آخر تحديث: الجمعة 21 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
خطبة جامع الكبير: معارج، لتحويل الذكرى إلى واقع

خطبة جامع الكبير: معارج، لتحويل الذكرى إلى واقع

تاريخ الإضافة: 2007/08/10 | عدد المشاهدات: 2576

ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحلب بتاريخ: 10/8/2007، تحدث فيها عن ذكرى الإسراء والمعراج، وعن المعارج التي تحول الذكرى إلى واقع، وفيما يلي نص الخطبة:

 أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

سيدي رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلَ سنة من هجرته، توفي عمُّه، وعمُّه كان نصيره. وتوفيت زوجته، وزوجته كانت نصيره أيضاً. ذهب إلى الطائف يطلب العون من أهلها، فقوبل بالضرب وتسليط الغلمان والسفهاء عليه...، استظل بظلِّ شجرة بعد أن عاد من الطائف، وقال دعاءه المعروف: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربي وأنت رب المستضعفين، إلى من تَكِلني ؟ إلى عدوٍ يتجهَّمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا، من أن ينزل بي غضبك أو أن يحلَّ عليَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ).

كانت النتيجة بعد أن سمَّا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا العام: عام الحزن، وبعد أن لقيَ ما لقي، كانت النتيجة أن دعاه ربي جلت قدرته لرحلةٍ لا أعظمَ ولا أروع، ولا أكثرَ اطمئناناً، دعاه إلى رحلة الإسراء والمعراج، فأسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم بعد ذلك عرج به من المسجد الأقصى إلى السموات العلى، ولذلك نسمي هذه المعجزة: معجزة تسليةٍ وتعزيةٍ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، معجزة منحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مِحَنٍ ألمَّت به، معجزة تطمين بعد أن أحاطت به الكُرب والمصائب...

ربما قال قائل: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد تلك المحن والمصائب التي أحاطت به، ونزلت بساحته، قد سُلي من قبل الله جلَّّت قدرته، فأُسري به ثم عُرج به، نحن اليوم إذا ألمت بنا مصائب، وحفَّت بنا مكائد، ونزلت بساحتنا شدائد، فما الذي سيعزينا ؟

قررت اليوم في ذكرى الإسراء والمعراج، أن أقدم بين أيديكم معارج، حتى نحوّل الذكرى إلى واقع، إذا ما ألمّت بنا مصائب، ونزلت بساحتنا شدائد، وكادَ لنا مَن كاد وما كاد، فما علينا إلا أن نبحث عن معارج، من خلال هذه المعارج تطمئن قلوبنا، وترتاح أفئدتنا، وتسرُّ عقولنا. ستسألونني عن هذه المعارج ؟

أيها الشباب الذي يلقى العَنَتَ والمِحَن والمعاناة، أيها الرجال الذين يُجابهون ويواجهون الشدائد والمصائب والقسوة وكلَّ ما شابه، أيتها النساء يا من تتلقين المعاناة والصعوبات والقسوة والقهر... أتريدون تسلية، أتريدون اطمئناناً وفُرجة، أتريدون معارج تستريح من خلالها قلوبكم وأفئدتكم وعقولكم ؟ الجواب: أعتقد نعم. المعارج التي سأعرضها اليوم أربعة:

المعراج الأول، الصلاة:

أتريد أن تطمئن يا أخي وأنت في حالة ضجر ؟ وأنت في حالة اضطراب ؟ إذاً ما عليك إلا أن تتوجه إلى ربك بالصلاة، أوَ ما سمعت سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما جاء في سنن أبي داود: (أرِحنا بها يا بلال)، الصلاة معراجٌ لقلبك من أجل أن يطمئنَّ قلبك، من أجل أن يرتاح قلبك. أوَ ما سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن النسائي: (وجعلت قرَّة عيني في الصلاة)، أتريد يا أخي أن ترتاح بعد شِدَّة ؟ أتريد أن تستقِرَّ بعد اضطراب ؟ أتريد أن تلقى بقلبك ساحة أمان ؟ فما عليكم يا أيها الشباب، وما عليكم يا أيها الرجال، وما عليكم يا أيها المسؤولون... إلا أن تتوجهوا إلى ربكم في معراجٍ عظيم، هذا المعراج هو الصلاة. صلوا يا إخوتي وأكثروا من الصلاة. على أن الصلاة معراج ترتاح - كما قلت لكم - من خلاله القلوب والأبصار والأفئدة والعقول، فيا أمتي أريدك أمَّة مصلية، لا لأن الصلاة فرض فحسب، ولكن لأن الصلاة راحة، ونحن في زمن صعب، في زمن قاتل، في زمن يشعر الطفل بأنه يتسنَّم ويتنسَّم رياح القهر والشدة والصعوبة، أو رياح وريح التيه والضياع هنا وهنا، فهناك شهوة تُلبَّى، وهناك أمر قاتل يعرض عليك عوداً عوداً، فيا أخي اسمع مني، وتوجه إلى ربك لتكون مصلياً، وترتاح من خلال الصلاة.

المعراج الثاني، الاستغفار:

أريدك مستغفراً، أوَما سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحينما أقول: أوَما سمعت قول النبي، لأن النبيَّ قائدٌ ومعلمٌ ورائدٌ وموجِّهٌ وناصحٌ ومحبٌ وعزيزٌ علينا، أوَما سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في السنن: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)، هل سمعت ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص هذا المعراج، معراج الاستغفار ؟ لقد روى البخاري أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (إني لأستغفر الله) اسمعوا يا شبابنا، اسمعوا يا نساءنا، اسمعوا يا رجالنا، اسمعوا يا تجَّارنا، اسمعوا يا مسؤولينا... سيدي رسول الله كان يقول: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطمئناً، لأنه كان يعرج إلى ربه في الاستغفار. أتريد أن تكون مطمئناً ؟ إذاً اُعرج إلى ربك بالاستغفار يا هذا، أتريد أن تتعلم صيغة للاستغفار ؟ إذاً قل سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، وقد جاء في البخاري أنَّ من قال سيد الاستغفار في صباحه فمات في يومه دخل الجنة، ومن قال سيد الاستغفار في مسائه فمات في ليله دخل الجنة. قل استغفاراً آخر ورد في صحيح الإمام مسلم، وقد كان سيدي رسول الله يقول: (اللهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّه وجُلَّه، آخره وأوله، سرًّه وإعلانه) قل هذا على سبيل المثال، وهنالك أدعية استغفاريَّة كثيرة... استغفر ربك يا أخي، أريد مستغفرين يا شبابنا، يا أمتنا، يا طلابنا، يا مثقفينا، يا عمالنا، يا موظفينا، أريد مستغفرين، لأن الاستغفار معراج للروح.

المعراج الثالث، قراءة القرآن الكريم:

اقرؤوا القرآن يا شباب، كم مرة قلت لإخواني هنا، وفي جامع التوحيد، وفي الجامعة، وفي كل مكان: نحن بحاجة إلى أن نقرأ القرآن، لأن من قرأ القرآن كلَّم ربه، فإذا ما كلَّمت ربك فأنت مرتاح، وأنت مطمئن، وأنت في استقرار، وأنت في حفظ، وأنت في أمان، وأنت في راحة. كم مرة قلت لك أيها الشاب: أتريد أن تكون محفوظاً ؟ مَن منَّا لا يريد أن يكون محفوظاً ؟ إذا أردت أن تكون محفوظاً في جسمك وعقلك وفكرك وصحتك... فما عليك إلا أن تقرأ القرآن الكريم؛ تسألني: كيف ذلك ؟ أقول لك: أوليس الله عز وجل قد قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، القرآن محفوظٌ بالله ومن الله، فإذا ما تمسكت وقرأت وتلوتَ المحفوظَ حُفظت، من تمسك بالمحفوظ حفظ، اقرؤوا القرآن، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي لا ينام حتى يقرأ الزمر والسجدة وتبارك والإسراء، كان لا ينام حتى يقرأ هذه السور، ربما تقول لي: ومن أين الوقت حتى أقرأ هذه السور وقد تستغرق قراءتها نصف ساعة أو ساعة ؟ أقول لك: بالله عليك، ونحن كما يقال من حارة واحدة، بالله عليك كم تضيع من الساعات في ليلتك يا أيها الشاب ؟ كم تقف أمام التلفاز ؟ كم تمضي من ساعات أمام التلفاز ؟ كم تقضي من ساعات مع أصدقائك على الباب ؟ كم تمضي من ساعات وأنت تتسكع هنا وهناك ؟ والله إنك تملك وقتاً لكي تقرأ كلَّ القرآن في يومك، لكننا لا نقول لك هذا، على الأقل أنا لا أقول لك: اقرأ السجدة والإسراء وتبارك والزمر، لكنني أقول لك من أجل أن تطمئن، لأنك بحاجة إلى اطمئنان فأنت قلق، وأنا أعرف أن أمتنا يكاد يكون جميعها قلقاً، وأنت تطلب الاطمئنان، ولعل كثيراً منَّا يذهبون إلى طبيب نفسي، من أجل البحث عن دواء يستقرُّون إذا ما تناوله، من أجل البحث عن دواء يطمئنون ويرتاحون إذا ما أخذوه، فيا أخي الكريم ما عليك إلا أن تستروح بظلِّ القرآن الكريم لتطمئن وهذا معراج.

المعراج الرابع والأخير، الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

يا إخوتي الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُطمئن قلوبكم، الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُريح أعصابكم، أوليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للذي قال له: أرأيت يا رسول الله إن جعلتُ دعائي كلَّه صلاة عليك ؟ ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: (إذاً تكفى همك) والهم كثير، ويكاد يخنقنا، وأنا أنظر الوجوه يوماً بعد يوم لأرى الهمَّ يرتسم على العين، وعلى صفحات الوجوه، وعلى النظرات والأبصار، بل على الحركات، فالهمُّ اخترم جسمنا وأجسامنا، وأجسام الصغار، وأجسام الكبار.

خلاصة ما أريد أن أقوله: لئن كان النبي صلى الله عليه وسلم سُلي وعُزي وطُمئن، والله عز وجل طمأنه برحلة الإسراء والمعراج بعد محن ألمَّت به، بعد معاناة عشَّشت في داخله، بعد شدائد انصبت عليه صباً، بعد مصائبَ أحاطت به كما يحيط السِّوار بالمعصم، لئن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُلي وعُزي برحلة الإسراء والمعراج، وليس لنا من رحلة مماثلة، فما علينا من أجل الاطمئنان والاستقرار والراحة، إلا أن ندخل المعارج التي ذكرتها، وإيانا أن ننساها: الصلاة، والاستغفار، والقرآن الكريم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

اللهم اجعلنا من الذين يصلُّون ويستغفرون ويقرؤون القرآن الكريم ويصلون على نبيك المصطفى ورسولك المجتبى محمد عليه وآله الصلاة والسلام، نِعم من يسأل أنت، ونعم النصير، أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الكبير بحلب بتاريخ:10/8/ 2007

التعليقات

شاركنا بتعليق