آخر تحديث: الأحد 04 ديسمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
التوكل

التوكل

تاريخ الإضافة: 2006/10/26 | عدد المشاهدات: 3522

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

في مثل هذه الأحوال الآنية التي نعيشها من حيث المناسبة وقد انتهى رمضان، ومن حيث الطقس وقد أشرف الشتاء على أن يكون ضيفاً قريباً وقوياً بيننا، ومن حيث ما يسمى بالإبلال إن صح هذا التعبير على سبيل المجاز مما ألم بنا من مجاهدة في رمضان في مثل هذه الأحوال من هذه الحيثيات التي ذكرتها يشعر الإنسان إلى إيمانيات يضعها في قلبه إلى معانٍ داخلية قلبية يضمها بين جناحيه من أجل أن تكون له وقوداً في حياته ومن أجل أن تكون له دافعاً خيراً لسلوكاته بعد إذ يمضي بعد عطلة العيد في عمله سواء أكان موظفا أو تاجرا أو قاضيا أو طبيبا أو محاميا أو... المهم أننا مستعدون وهكذا أشعر لتقبل المعاني الإيمانية في هذه الأيام، في هذه الأحوال التي نعيشها، لذلك قلت بيني وبين نفسي سأحدث إخوتي ونفسي في هذا اليوم عن موضوع إيماني جليل ألا وهو التوكل. لا أريد أن أعقد الحديث وأنا أذكر لكم التوكل ولكنني سأذكره على أنه عنوان حياة لهذا الذي نعتقد فيه القيادة والسيادة والرسالة والعظمة ألا وهو محمد عليه وآله الصلاة والسلام.

الله عز وجل قال في القرآن الكريم: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً﴾ هكذا قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أقبس من هذا النور شعاعاً لأقول لكم ولنفسي: وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً، توكل على الله يا أخي قل: اللهم إني أتوكل عليك، قل: يا رب ليس لي من متوكَل عليه إلا أنت.

أريدك أن تدعم قلبك، أن تدعم داخلك بهذه المعاني الإيمانية حتى تكون في سلوكك وأنت تعمل بعد عطلة العيد قوياً مسدداً صائباً على الخير تمشى، وإلى الخير تمضي.

الله عز وجل إذاً قال: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً﴾ فاستجاب له سيدنا محمد بالإقرار وكان يقول ويردد كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (اللهم لك أسلمت) وهذا إقرار في لياليه (وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، وإليك أنبت) فيا أخي إنما أعرض لك هذا الذي كان يقوله النبي من أجل أن تقوله وتردده حيث كنت، في صلواتك، بعد صلواتك، في بيتك، أثناء ذهابك لعملك، في عملك ذاته، في وظيفتك، في متجرك قل: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، وإليك أنبت) فما أجمل أن تقول ذلك مرة بعد مرة من أجل أن تتحقق بالتوكل في فعلك وسلوكك وحالك.

سيدي رسول الله أقر عندما قال له ربه: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً﴾ استجاب بالإقرار فقال مقراً ومعترفاً ومؤمناً وموقناً، ثم بعد ذلك قالها فاعلاً منفذاً مطبقاً. فقد جاء في الصحيحين أن حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عندما ألقي في النار، إنه ينفذ ذلك عملياً. توكل على الله وتحقق بالتوكل على الله وهو في أشد أزمة كان فيها: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عندما ألقي في النار، وقالها محمد عندما قيل له ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ قل أنت في عملك عندما تصعب عليك بعض الأمور، عندما تشتد عليك بعض القضايا، قل: حسبنا الله ونعم الوكيل متمثلاً ومتصوراً ومتخيلاً هذا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عندما قيل له: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، تخيل سيدنا إبراهيم عندما ألقي في النار، لا أريد للسانك ولا لقلبك أن ينفكَّ عن قولةِ حسبنا الله ونعم الوكيل، فاللهم حسبنا أنت ونعم الوكيل أنت، نعم من يتوكل عليه ربنا ونعم النصير إلهنا ونعم الحسيب حسيبنا.

جاء أيضاً في الصحيحين أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده فقال لي: من يمنعك مني ؟ قال قلت: الله. ثم قال في الثانية: من يمنعك مني ؟ قال قلت: الله. قال فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله  صلى الله عليه وسلم. وفي روايه فلم يعاقبه رسول الله. فقد طبق رسول الله التوكل في حياته وسلوكه، تصور لو أنك هوجمت أو عوديت وقال لك ذو بأس: من يمنعك مني ؟ فهل ستقول له كما قال سيدي رسول الله وأنت تستحضر التوكل (الله) آمل أن نفكر في مثل هذا الجواب لأننا إذ نتعرض – وأسأل الله ألا نتعرض – نحن لا نسأل الله الابتلاء ولا نسأل الله لقاء العدو ولكننا إن لقيناه علينا أن نكون مستحضرين التوكل على الله وأن نثبت وأن نكون متمسكين بحبل الله المتين.

ما أعظم التوكل على الله عز وجل، أنصح كل واحد منا حين يخرج من بيته أن يقول: (بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قل هذا يا طالب، يا تاجر، يا معلم، يا مسؤول، قل هذا وأنت تخرج من بيتك فرسول الله كان يقول هذا: (بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) أو تدري ماذا سيقال لك ؟ جاء في سنن أبي داود أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قال حين يخرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان) لماذا تصمت حينما تخرج من بيتك ؟ لماذا لا تجعل لسانك رطباً بذكر الله ؟ وبأدعية وردت عن سيدي رسول الله، هل تستقل هذا الدعاء ؟ لا ، هل تنسى هذا الدعاء ؟ وهل ينسى الإنسان ما ينفعه في الدنيا والآخرة ؟ هل لا يخطر على بالك مثل هذا الدعاء ؟ إذاً فأين إسلامك وأين إيمانك وأين صلواتك وأين صيامك وأين اعترافك بأنه لا يضر ولا ينفع ولا يفرق ولا يجمع ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع إلا الله ؟ وأنا لك ناصح أمين في هذا الشأن الذي أحدثك عنه إذا خرجت من بيتك فقل: بسم الله – واستحضر ربك في قلبك وفي داخلك - توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله،- لأن الملائكة إذ تسمع هذا ستقول لك بكل وضوح وبكل صراحة وبأمر من ربها: هديت وكفيت ووقيت والشيطان سيتنحى عنك ولن يكون له عليك من سبيل.

هيا نعمق الإيمان بربنا، هيا من أجل أن نغرس في دواخلنا المعاني الإيمانية التي تنفعنا في سلوكنا حتى يكون سلوكنا مستقيماً، هيا لاغتنام الفرص التي قال عنها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها) فلنتعرض لمثل هذه النفحات ونسأل الله أن نكون ممن قبل وممن أثيب وممن جزي خيراً وممن هدي وممن كفي وممن وقي وممن تنحى عنه الشيطان، اللهم إني أسألك ذلك لأمة محمد، نعم من يسأل ربنا، ونعم النصير، إلهنا أقول قولي هذا وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 26/10/2006

التعليقات

شاركنا بتعليق