آخر تحديث: الإثنين 26 تشرين الأول 2020
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون

وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون

تاريخ الإضافة: | عدد المشاهدات: 5001

موضوع لطيفتنا لهذا الأسبوع آيات من سورة السجدة، هي قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل* وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون* إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ السجدة:23-25.

توقفت عند قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾، وأعدت قراءته مرات كثيرة، فوصلت في النهاية إلى أن كل إنسان يمكنه أن يكون إماماً، وعليه من أجل أن يتحقق بذلك أن يتبين إلام يدعو وإلى أي شيء يهدي، فالإمام الحق هو الذي يهدي بأمر الله.

أتريد أن تكون إماماً ؟ عليك إذن أن تهدي بأمر الله. كيف تهدي بأمر الله ؟

ليس كل من ادّعى أمراً خاطبناه بحسب ادعائه: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء أناس وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه).

من شرط الإمام – في المصطلح الذي نتبناه – أن يهدي بأمر الله. وأمر الله هنا يحتمل معنيين، وكلاهما مراد.

المعنى الأول: ﴿يهدون بأمرنا﴾ أي بتكليفنا إياهم... أو: حينما نكلفهم. كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾.

فالمعنى الأول هو التكليف والطلب والإذن.

والمعنى الثاني: ﴿يهدون بأمرنا﴾ أي بشريعتنا، فالوسيلة مشروعة بأمر الله لا بأمر من عندك.

فالإمام يهدي بأمرنا، أي بطلبنا وبشريعتنا.

إذا أردت أن تكون إماماً بالمصطلح الإسلامي فعليك أن تهدي بشريعة الله وبتكليف من الله.

الإمام الحق هو الذي بتكليف من الله، وبمضمون شريعة الله، أي بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

هناك نقطة أثارت الكثير من الجدل والنقاش، وهي متعلقة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) وفي رواية (أمر دينها). الكل يريد التجديد ويدعو إليه. ولكن: ما الذي سنجدده ؟ وهل يحتاج دين الله إلى تجديد ؟

ما الدين الذي يحتاج إلى تجديد ؟ أو ما هو أمر الدين – كما ورد في الرواية الثانية – الذي ينبغي تجديده ؟

من أجل حلّ هذا الإشكال أقول:

الدين دينان، أي نوعان أو قسمان: دين منزّل ودين ممارَس.

فأيهما ينبغي تجديده، أو يحتاج إلى تجديد ؟

في رأيي: إن الدين الممارَس هو الذي يحتاج إلى تجديد، وليس الدين المنزّل.

ولكن ما طبيعة التجديد الذي ينبغي أن يقع على الدين الممارَس ؟

تجديد الدين يعني أن ترفع عنه ما لحق به مما ليس منه.

هناك أمور كثيرة نمارسها على أنها دين وليست بدين. والله عز وجل يبعث ويهيئ لهذا الدين – الدين الممارَس - من يخلصه من البدع والزيادات: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد).

لكننا  نلمح أن بعضاً ممن يقولون: "جددوا هذا الدين" كأنهم يعنون: جددوا القرآن والسنة. وأنهم يعنون بقولهم: "جددوا الحطاب الديني" العدول عن الأنظمة التي شرعها الإسلام.

الدين – دين الله المنزّل – محفوظ، وما يحتاج إلى تجديد هو هذا الدين الممارَس. فالمجدد يقوم بعملية فرز وتصنيف، ويقول للناس: هذا ليس من الدين. ولكن عليه أن يضع في ذهنه أن الناس سوف يُسفّهونه ويحاربونه، ويقولون له أنت تهدم. إذن هذا وصف الإمام: يهدي بأمرنا... بشريعتنا... بالدين المنزّل.

هذا وصف الإمام فما شرطه ؟

الله تعالى يقول: ﴿لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. من أجل أن تكون إماماً عليك أن تتحلى بالصبر واليقين.

أما الصبر فهو مثابرة واستمرار وتحمل وثبات على المبدأ وإصرار، على الرغم من كل ما يصيبك.

الصبر أن تقف أمام الشدائد لتقول: (إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي)، هذا هو الصبر، وأما اليقين فلا بد من التمييز ما بينه وبين الإيمان.

اليقين هو الإيمان بما سيأتي، والإيمان يتعلق بما هو كائن فعلاً، ولو نظرنا في القرآن الكريم لوجدنا أن اليقين يتعلق دائماً ما هو آت وقادم، كما في قوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون﴾. ما الذي سيأتي ؟

إنه وعد الله بالنصر: (أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب).

هل أنت على يقين من وعد الله بالنصر ؟

إن لم تكن صابراً وموقناً – حتى لو انحسر كل الناس عنك – فلن تكون إماماً.

لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصبره ويقينه كيف يكون الإنسان إماماً، فلم يتحمل أحد أبداً كما تحمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووقف في كل المواطن ليقول: أبشروا.

عليك أن توقن بوعد الله، وهذا اليقين ينبغي ألا يكون قائماً على معطيات يمكن أن تتغير.

هل تريدون أن تكونوا أئمة ؟ عليكم أن تعرفوا بمَ تهدون وبماذا تتصفون.

الباب مفتوح، وبإمكان كل واحد منا أن يكون إمام هدى، لأنني أؤمن أن الله تعالى أعطى كل واحد منا من الصفات ما يؤهله ليكون الأول في ميدانه، فلم يعط أبا بكر مثلاً أكثر مما أعطى غيره، ولكن أبا بكر رضي الله عنه وظّف هذه القدرات، وأهملناها نحن.

لو أنك وظّفت ما لديك من القدرات – كما وظفها أبو بكر – لغدوت الأول في مجالك، لكننا نوظف قدراتنا فيما لا يعود علينا بالنفع، ولو سخرناها في مجال الأدب لغدا أحدنا كالمتنبي في الشعر، أو في مجال الفيزياء لغدا مخترعاً، ولو صرفنا هذا الاهتمام الذي نوجهه نحو أشياء صغيرة نحو صلاتنا لغدا أحدنا من كبار الأولياء. ضع في دائرة اهتمامك ما يجعلك إماماً.

ولا شك في أن الله عز وجل سيفصل يوم القيامة بين الأئمة الحقيقيين وأولئك المزيفين، بين أئمة الهدى وأئمة الضلال: ﴿إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾.

التعليقات

شاركنا بتعليق