آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
الدكتور عكام يعقب على محاضرة الدكتور إيريك شومون من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى حول آنية الاجتهاد

الدكتور عكام يعقب على محاضرة الدكتور إيريك شومون من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى حول آنية الاجتهاد

تاريخ الإضافة: 2007/12/02 | عدد المشاهدات: 2056

بدعوة من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في حلب ألقى الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى الدكتور إيريك شومون محاضرة بعنوان: بعض الأفكار حول آنية قضية الاجتهاد، يوم الأحد: 2/12/2007 في مقر المعهد بحلب (دار حماض).

وقد قام الدكتور الشيخ محمود عكام بالتعقيب على هذه المحاضرة، وفيما يلي النص الكامل للتعقيب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الشكر للمعهد على اجتهاده الذي يبذله من أجل معرفة جادة مقاربة لما ننشد أن تكون عليه المعرفة الإنسانية، والشكر للباحث الصديق جمال باروت على ما يبذله أيضاً في هذا المعهد من أجل استجلاء رؤية أقرب إلى الحقيقة.

الشكر للباحث المحاضر إيريك شومون على هذا النص الذي تقدم به، وأنا أستمع إلى كلمته وانظر إليكم، تصورت أننا في جلسة مناقشة لرسالة ماجستير أو دكتوراه أو تقييم بحث من مرتبة أعلى في كليةٍ ما، وقلت بيني وبين نفسي: فليشارك الجميع، ولتكن المشاركة مستتبعة، وأتمنى ألا تنتهي المناقشة لمثل هذا الموضوع في هذا اللقاء وأن تكون هنالك مناقشة تتبع هذا اللقاء على طاولة مستديرة أو مربعة أو... ولا أريد أن نتداول مثل هذا البحث تداولاً سريعاً، وقد خلَّف في أذهاننا بعض القضايا القلقة والتي لم تتناول بالشكل المتكامل أو الأقرب للتكامل.

ما تكلم به الأستاذ الباحث: أوافقه فيما يتعلق بالاجتهاد، لذا لن أعلق التعليق المضادّ لأنه وَصَّف ورسم الأمور رسماً أميناً، وبعد ذلك عندما علل كان تعليله لم يبذل فيه جهداً عقلياً كبيراً حتى يناقش تعليله، تعليله هو تعليل كل إنسان، وأوافقه في وصفه ورسمه وتعليله حتى، ولكن تعليقي سيكون من باب التوضيح لما فهمته أنا، وربما مساعداً من أجل أن نتناقش فيما فهمتموه أنتم من الباحث وفيما يجب أن نتناقش فيه.

الاجتهاد هو عبارة، هناك دليل من النص، وهناك واقعة، وهنالك حكم يؤخذ من هذا الدليل ليغطي هذه الواقعة، فأمامي نص وهو الدليل، وأمامي واقعة إنسان فعلَ فعلةً ما، ما حكم النص في هذه الواقعة ؟ عليَّ أن أستنزل من هذا الدليل حكماً لهذه الواقعة، فأنا أجتهد للوصول إلى صيغة قانون لهذه الواقعة التي وقعت، هذا الحكم قد يكون جلياً في كونه مستخرجاً من الدليل، وهذا لا يحتاج إلى جهد، فأنا لا أريد أن أسمي نفسي مجتهداً في حكم واضح الاستنباط من هذا الدليل، لكن دعوني أرسم لكم ولو في الخيال: الحكم الذي أستنبطه من الدليل له شقان، هناك جهد من أجل استنباط الحكم، وهذا الجهد المعرفي لاستنباط الحكم من النص يحتاج إلى أدوات، إلى فهم لغة النص، إلى معرفة السياقات معرفة الظروف، المسائل السابقة، سأجتهد في معرفة الحكم، لكن هنالك اجتهاد آخر هو تطبيق هذا الحكم على هذه الواقعة. أحياناً يكون الحكم واضحاً في كونه مستنبطاً من هذا الدليل، لكن الجهد سينصب على تطبيق هذا الحكم على هذه الواقعة، لذلك أكرر: الاجتهاد اجتهادان، اجتهاد في معرفة الحكم، واجتهاد في تطبيق الحكم.

والمثال المعروف من أجل توضيح الفكرة، النص يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ فالحكم الذي لا يحتاج إلى جهد كبير هو أن السارق تقطع يده، وسأبذل الجهد في أن ينطبق هذا الحكم على الواقعة الحالَّة، لذلك أتي سيدنا عمر بسارق في عام المجاعة، وعمر يعلم أن السارق تقطع يده، لما جاءه سارق طبَّق عليه وصفَ السرقة فرآه لم ينطبق، فلذلك قال لا أقطع يد فلان. لماذا ؟ لأنه ليس سارق، بذل جهده في تطبيق الحكم على هذه الواقعة.

الأستاذ شومون لما تحدث عن الاجتهاد وانسداد بابه، وقد قال بعض الفقهاء: باب الاجتهاد انسد. استنبطت أحكاماً كثيرة من النصوص، منها ما قد وقع، ومنها ما تُصور على أنه وقع، وتكاد أحياناً تكون مستحيلة الوقوع عادة، لكنها تُصوِّرت ووُضع لها أحكام، المشكلة التي حدثت أن الفقيه الخلَف كان من المفترض أن لا يقيس على الواقعة، وإنما يعمل نفس العمل الذي عمله الفقيه السابق، فالنص طازج ونبَّاع، ولَّدنا منه أحكاماً ثم عقَّمنا (من العقم) النص، وقسنا على الوقائع والأحكام التي حدثت في الماضي، فقلنا الواقعة التي حدثت في القرن السادس الهجري نفسها وقعت اليوم ولم نلحظ الظروف، لكن المجتهدون الأوائل وكأني بهم يقولون: لا نريد هذا منكم، بل نريدكم أن تتابعوا عملية الاستنباط من النص، ولو كان الحكم سيماثل ما وصلنا إليه.

فما البواعث لعدم اجتهادنا ؟ طبعاً، هي انشغال بالسياسة والكسل والدَّعة والترف وادِّعاء عدم وجود الوقت، وانشغلنا بالجهاد على حدِّ زعمنا، وقلنا باب الاجتهاد مغلق. فأنت مَن حتى تأخذ من النص بشكل مباشر ؟! يجب أن نضع شروطاً تعجيزية للاجتهاد: عالم باللغة، وبحث الاشتغال في اللغة العربية، وما قاله الأخفش وابن جني... والخلاف بين الحجازيين والتميمين و... قل لنا على سبيل المثال: أين نرى حديث: (مثل الجليس الصالح والسوء...) أين نراه عند البخاري ؟! باب الصداقة، لا هذا غير صحيح، هذا في باب الصيد... تبرير لكسلهم، قالوا: لا يجوز الاجتهاد. فلو كان أبو حنيفة اليوم بيننا فهل يستسلم للشافعي المفترَض استسلامنا نحن ؟! لا، والدليل أنه لم يستسلم لمن قبله وهو يُقرّ بأنهم أفضل منه.

المشكلة أننا قلنا لا يوجد اجتهاد لأنه لم يبق أحد مثل الشافعي، فهل عقمت النساء ؟! قالوا: يوجد اجتهاد، لكن أين المجتهد !!

لما عدت إلى البخاري ومسلم رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بالاجتهاد ويقول: (اجتهدوا فكل ميسَّر لما خلق له)، (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر).

فالمجتهدين وحتى لا يغلقوا باب الاجتهاد قالوا: "الاجتهاد سابق لا يمنع الاجتهاد اللاحق". الاجتهاد ينقض فإذا بني عليه الحكم فلا ينقض الحكم، كما قال سيدنا عمر في رسالته إلى أبو موسى الأشعري: "لا يمنعنك قضاء قضيت به بالأمس، أن تقضي اليوم بخلافه، فتلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي".

ابن نجيم يقول: "وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع". وهذا عن طيب نفس منه، ونقل عن الكمال بن الهمام: "أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأئمة الأربعة"، لكني أرى في كتب أخرى: أن الحكم الاجتهادي حكم ظني لا يلتزم به مجتهد آخر لا في نفس العصر، ولا في عصرٍ آخر، لأن المجتهد يتأثر بالظروف المحيطة، ومصالح الناس مختلفة من عصر لآخر. ويقولون أيضاً: لا يخلو عصر من مجتهد، لأن رسول الله يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها).

يقول الشوكاني في إرشاد الفحول: "ذهب جمع إلى أنه لا يجوز خلو الزمان من مجتهد قائم بحجج، يبين للناس ما نُزِّل إليهم".

ونقل عن الحنابلة: بأنه لا يجوز خلو العصر من مجتهد وبه جزم الأستاذ أبو اسحاق والزبيري، لأن الله تعالى لو أخلى زماناً من قائم بحججه لزال التكليف. وقال ابن دقيق العيد: "وهذا هو المختار عندنا".

أعود فأقول أنا مع الباحث فعلاً، قد أختلف معه في ترتيب الأفكار، في الصياغة، لكن بشكل عام، ما أراد أن يقوله في الفحوى هو الذي أقوله أنا موافقاً، ومن ذهب إلى غيره فالقضية تستتبع حوارات.

أشكر استماعكم، والسلام عليكم.

 

التعليقات

شاركنا بتعليق