آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
ندوة كتاب الصبابة المغربية/ المركز الثقافي العربي بحلب

ندوة كتاب الصبابة المغربية/ المركز الثقافي العربي بحلب

تاريخ الإضافة: 2007/11/19 | عدد المشاهدات: 2711

أقامت مديرية الثقافة ودار نون4 للنشر بحلب يوم الإثنين: 19/11/2007 في المركز الثقافي بحلب ندوة ثقافية حول كتاب: [الصّبابة المغربية] لعبد ربه التائه، تأليف: سرغون ت. س.

شارك فيها كل من:

الدكتور الشيخ محمود عكام

الأديب وليد إخلاصي

والباحث عطية مسوح

وأدارها الباحث نذير جعفر.

وقد تحدَّث الدكتور الشيخ محمود عكام عن ومضاتٍ من محتويات الكتاب ومعناه، والجانب الصوفي، مفسراً معنى الحب بشكل دقيق، شارحاً معاني الإسلام وعالميته وتعايشه مع كافة الأديان والأمم الأخرى.‏

وفيما يلي نص المشاركة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الشكر والتقدير والحب لكم أنتم أيها الحضور على اختلاف أديانكم وألوانكم وأعراقكم واختصاصاتكم، والشكر لك أيها الأستاذ محمد كامل قطان مدير الثقافة في حلب.

البارحة ليلاً هتف إليَّ سماحة المفتي العام الدكتور الشيخ أحمد حسون قائلاً: طُلب مني أن أكون مساهماً في ندوة عن كتاب اسمه: [الصبابة المغربية]، لكنَّ طارئ سفر جعلني أعتذر، فما أردت الاعتذار والغياب، وأردت أن أبحث عمَّن يتحدث كما أتحدث، فها أنذا أطلب منكَ أن تكون مساهماً في هذه الندوة. قلت: عن أي شيء ؟ قال: عن الصبابة المغربية. وأنا لا أعرف هذا الكتاب قبلاً، لكن بمجرد أن قال عن الصبابة المغربية، قلت: فلأساهم في الحديث عن الصبابة المغربية، وما أعتقد أننا بمعزلٍ عن مصطلح الصّبابة في حياتنا كلها، سواء أكانت هذه الصبابة صبابة معاناة في المجال الاقتصادي، أو السياسي، أو الاجتماعي، المهم أنها صبابة.

ثم هتف إلي الأستاذ الأخ الصديق محمود الوهب وقال لي: سآتيك بالكتاب من أجل أن تقرأه وأن تعلّق عليه، وفعلاً أتى بالكتاب ولم أكن بالبيت آنئذ، ولما عدت إلى البيت تناولت الكتاب وقرأته ليلة أمس من أوله إلى آخره، وهو كتاب من حيث الحجم صغير، ومن حيث المعنى كبير. بعد أن قرأته وأثناء قراءتي، قلت: عم سأتحدث ؟ أخذت الدفتر وكتبت، وقسمت ما كتبته إلى ثلاثة عناوين:

قلت: سأقرأ بعض العبارات التي أعجبتني: وكل العبارات أعجبتني، لكن سأنقل للناس بعض العبارات، ثم بعد ذلك سأكتب عباراتٍ بمثابة المعارضة، ثم سأتحدث عن بعض الأفكار التي انقدحت البارحة، وبعض الأفكار التي ذكّرني بها هذا الكتاب.

أولاً: سأستهلّ بقراءة نماذج من العبارات التي أعجبتني:

يقول:

- اجعلوا رغباتِ من تعشقون فوق رغباتكم.

- ليس من محب صادق من له إرادة تخالف إرادةَ محبوبه.

- كمال العشق الرضا بجميع مراد المحبوب، والزهد فيما سواه، والاعتقاد بوحدانيته.

- من استحوذ عليه الشوق وغابت عنه الصلاة، تُكتب له حسنة صلاة الجماعة.

- سئل الشيخ عن السَّماع مرة، فقال: أية معصية في حب وخمرة وأغنية.

- كانت دمشق دار كفر ونفاق، فهرب عاشقان كانا يُعذبان فيها إلى وادٍ قفر، فما نزلا موضعاً إلا اخضرَّ، وما من شجرة يابسةٍ نخر عودها إلا أورقت في الحال، فانقلب الوادي غوطة. وما بركة الشام إلا من بركتهما، وما من موضع في الغوطة إلا مقام ومشهد.

- ليس الموت عندما يتوقف القلب عن النبض بل عندما يتوقف عن الحب.

ثانياً: المعارضات:

قلت:

- الإنسان يحب الجميع كلاً بمقدار، وكل المقادير لمن جمع الجميع:

ولو بدت لي نظرة من وجههم         لملأتُ بها الكون طربا

- أي كلام أجمل من كلامٍ عن الحب، وأي فعل أشهى من أن تفعل ما يمليه الحب، ناطقاً به المحبوب.

- ومن منا بلا حداء، ومن حداؤه سوى الحب والعشق والشوق ؟! لكن كثيرون منا بلا وجهة في مسارهم، وبلا استعداد لتكاليف الحب والعشق، فقد تهنا بمتشابه كلام المحبوب عن محكمه، وانشغلنا بما أردناه ورغبناه من المحبوب عما أراده منا، فمحكم كلام المحبوب ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون، ومتشابهه: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه، ﴿وانصرنا على القوم الكافرين حينما نضع في حسباننا أن الكافرين هم سوانا. فمن انتصر على نفسه فذاك هو النصر. أوليست النفس التي بين جنبيك أعدى أعدائك عليك ؟!

وأردنا من المحبوب حرباً، وأراد منا حباً ﴿كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى استغنى بإرادته عن إرادة ربه ومحبوبه، فربك أرادك قارئاً عاشقاً، لما ومن تقرأ حتى تحسن الفهم والاستنباط، وأنت طغوت وسدرت في غيك وهمك وترهاتك، فكمال العشق الرضا بجميع مرادات اللمحبوب، والزهد فيما سواه حتى مراداتك.

تمنيت أن لو يطول اللقاء لأقرأ عبارات الشيخ وأبوح بما يرد علي من عبارات، فذاك نتائج عشق العبارات، ورضى المعبرين عن بعضهم.

ثالثاً: الأفكار التي تذكرتها وهي من إنتاجي بيني وبين نفسي:

يريد سرغون ت. س البحثَ عن أرضيةٍ مشتركة بين الناس كافة ليجمعهم عليها، وأعتقد أننا موافقون معه على أن هذه الأرضية هي الحب، والحب برأيي كيفما فهمه الإنسان يفهمه بشكل جيد، ولا إشكال في فهم الحب، فإذا كنت أنتَ حباً لا تخف على نفسك، وإلا فخف على نفسك، لذلك هذه الأرضية أرضية الحب.

أما الأفكار التي تذكرتها، فالفكرة الأولى:

قلت بيني وبين نفسي باحثاً عن كلمةٍ مقابلة للحب، وقلت: الحب ليس مقابل الكراهية، وقد قرأت مرة لعباس العقاد بأن الكراهية ليست مقابل الحب، فالحب يقابله اللاحب، واللاحب غير موجود، مثل الشريك، قلت: الحب والحرب. الأصل هو الحب والحرب عارض، ولا يُغنَّى إلا للحب، أما أغاني الحرب فهي طارئة. فلماذا غنينا للحرب، واستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟!

قرأت حديثاً في البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يحب الحرب، فاستأنستُ، وكان يتغنى مع أصحابه بأبياتٍ لامرئ القيس:

والحرب أول ما تكون فتية             تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها               ولت عجوزاً غير ذات حليل

شمطاء يُنكر لونها وتغيرت              مكروهة للشمِّ والتقبيل

الفكرة الثانية:

لما قرأت ما قاله سرغون ت. س: "من استحوذ عليه الشوق، وغابت عنه الصلاة تُكتب له حسنة صلاة الجماعة". وقوله: "أية معصية في حب وخمرة وأغنية". وضعت تعليقاً، فقلت: قد أخشى أن يغدو مثل هذا الكلام تسويغاً لانعتاقٍ من ضوابط شريعة أو قانون، فلا نحن عشقنا ولا نحن التزمنا، ولا نحن بقادرين على التعبير عمّا فينا، فليس فينا آنذاك - إذا فهمنا هذا الكلام على أنه انعتاق من ضوابط شريعة أو قانون أو دين أو مبدأ، فلا نحن عشقنا ولا نحن التزمنا - وليس فينا حينئذٍ إلا الوهم والهم، فلا تبوحوا يا أهل النون الرابعة بذلك إلا لخاصة ذوي النون، لأنه كما يقول سرغون: "للعشق أثقال لا يستطيع حملها إلا ذوي العزم من الرسل".

الفكرة الثالثة:

إذا كان الحب هو الأرضية المبحوث عنها والمراد تحقيقها من أجل أن نقف عندها جميعاً، وجدت حديثاً في صحيح الإمام مسلم يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام مخاطباً مَن أمامه، ومن خلالهم مخاطباً الناس كلهم، يقول: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). قلت: الحب أصل الأمان وموجده، وإذا أردت نبتةَ أمان وإيمان فابحث عن سقاية الحب. والإيمان بمعنى الأمان، لأن النبي في حديث آخر يقول: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم) ما السبيل إلى الحب ؟ (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). أشعرني بالسلام، واجعلوا السلام حالة قائمة بينكم، أشعرني بالسلامة منك، من لسانك، من يدك، من سلاحك الذي تدخره، اجعلني وأنا أرتاد المكان الذي أنت فيه بغضّ النظر عن دينك، عن مبدئك ومذهبك، اجعلني أشعر بالسلام، (أفشوا السلام بينكم) قلت: الرسول عليه الصلاة والسلام يخاطب العالمين كافة، لأنه وقف أمام الناس، وسيسمعه كثير من الناس، قال: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) فالرسول كانَ للعالمين كافة، والعالمون في رأيي الناس، لأن كل إنسان عالَم قائم بذاته، والإنسان أولى من غيره أن يكون عالماً، سيّما أن الإمام علي بن أبي طالب قال:

وتحسب أنك جرم صغير               وفيك انطوى العالم الأكبر

 في النهاية: اسمحوا لي أن أنقل كلمةً لجلال الدين الرومي، فقد أوصى جلال الدين الرومي جماعته فقال لهم: "أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، وبقلة الطعام، وبقلة الكلام، وهجر المعاصي والآثام، ومواظبة الصيام، ودوام القيام، وترك الشهوات على الدوام، واحتمال الجفاء من جميع الأنام".

الحضارة سَعة، أنت أوسع مني فأنت أكثر حضارية مني، أنا أوسع منك فأنا أكثر حضارة منك، "رأيت النبي يحكي نبياً من أنبياء بني إسرائيل ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".

قلت في هذه القاعة منذ خمسة عشر يوماً لباحثٍ هولندي، قلت له وللحضور: عالمية الإسلام لا تعني أن نجعل العالم كله مسلماً، وإنما عالمية الإسلام أن نبين للناس ما في هذا الإسلام من قواعد، وأسس، وأصول للتعايش مع كل أنواع الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم.

من يطرح نفسه عالمياً لا يعني أن يهجم على العالم كله ليحوله إلى نسخةٍ عنه، ولكن الإسلام عالمي باعتباره يمتلك صِيغَ تعايشٍ مع كافة الناس، على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله، والسلام عليكم.

التعليقات

شاركنا بتعليق