آخر تحديث: الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
حوار جريدة كيهان العربي الصادرة في طهران

حوار جريدة كيهان العربي الصادرة في طهران

تاريخ الإضافة: 1996/12/01 | عدد المشاهدات: 4049

العدد 3793 كانون الأول 1996

كيهان : الدكتور محمود عكام من المفكرين السوريين ، العاملين في حقل ربط الجامعة بالجامع والمؤسسة الدينية ، بعيداً عن حالات التنافر والتباعد القائمة فيما بينهما ، ويرى د.عكام ، الحاصل على الدكتوراه في الفكر الإسلامي السياسي من جامعة السوربون، وجوب ردم الهوّة ما بين هاتين المؤسستين، باعتبار أن أساس كل منهما هو العلم . وهو إضافة إلى كونه أستاذاً وباحثاً في جامعة حلب ، ومشرفاً على الموسوعة الإسلامية الميسرة التي صدرت في أحد عشر جزءاً ، يعمل خطيباً في جامع التوحيد في عاصمة الدولة الحمدانية قديماً ، وقد صدر لفضيلته العديد من الكتب والدراسات من أبرزها " الحاكمية والسلطة في الفكر الإسلامي السياسي في القرن الخامس الهجري، دراسة مقارنة بين السنة والشيعة "، وله محاضرات قيمة في مجال الدعوة الإسلامية، والتقريب بين المذاهب، وحقوق الإنسان في الإسلام .
مندوب كيهان في دمشق التقى المفكر الإسلامي محمود عكام مؤخراً، وأثار معه عدداً من المحاور ذات العلاقة بواقع نشاطه التوعوي والإرشادي، وكذلك قضايا أخرى، باتت مثار جدل ومواقف متباينة، على صعيد الساحة الإسلامية الراهنة، وذلك في إطار هذا الحوار :
كيهان : برأيكم لماذا الجفوة الفاصلة بين الجامعة والمؤسسة الدينية ؟
د.عكام : الأصل أن الجفوة حصلت من خلال ابتعاد بعض القائمين على الجوامع عن العلمية. وأقصد الجوامع التي تشكل لب المراكز الإسلامية بشكل عام، وعندما ابتعدوا عن العلمية أصبح الجامع يرمز إلى الدين الذي يقف بوجه التطور والعلم. ومادام الغرب قد فصل ما بين الدين والدولة والكنيسة؛ من خلال بعض ممارسات القائمين عليها؛ فقد أعادوا لنا الكرّة، ورُمز إلى الجامع كعنوان للدين الذي يقف بوجه العلم، أما الجامعة فهي التي تعطي العلم. إذاً، ما في الجامع يمثل الدين الرافض للعلم، وما في الجامعة يمثل العلم، وهذه أسباب العداوة التي حصلت بينهما.
كيهان : ولكنها عداوةٌ وصلت إلى حـد الـمواجهة أو الحرب !
د.عكام : نعم، نعم ، ولذلك نسعى الآن من أجل أن نردم الفجوة بين الاثنين فنقول للجامعة: أعيدي النظر بموقفك من الدين الإسلامي،لأنها قايست الجامع على المركز المماثل أو المشابه له في الغرب، والذي احتوى الدين ورفض الجامعة، نقول للجامعة: لو اطلعت على حقيقة ما ينبغي أن يكون في الجامع لرأيت أنك وإياه متفقان على ضرورة الانطلاق من العلمية، التي تحدد مسار الإنسان الساعي للبناء، والتطور، والفاعلية الهادفة، من أجل تكوين الإنسان الصالح بشكل مطلق في هذه الحياة.
كيهان : هل هناك أطر معينة يمكنها أن تدمج علماء الدين بالنخبة المثقفة ؟
د.عكام : هنالك إطار يمكن أن يجمع هذين الطرفين، هذا الإطار سنتخذه من كتاب، لا يمكن أن نسميه فقط كتاب " الجامع " وإنما هو كتاب الإنسان. وكتاب الإنسان هذا، الموجود في الجامع، هو نفسه موجود في الجامعة، وعلى الإنسان أن يبحث عن كتابه، لينطلق منه، ليجد فيه وصفه، ويجد وظيفته، وهذا الكتاب، كتاب الإنسان ، الذي نسميه القرآن، أنزله الله من أجل هذا الإنسان، فإذا ما أقر الطرفان: أرباب الجامعة، وأرباب الجامع، بضرورة الانطلاق من نص يجد الإنسان فيه وصفه ووظيفته، إذاً ستلتقي الجامعة بالجامع. وأهل الجامع مطالبون ببذل الجهد من أجل رسم ملامح الإنسان، ومن أجل تقديم ما يساعده على البقاء على إنسانيته، في أسمى صورها المادية والمعنوية، وأعتقد أن الجامعة تريد أن تفعل ذلك، وكتاب الإسلام كفيلٌ بتوحيد الجامعة والجامع، من خلال استيعابه للإنسان، الذي لا تختلف أهدافه، سواء أكان في الجامعة أوفي الجامع.
كيهان : هناك قضية مطروحة، وهي قضية حقوق الإنسان في الإسلام، وما نشاهده من خلط في المفاهيم، ومحاولات استكبارية صهيونية لرفع شعار (حقوق الإنسان) ذريعة من أجل الوصول إلى غايات سياسية، فما هو الفرق برأيكم بين المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان، والشعار الأمريكي، باعتباركم عايشتم الواقع الغربي فترة من الزمن ؟
د.عكام : نحن متفقون على أن للإنسان حقوقاً، ومتفقون على أن الإنسان أكرم مخلوق، وأن الإنسان هدف أساس في هذه الحياة، وأعتقد أن هذه الأمور التي أعبر عنها لا يختلف في الاتفاق عليها إنسان، سواء أكان يعيش في الغرب أو الشرق، ولكن دعنا نقدم تمهيداً لهذه الأمور بقولنا:
الإنسان بلا شك يحتاج إلى توصيف وتبيان أبعاده ،نقول للإنسان في كل العالم: نحن حينما نريد أن نقدم وصفاً للإنسان، وتبياناً لأبعاده، نسعى إلى جهة هي الأعرف بهذا الإنسان، وقد تبيَّن لنا بالدليل، والعقل، والدراسة ،أن الجهة الأعرف بالإنسان هو الذي خلقه، وأعتقد أن أحداً لا يستطيع أن يخالفنا في هذه القضية، وإذا كنا نؤكد أننا جادون في الوصول إلى توصيف لهذا الإنسان من قبل جهة هي الأعرف، وهو خالق الإنسان، فإن العالم بأجمعه اليوم أضحى يقول بأن للإنسان خالقاً، وعندئذ فلنبحث عن كتاب الخالق، الذي يبين فيه صفة هذا الإنسان. لقد درسنا القرآن الكريم أولاً، ووجدناه يُنسب إلى الله بصدق، وقرأنا فيه توصيفاً للإنسان، يستحيل على أية دراسة اليوم أن تكون نظيرةً لذلك التوصيف، والآن نقول للناس: إن الذي وصف الإنسان وصفاً دقيقاً وصحيحاً هو الخالق، الذي يعلم بكل تفاصيل الإنسان، فيجب أن نأخذ منه، ليس فقط التوصيف ،بل الحقوق والواجبات، وبعد الدراسة التوثيقية للمصدرية، وبعد الدراسة التأكيدية على ضرورة أن يكون الإنسان باحثاً عن جهة هي أعرف به منه، وبعد الدراسة الموضوعية لحقوق الإنسان، وواجباته، ووظيفته الموجودة في القرآن الكريم، وجدنا أن القرآن الكريم كشف عن حقوق الإنسان التي لا نجدها في أي دين، أو أية نظرية أخرى في مثل الوضوح الذي طرحه كتاب الله العزيز. انظر على سبيل المثال: الله عز وجل كرَّم الإنسان عندما كلَّفه، والتكليف تكريم، والتكليف حق، وأهم حق من حقوق الإنسان أن يكون مكلفاً، لأن الإنسان من غير عمل يستشعر أنه ينبغي عليه أن يقوم به، لا يشعر بإنسانيته، وقيل الآن في عالم الغرب في كتاب كتبه (فرانسيس فوكوياما) " نهاية التاريخ والإنسان الأخير": إن أهم شيء يستشعر الإنسان وجوده من خلاله وجود مهمة له.
إذاً، فالقرآن الكريم دعا إلى تكريمك، وكرمك، وكلفك، واعترف بكل دوافعك، ونظمها، ثم بعد ذلك اعتبرك،أنت أيها الإنسان المسؤول النائب عن الله عز وجل في الأرض، فالله عز وجل خلق الإنسان ليكون القيِّم في الأرض نيابةً عنه: ( إني جاعلٌ في الأرض خليفة ) البقرة/30. وعلى هذا الأساس، إذا قال قائل: أين حقوق الإنسان في الإسلام ؟ فنحن نقول أين حقوق الإنسان في غير الإسلام ؟ إن حق الإنسان في الإسلام حقٌ ثابتٌ ديانةً وتاريخاً وتقريراً من الله عز وجل. وإن وجدتْ حقوقاً للإنسان لدى غير الإسلام، فمن يدري ربما أُثبتت في فترة من فترات التاريخ، ثم مُحيت في فترة أخرى. وفي الوقت الحاضر قد يضطر العالم الغربي إلى تغيير حقوق الإنسان، وشتان بين من يستطيع أن يغير في قانونه، ومن يغير ذاته ليكون وفق القانون الذي ثبتت صلاحيته قديماً وحاضراً، وأعتقد أن صلاحيته ستثبت مستقبلاً.
كيهان : ما هي مشكلة انعدام الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية، على ضوء ما يشار له من حرية في الغرب، واضطهاد في الشرق، على الرغم من أن حرية الغرب هي على حساب اضطهاد الإنسان في الشرق ؟
د.عكام : أخشى ما أخشاه أحياناً أن يكون الاتهام موجهاً إلينا لأننا نتحرك، ودائماً الإنسان بطبيعته السلبية لا يريد أن يرى متحركاً، لأن الحركة دليل الحياة، وبالتالي يحمله حسده وغيرته على أن يرفض بكلمات مختلفة هذا التحرك. وأنا أخشى لأننا نتحرك، بالرغم من أن واقعنا ضعيف لا يتحمل التحرك، وأُريدَ لنا أن نبقى في هذه الحالة الضعيفة حتى لا نتحرك، وهم في الخارج يستغربون الواقع الضعيف عندما يتحرك أفراده بطموحات كبيرة، ولذلك يقولون أنتم ضد الديمقراطية، وضد اعتراف الإنسان بالإنسان، وأنا أقول: إذا كنتم اتهمتمونا لأننا نتحرك، فعليكم أن تسمعوا وتفهموا دوافع تحركنا، فعندما نتحرك وندعو إلى الإسلام، فلا يعني ذلك أننا نُبطل الديمقراطية، ولا يعني ذلك أننا نريد أن نلغي الآخرين، والله عز وجل قال: ( لا إكراه في الدين ) البقرة/256. نحن دُعينا إلى أن ننظر إلى الإنسان أينما كان على ضوءٍ وأساس من التصور السابق الذي ذكرته :الإنسان مكرَّم، الإنسان مخلوق ممتاز، وبالتالي، فحينما أتحرك أنا، سلني عن دافع تحركي، ولا تتصوروا أن تحركي سلبي، أنا أتحرك داعياً إلى ديني لأنني أحب الإنسان، وبالتالي فهذا التحرك الذي يقف وراءه الحب هو سبيلي إليك، ولأني أحبك أريد أن أوصل لك هذا الخير " الإسلام ". ثم بعد ذلك لا أريد أن أضغط عليك من أجل أن تلتزم هذا الخير الذي وصلت إليه، وإنما القضية مفتوحة من أجل أن تتحرك أنت، حتى توصل إليَّ الشيء الذي تقتنع به. ولكن أريد أن أسألك السؤال الذي سألتُ به نفسي وأجبتُ عنه، وأريد أن تجيبني عنه:
ألا تتحرك بدافع الحب لي، كما أتحرك أنا بدافع الحب ؟ فالدعاة يتحركون بدافع حب الناس، ليقدموا لهم توصيفهم، الذي اعتقدوا أنه توصيف الله عز وجل الخالق، فهذا التحرك الذي يدفع إليه الحب، لا أعتقد أنه يحيا في الديمقراطية، بل إن الديمقراطية تسعى في أحسن أحوالها من أجل أن تؤطر الحياة، ومن أجل أن تذكر الحب في بعض ثنايا أسطرها، ولكنها لا تستطيع، مع الأسف الشديد، أن تتكلم، وأنا حينما أتحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته، وتحمله، وصبره، ومواقفه العظيمة، وصفحه، فأجد أن نصوصنا تحتمل كل محاسن الديمقراطية، والواقع الذي نريد أن نصل إليه يتطلب كل محاسن الديمقراطية، ونزيد عليها بقولنا نصوصاً تحتمل وتضيف للديمقراطية شيئاً آخر، هو الدافع الداخلي، هو الحب. وعندما نبحث عن تطبيقات صحيحة لهذا النص، الذي يستجمع كل محاسن الديمقراطية، فإن تاريخنا يحتوي تطبيقاً ورصيداً طيباً جداً، ولكن ما ذنبي إذا كان الآخرون، وبدافع قوتهم المادية الآن، يريدون أن يُبطلوا معاييرنا الإنسانية، وأن يستخدموا كل النقاط السوداء في تاريخنا على أنها التاريخ المعمَّم، ما ذنبي ؟ وأقول كإنسان مسلم، وأمارس شعائر ديني: نحن ندعو إلى الإسلام الذي حوى كل الديمقراطية.
كيهان : ماذا تقولون في المبهورين بالديمقراطية الغربية من أبناء أمتنا ؟
د.عكام : إن من جملة ما أخشاه أيضاً، أن يكون هناك خلط عند أولئك المبهورين بين الديمقراطية الموسومة برأيي بـ " الديمقراطية السلوكية" حيث يجدون متسعاً لتلبية رغباتهم وشهواتهم، وبين الديمقراطية المطلوبة للإنسان، حيث يجد الإنسان ذاته عاملاً ساعياً باحثاً جاداً، فأنا أخشى من أن المبهورين يخلطون بين الديمقراطية السلوكية، حيث تنعدم الحركة الإيجابية، مثل " الإباحية " التي تُغطى برداء الديمقراطية، وبين ديمقراطية الإنسان والفكر والتعبير. وقد عَبَّرت عن الديمقراطية بالنص وبالواقع، وحياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مليئة بالنماذح والوقائع، وعندما نبحث في سيرة أهل البيت عليهم السلام بشكل خاص نجد - وليعذرني أهل البيت الكرام عليهم سلام الله حينما أتحدث عن ديمقراطية أصّلوها- أنهم قدموا ما يعبر عن الديمقراطية، أو السعي الجاد لحرية الإنسان، وقيمة الإنسان، واسألوا حياتهم ووقائعهم عليهم السلام.
كيهان : عما نشاهده من عدم وجود معايير صحيحة في ممارسة الديمقراطية في الدول الغربية، نرى أن هذا الغرب يحاول فرض وصاية علينا بمبادئ لا تنسجم مع مبادئنا. فضلاً عن أنها تتطاول على مقدساتنا، كما حصل عندما تطاول القضاء الألماني على شخصية قائد الثورة الإسلامية حفظه الله، ماذا تقولون في هذا المجال ؟
د.عكام : يؤسفنا أن تُدّعى الديمقراطية، ثم بعد ذلك تُرى مخالفةٌ صارخة لها في مواقف الغرب معنا. ويؤسفنا أيضاً أن بعضاً من بني جلدتنا وأبناء ديننا، والذين عبرنا عنهم بالمبهورين، عندما قصّروا في الانتساب والولاء والتطبيق لهذا الدين، وصدرت عنهم تصرفات لا يقرها الإسلام، كانت هذه التصرفات فرصة، وكان الأمر صيداً ثميناً بالنسبة إلى الغرب، من أجل أن ينسبوا أفعالهم، التي هي في الأصل ليست من الإسلام، أن ينسبوها للإسلام، باعتبار أن الفاعلين على سبيل الشكل مسلمون، وليس على سبيل المضمون والحقيقة. أنا أقول: إذا كانت القضية صراعاً فالغرب الآن يريد، كما قلت، أن يقضي على تحركنا الإيجابي، وقد استشعرَ أننا نقدم للإنسان دعوة خيرة. والأمر الثاني: إن بعضاً من بني جلدتنا يساهمون في تكريس هذه النظرة لأنهم ينسبون للإسلام ما ليس منه، من خلال أفعال تقوم أحياناً على العصبية، أو المعاداة، ومع الأسف الشديد تقوم أحياناً على التكفير، هذا الواقع المنغلق عن الدين في بعضه، والمبتعد عنه في البعض الآخر، يساهم في تقديم برهان ودليل من أجل اتهام الغربيين لنا على عدم قدرتنا العيش بديمقراطية، ونحن لا نقول للغرب ها قد بدرت منكم واحدة من خلال اتهام القضاء الألماني لقائد الثورة الإسلامية في إيران، لأن أخطاءهم كثيرة، لكن يؤسفنا أن تعبروا في لحظة عن عدم تمسككم بما تقولون، وبما تريدون أن تتصيدوا به.
كيهان : تبذل إيران جهوداً كبيرة من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية، لرصّ الصف وتقريب المذاهب، لكن هناك بعض المواقف مع الأسف تسير بالاتجاه المعاكس، كاتهام البعض إيران بأنها دولة مذهبية، فهل إن الثورة في إيران هي ثورة مذهبية ؟ وهل هي تسعى لفرض مذهب معين دون مناصرة الاتجاه الإسلامي العام، فهل من تعليق في هذا المجال ؟
د.عكام : أيُّ اتهام، من أجل تثبيته أو نفيه، يحتاج إلى قناتين:
1- قناة المقول أو المكتوب أو التعبير، وأنا من خلال ما قرأته عن الثورة الإيرانية، ولحد الآن، لم أجد في تعبيرات المسؤولين ما يمكن أن يشير إلى ما ذكرتموه، مثل " التفريق ". قرأت تصريحات كثيرة للإمام الخميني رضي الله عنه، وكل هذه التصريحات كانت تعبر عن الوحدة المنشودة بين كل المسلمين. إذن نقول لمن يتهم هذه الجمهورية بالتعصب: من أين أخذتم دليلاً على الاتهام ؟ لأن الدليل يكون إما من القول، أو السلوك، فالقول لا يدعم الاتهام، لأننا نجد القول يخالف الذي يقولونه. أما القناة الفعلية السلوكية، فإني وفي عام /1984/ دُعيتُ إلى مؤتمر في طهران، وكان هذا المؤتمر حول الوحدة الإسلامية، وسمعت من الحاضرين على اختلاف توجهاتهم كلاماً طيباً وخيِّراً حول ضرورة الوحدة. ثم بعد ذلك زرت أماكن عدة، وكان التوجه العام من قبل الدولة والمسؤولين وقائد الثورة الإسلامية آنذاك الإمام الخميني رحمه الله، ورئيس الجمهورية آنذاك الرئيس علي الخامنئي حفظه الله، أن وجدت حرصاً على الوحدة ودعماً لها. وما هذه المؤتمرات التي تُعقد في إيران إلا تعبيرات عن إرادة الوحدة بين المسلمين، ولذا لا يمكنني اتهام إيران، وربما يكون الاتهام قد استند إلى أوهام وظنون، ولكنني لا أستطيع تأكيد ذلك الاتهام في كل حال من الأحوال، والمهم أننا مطالبون بالبينة الواضحة، ولا بينة للذين يتهمون إيران بالمذهبية. لعل أولئك الذين يتحدثون مثل هذه الأحاديث، ويقولون أن الجمهورية الإسلامية في إيران ربما استمرت لو أنها نادت بالإسلام من دون مذهبية معينة، لم يكونوا فاعلين في هذا الكلام وإنما منفعلين، والأصل على الداعية أن يكون فاعلاً. هم يخافون من أن يُتهموا بأمر كان ذميماً في الماضي، لأنه أُشبع بالتصورات والتعريفات والحدود المرعبة، ولذلك هم منفعلون، ينظرون للناس من حولهم ماذا يريدون أن أقول: إذن أقول ما يريده هؤلاء. هم أضعف من أن يكونوا موجهين فاعلين، والمفروض أن يوجهوا الناس من أجل أن يتلمسوا أحكامهم عبر القنوات العقلية الصحيحة، فلماذا مثلاً نمتدح بعض الدول الغربية، ونتكلم بملء أفواهنا عن بعض التصرفات لدى بعض الدول الغربية، ثم إذا ما أردنا أن نتكلم عن دولة إسلامية تتمذهب بغير المذهب الفقهي الذي نتمذهب به نخاف ؟!
لأننا، كما قلت، نريد أن نرضي أشخاصاً لا يعرفون عن هذه الدولة الإسلامية، وعن هذا المذهب شيئاً سوى ما ورثوه من عداوات لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فهؤلاء للأسف منفعلون وليسوا فاعلين.
لأننا مأمورون أن نكون موضوعيين: ( اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ) الأحزاب/70. ولأننا مأمورون أن نتبين: ( إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا ) الحجرات/6. ولأننا مأمورون أن نتعرف على الأشياء كما هي، ولأننا مأمورون أن نرعى حرمة المسلم ولا نذكره إلا بالشكل الخيِّر الصحيح، فنحن إذا قامت دولة ليست مسلمة وتلاحمت معنا في نظرتها للقضية الفلسطينية فربما مجّدنا ومدحنا.
يا أخي: هذه الجمهورية إسلامية، تقول: القرآن كتاب الله، وتنادي بالدستور الذي يُؤخذ من هذا الكتاب، ثم ترفع شعار ضرورة حاكمية الإسلام على الإنسان، فما الذي تقوله لربك يوم القيامة أيها الإنسان الذي تتهم هذه الجمهورية بأنها لا تدعو إلى الإسلام ؟
ثم أخيراً، إما أن يكون أصحاب الاتهام منفعلين لأنهم ضعاف، أو ربما أيضاً،من يدري ؟ مسوقون بدافع التقليد الغربي، أو بدافع التأثر بما تردده أبواق الغرب، باعتبار أن الغرب ما كان يتوقع أن تُكتب على خارطة، أو على جزء من العالم كلمة " جمهورية إسلامية ". ولقد أراد الغرب أن يكون الإسلام حبيساً، وقضية سلمان رشدي، حينما أفتى الإمام رحمه الله بهدر دمه، لم يكن في تلك الفتوى خارجاً عن الإسلام، وإنما كان فعلاً باحثاً بحجة من موقف الإسلام الصريح حيال مثل هذا الشخص المرتد، وهذا معروفٌ في إسلامنا بقضية هدر الدم من قبل ولي الأمر. فإذا كان الإمام الخميني ولي أمر المسلمين في الجمهورية الإسلامية، ويبحث عما يدعم المسلمين، فعليه إذن أن يحدد موقفاً مأخوذاً من شريعة الله عز وجل حيال هذا المجرم المرتد. وموقف الإسلام أن مثل هذا الشخص الذي استهزأ بكتاب الله ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وبنساء النبي، فمن الحق أن يُهدر دمه، لأنه اعتدى على معتقدات أمة، وهذه القضية أصبحت معروفة.
كيهان : إن المسألة هي أن بعض الاجتهادات وقفت إلى جانب الغرب بدلاً من أن تدعم حكم الإسلام ؟
د.عكام : أخاطب جميع المسلمين وجميع الناس وأقول: كن واثقاً موثِّقاً، وفي أضعف الإيمان إن لم تكن على علم بهذا الأمر فاسكت، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " على مثل الشمس فاشهدْ، وإلا فدعْ ". فإن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل .
فيا أيها الناس، المسلمون بشكل خاص: أقول لكم جميعاً: لنتمسك بعقولنا، وأن نتحدث عندما نعلم بالشيء فقط، وإذا لم نكن نعلم فلنردَّ الأمر إلى أربابه، والله عز وجل يقول: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النمل/43. وإن كنتم تعلمون فأجيبوا، وديننا ينادينا بضرورة الكلام عندما نعلم، وأعتقد أن هناك خطراً كبيراً ينتظر أولئك الذين يتكلمون من دون دليل، ويتحدثون بما لا يعلمون، ويكفرون بما لا يملكون من أدلة، فمسؤولية الكلمة كبيرة وسنُسأل يوم القيامة عما نقول .

التعليقات

شاركنا بتعليق