظر الأمانات عندك هل ترعى الأمانات التي عندك ، ولعلك تسألني وهنا أريد أن أركز على الأمانات ، تسألني ما الأمانات عندي ولَمْ يضع أحد من الناس مالاً عندي ، ولا وضع أحد من الناس أشياء أو أغراضاً عندي ؟! أقول : انظر كما تنظر لسانك فيما إذا كان قد صدق انظر الأمانات ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء : 58 ويقول ربنا عز وجل : ﴿ لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الأنفال : 27 ويقول أيضاً ربنا عز وجل عن أولئك المؤمنين الصادقين : ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون المؤمنون : 8 ويقول ربنا عز وجل : ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِّ الذي اؤتمن أمانته البقرة : 283 وهنا موطن الشاهد ، هنالك أمانات عندك فهل أحصيت هذه الأمانات من أجل أن تؤديها وأن تعطيها وأن ترعاها ، جسمك أمانة فهل تعطي هذه الأمانة حقها ! لقد أمنك الله على جسمك فهل تعطي هذه الأمانة حقها ، لقد أمنك الله على دينك ، على دينه فهل تعطي دينك حقه ، لقد أمنك الله عز وجل على أخيك المسلم على دمه فهل ترعى دم أخيك ، لقد أمنك الله على عرضه فهل ترعى عرضه ، لقد أمنك الله على مال أخيك فهل ترعى ماله : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ما بالنا نتهاون في الأمانات ! أعراض الناس عندنا أمانة لكننا لسنا قائمين بهذه الأمانة حق القيام فكم نتكلم في أعراض الناس ، و كم نلغط بأعراض الناس ، و كم نضع أعراض الناس على ألسنتنا لعقاً و لغواً فإن أمن بعضكم بعضاً أمنك الله على دينه ، أمنك رسوله الذي تدعي حبه على دعوته ، فهل تدعو إلى هذا الذي أمَّنك عليه رسولك الذي تقول بأنك تحبه أو أنك تحبه : " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا " هما أمانة " كتاب الله و سنتي " و في رواية و: " عترتي " أهل البيت عندك أمانة فهل ترعى حق أهل البيت ، سنة رسول الله أمانة فهل ترعى الأمانة ، إن أخشى ما أخشاه أن نكون من الخائنين ولا أتحدث هذا من باب التخوين ولا من باب الإحراج ولكنني أتحدث هذا من باب التوصيف ، فأين نحن من قوله جل وعلا : ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون المؤمنون : 8 أين رعايتك الأمانة أمانة هذا الإنسان البريء ترى - أيها الأخوة - أنا أسأل لا أكثر ولا أقل : هل قَتْلُ إنسانٍ بريء يُعد من باب الأمانة أم أن ذلك خيانة ؟! لقد أمنك هذا الإنسان على نفسه فأتى بلدك بغضّ النظر عن كونه فاجراً أو فاسقاً أو كان إنساناً غير ملتزم ، لكنه أمنك على نفسه يوم جاء بلدك واستقبلته أنت ، فلما قتلته ألا يعد قتله خيانة ؟!  ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِّ الذين اؤتمن أمانته البقرة : 283 ألا يعد قتل إنسان بريء من حيثيتك أنت ألا يعد قتله هذا خيانة ؟! إذاً فلماذا أخوتي لا نقوم بالأمانة والأمانات كثيرة في أعناقنا . نحن ندعي بأننا نؤدي الأمانة لأننا قصرنا معنى الأمانة على صورة باهتة بسيطة على صورة واحدة وسأعدل عن تسميتها بالباهتة ، نحن قصرنا الأمانة على صورة واحدة ألا وهي فيما إذا وضع إنسان ما عندك مالاً فستحافظ عليه عند ذلك تسمي نفسك أميناً ، لكنك لا تنظر ولدك على أنه أمانة عندك من أجل أن تعطي الأمانة حقها ومن أجل أن تؤدي الأمانة فيه وهذا خيانة ، لكنك لا تنظر إلى زوجتك على أنها أمانة عندك ويجب أن تؤدي الأمانة وأن ترعاها فيما يخص زوجتك وعدم ذلك خيانة ، لكنك لا تنظر إلى دينك ، لكنك لا تنظر إلى المستأمَن على أنه أمانة في رعايتك وفي ذمتك ، ولذلك ففعلك نحوه ، قتلك إياه خيانة ، لا تنظر إلى هذا الكتاب الكريم الذي بين يديك على أنه أمانة من أجل أن تؤديه حقه من تلاوة وقراءة وتدبر . فلسطين أمانة فكم نشعر نحن بضرورة أداء الأمانة فيما يخص فلسطين ، فلسطين أمانة ، وحدة المسلمين أمانة في أعناقنا ، رعاية المسلمين أمانة في أعناقنا ، أن نقول للناس حسناً أمانة في أعناقنا ، أن نتآخا أمانة في أعناقنا ، أن نعمل خيراً أمانة ، أن نكفّ عن أذية الجيران أمانة ، أن نرعى بلادنا أمانة ، بلادنا أمانة في أعناقنا فهل نؤدي هذه الأمانة حقها ، هل ترفع ما يؤذي بلدك عن بلدك ، هل تزيل ما يضرّ بلدك عن بلدك ، أم أنك في غفلة عن هذا ، التلميذ بين يديك أيها المدرس أمانة ، المريض بين يديك أيها الطبيب أمانة ، الشعب بين يديك أيها الحاكم أمانة ، الوظائف والمناصب أيها الحاكم بين يديك أمانة فأدِّ الأمانة وأعطِ الأمانة حقها ، وكما قلت في أكثر من مناسبة ينبغي أن تكون الكفاءة هي المعيار من غير اعتماد على محسوبية أو قرابة كل ذلك أمانة أيها الوزير أيها المدير أيها القاضي العدل بين يديك أمانة فأعطِ هذا الأمر حقه ، هذه الأمانة حقها ، أيها الشيخ هذا المنبر الذي تقف عليه أمانة فأعطِ الأمانة حقها من حيث الصحة والصدق والإخلاص فيما تقول وفيما تفعل وفيما تتحدث . قلت مرة وأكرر كم من شيخٍ لا يعطِ الأمانة حقها فيقول الأحاديث الضعيفة والموضوعة والأفكار الفقهية غير الصحيحة كم أيها الإنسان حيثما كنت ؟! هذه الصلاة التي تحضرها أمانة فأعطها حقها ، هذا الدرس الذي تحضره أمانة فأعطه حقه : ﴿ لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الأنفال : 27 لأن نبيكم كان الصادق الأمين فكونوا الصادقين الأمناء يا أيها المسلمون عن العالم كله في النهاية بالنسبة لنا أمانة وماذا يجب أن نعطي هذا العالم إذا كان العالم كله أمانة فما هو حق هذه الأمانة ؟ حق هذه الأمانة الرحمة وليس القسوة وليس العنف وليس الإرهاب بالمعنى الحالي ، لأن نبينا هكذا كان وهكذا وصفه ربه وهكذا أرسله ربه : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء : 107 العالم في أعناقنا أمانة وأمانة العالم من جهتنا الرحمة ، ارحموا من في الأرض - كما جاء في البخاري - ارحموا من في الأرض ومَنْ لفظة من ألفاظ العموم : " ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء " لأن الله يرحمنا ، لأن الله سبقنا فرحمنا ، وبعد ذلك قال لنا : ارحموا من في الأرض لأن الله يرحمكم قبلاً وبعداً ، أريدك يا أخي في النهاية أن تجلس بينك وبين نفسك مساء خمس دقائق أو عشر ، هل تبخل على نفسك من أجل أن ترقيها ونفسك أمانة ، ومن جملة حق النفس عليك والأمانة أن تجلس بينك وبينها خمس دقائق ، عشر دقائق ، وتحصي الأمانات التي في عنقك هل أديتها ، هل أعطيتها حقها ، هل أعطيت حق أمانة الولد ، هل أعطيت حق أمانة المال ، هل أعطيت حق أمانة مَنْ أنت مسؤول عنهم ، هل أعطيت حق أمانة العلم ، هل أعطيت حق أمانة القرآن ، هل أعطيت حق أمانة الجيران ؟ هل أعطيت حق أمانة القراءة ؟ مالنا يا إخوة نكون في حياتنا هكذا من دون رقابة وإذا ا ما وقع بنا سوء نادينا ربنا معترضين : لِمَ يا ربنا لما أوقعت بنا هذا السوء ؟ لأننا وبكل بساطة لم نعمل للخير حتى ينزل في ساحتنا الخير وإنما عملنا لما يستجلب به السوء فنزل بنا السوء وحلَّ بنا السوء ، وما اعتداءات أمريكا وسواها إلا من السوء الذي جاءنا في جزاء خياناتنا أماناتنا لأننا خُنّا أماناتنا . من الذي يرعى الأمانة ؟ إن في القلب كلاماً لا أريد أن أخرجه فلعل في إخراجه حرجاً . طلابنا ضائعون ولا أتحدث عن الجميع ولكن أتحدث عن قسم كبير منهم ، طلابنا ضائعون ، عمالنا ضائعون ، جيوشنا ، عساكرنا ، ضباطنا ضائعون ، سلوا من يدخل هذه الأماكن . الصلاة صعبة الممارسة هناك ، الفضيلة صعبة التحلي بها هناك ، لذلك أقول : هل نترقب أو نتوقع أن يأتينا على غير الذي نقدم ﴿ سيجزيهم وصفهم الأنعام : 139 ما تضعه – كما يقال – ما تضعه في الوعاء سيكون في تلك المغرفة التي تغرف بها ، هذه معادلة بشرية صحيحة ، أعلنوا كما كان يقول بعض مفكرين سابقاً أقيموا دولة الإسلام بصدروكم تكن لكم على أرضكم .

من يعمل الخير لا يُعدَم جوازيه          لا يذهب العرف بين الله والناس

﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة النحل : 97 هذا الوعد ليس من رئيس وليس من حاكم وإنما من الله . وإذا سألت هل نحيا حياة طيبة ؟ فالجواب : لا ، لأننا لم نعمل صالحاً ولم نؤمن بالله وإلا كذبنا مقولة الله وحاشا : ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة النحل : 97 هذه هي المعادلة التي جاءت آية قرآنية : ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة النحل : 97 ، ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره الزلزلة : 7-8 الأمر واضح أسال الله عز وجل أن نوفق لأداء الأمانة من خلال الأفعال ، من خلال السلوك ، من خلال الأعمال ، وأني لأقول لكم تطلعوا إلى سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم شهد له صحابته الكرام في حجة الوداع فقالوا : بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة ، ولكننا نقول : هل بلغنا الرسالة هل أدينا ألأمانة أم نريد نصراً من غير عمل :

ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها          إن السفينة لا تجري على اليبس

هكذا قرأنا ونحن صغار وهكذا كنا نسجل على السبورة حكمة اليوم كنا نسجل أيضاً :

بقدر الجد تكتسب المعالي         ومن طلب العلا سهر الليالي

وكنا نسجل : الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك . وقد قطعنا الوقت فجعلنا قطعاً قطعاً وجعلنا إرباً إرباً وجعلنا في حالة لا نُحسَد عليها ، كنا نسجل : من جد وجد ، ومن سار على الدرب وصل . فأين ذلك كله يا شباب ، يا أبناء هذا الوطن ؟ فلسطين أمانة ، القدس أمانة ، الإسلام أمانة ، العالم كله أمانه ، كل إنسان على وجه هذه البسيطة أمانة في عنقك أنت لأنك مسلم فأين مسؤوليتك عن جارك قبل أن تكون مسؤولاً عن العالم الفسيح الوسيع ؟! أسأل ربي أن يوفقنا لأداء الأمانة ولإحصائها وللتفكر بها وللتفكير بها إن ربي على كل شيء قدير ، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

د.فوادالحورى

تاريخ :2013/02/10

الشكر والتقدير الله يحفظك

شاركنا بتعليق