آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة

بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة

تاريخ الإضافة: 2007/02/02 | عدد المشاهدات: 4816

نتابع اليوم حديثنا في اللطائف القرآنية عن سورة القيامة. وقد انتهينا من التعليق على قول الله عز وجل: ﴿لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة*  أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوّي بنانه.

1- والسؤال الأول هنا: هل هذا الإنسان صادق فعلاً في شكه بأن الله عز وجل قادر على أن يجمع عظامه ؟

يأتي الجواب في الآيات التالية: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيّان يوم القيامة.

فالجواب: لا. هذا الإنسان غير صادق في شكه، وهو يعلم في داخله أن الله عز وجل قادر على أن يجمع عظامه وعلى أن يسوي بنانه. لكنه قال هذا الكلام لأنه يريد الفجور فقط: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه. يخبرنا الله عز وجل من خلال هذه الآيات بأن هذا الإنسان غير صادق في شكه وإنما يريد الفجور فقط. مثلاً: إنسان ما يقول للناس: الزنا أمر جميل. هل هذا الإنسان صادق في هذا الكلام ؟ لا . وإنما يريد هذا الإنسان الفجور.

2- ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: ما معنى الفجور ؟ حدثتكم من قبل عن جدلية الحرف العربي، فكلمة "فََجَرَ" عكسها "رَجَفَ"، وكلمة "رَجَفَ" فيها معنى التردد والضعف. وكلمة "فجر" فيها معنى الثبات والقوة والإصرار والإعلان.

فمعنى كلمة "الفجور" في المصطلح الشرعي هو: إعلان الفساد بقوة وإصرار ونية وتعمد وتقصد. فهذا الإنسان هو غير صادق في شكه، ولكنه يريد أن يعلن الفساد والإنكار والكذب بقوة وإصرار وبنية مبيـّتة.    

3- ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: كلمة ﴿أمامه لها معنيان:

- المعنى الأول: ﴿أمامه أي فيما سيأتيه من أيام القادمة. أي هذا الإنسان يريد أن يعلن الفساد بقوة، وأن يستمر على ذلك فيما سيأتي من أيام القادمة. فكلمة ﴿أمامه في الأصل ظرف مكان، لكن أستعير المكان للزمان.

مثال: أقول لشخص ما: أمامك أيام صعبة. هنا ظرف زمان أستعير للمكان. 

- المعنى الثاني: ﴿أمامه أي أمام نفسه. وهذا المعنى قدح في ذهني ووجدت له مؤيدات له في كتب الشروح. وأعظم الفجور أن يفجر الإنسان أمام نفسه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم... النمل:14، ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به... البقرة:89. فالإنسان الذي يفجر أمام نفسه ويكذّب داخله وذاته هو فاجر من الطراز الأول.

وهذا ينطبق على مسيلمة الكذّاب الذي قال لعمرو بن العاص، وكان عمرو غير مسلم حينها: لقد نزلت عليّ الليلة سورة كما نزلت على صاحبكم، فاسمع مني: يا وَبرُ يا وبرُ. هل أنت إلا أذنان وصدر، وسائرك حَفرٌ نَقر. فقال له عمرو: والله إنك لتعلم بأنا نعلم بأنك تكذب. ولكن كذاب اليمامة أحب إلينا من صادق بني هاشم.

يقول مجاهد في تفسير ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: يقول هذا الإنسان: سوف أتوب ولا يتوب، حتى يأتيه الموت وهو على شرّ أحواله.

وهذا الأمر قد نقع فيه من دون أن نشعر، لذلك آمل من نفسي ومنكم أيها الأخوة أن نتوب حالاً ولا نسوّف في التوبة.

يقول الضحاك في تفسير ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: الفجور هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا. ولا يذكر الموت الذي ربما أتاه وهو لا يزال آملاً.

4- ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: لماذا قال الله تعالى: ﴿ليفجر، ولم يقل: "بل يريد الإنسان يفجر"، أو "بل يريد الإنسان الفجور" ؟

الجواب: الله عز وجل قال: ﴿ليفجر، أي أكدها بلام التأكيد حتى يقول لنا: بأن الفجور هو نية مبيّتة وتصميم وإعلان بقوة للفساد.

5- في هذه الآيات نقلة من الحسبان إلى الإخبار: ﴿أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه*  بلى قادرين على أن نسوّي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة.

فالله عز وجل وبَّخ هذا الإنسان، حينما انتقل من الحديث عن حسبانه إلى الحديث عن الإخبار عنه وعن حقيقته، فالله عز وجل انتقل من الحديث عن الحسبان: ﴿أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه*  بلى قادرين على أن نسوّي بنانه إلى الحديث عن الإخبار بحقيقة هذا الإنسان الذي كان يتمظهر بمظهر الحسبان: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة، يعني أن الله عز وجل فضح هذا الإنسان وكشفه على حقيقته وكأنه يقول له: أيها الإنسان أنت لا تريد الحسبان وإن كنت تتمظهر بمظهره، ولكنك تريد الفجور، فأنت في الحقيقة فاجر. وهذا - كما يقول أهل اللغة - فيه توبيخ شديداً جداً جداً.

6- أين تجلى هذا الفجور الشديد ؟ تجلى في قوله: ﴿يسأل أيان يوم القيامة التي نقدر فيها كلاماً محذوفاً لتكون العبارة: "يسأل - مستهزءاً - أيان يوم القيامة" وكلمة "مستهزئ " هذه يقتضيها الحال. ولو أنه أنكر يوم القيامة لكان أقل فجوراً، لكنه وُصف بالفجور الشديد جداً لأنه تساءل مستهزءاً عن يوم القيامة.

7- لماذا قال الله عز وجل ﴿أيان يوم القيامة، ولم يقل: "متى يوم القيامة"، أو: "أين يوم القيامة"، أو: "كيف يوم القيامة" ؟

الجواب: لأن كلمة ﴿أيان في اللغة هي تعبير عن أين ومتى وكيف، فهي تعبر عن الزمان والمكان والحال، لذا صلحت ﴿أيان للتساؤل عن الزمان والمكان والحال معاً، وهذا يناسب هذا الإنسان الذي ينكر زمان يوم القيامة وحاله ومكانه.        

﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة ؟

سيجيبه الله عز وجل بعد ذلك في الآيات التالية، ونترك الجواب للأسبوع القادم إن شاء الله، ونسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نكون من أهل القرآن.

التعليقات

شاركنا بتعليق