آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
كلمة المولد في جامع العثمانية بحلب

كلمة المولد في جامع العثمانية بحلب

تاريخ الإضافة: 2008/04/03 | عدد المشاهدات: 2525

ألقى الدكتور الشيخ محمود عكام كلمة بمناسبة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في جامع العثمانية بحلب، يوم الخميس: 3/4/2008، فيما يلي نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً.

أهنئكم أيها الحاضرون، أيها المؤمنون، أيها المحبون لسيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أهنئكم بذكرى المولد بذكرى المولد الذي كان للدنيا الفرح والسرور والبهجة والعطاء، وأهنئ راعي هذا الحفل فضيلة الشيج الجليل الحسيب النسيب سليل الطهر الشيخ عبد الخالق إسماعيل أبي النصر، وأسأل الله لكم جميعاً وللمسلمين ولبلادنا ولأمتنا العناية والرعاية والنصر والتوفيق والنجاح والازدهار، وأسأل الله أن يجعلها أمة متمسكة بشرع ربها متماسكة فيما بينها متذكرة قول الله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).

يخطر ببالي منذ فترة غير قصيرة أن الإنسان أمامه ثلاثيتان إحداها تدعى ثلاثية الترقي والأخرى يمكن أن نسميها ثلاثية التردي، أما ثلاثية الترقي فالإنسان، هذا الكائن الحي يبتدئ بشراً، يرتقي ليكون إنساناً، يرتقي أكثر ليكون رحموياً. وأما ثلاثية التردي فبشرية، ثم حيوانية، ثم بهيمية، ثم أضل والأضل يعني الذل والقسوة، يعني أن تحول الرحمة إلى قسوة وشدة وعنف. لا أريد أن أتحدث عن ثلاثية التردي لكنني سأتحدث عن ثلاثية الترقي: (إني خالق بشراً من طين) البشرية (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) فصار إنساناً (فقعوا له ساجدين)، (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك) جعلك إنساناً ثم لم تتابع الارتباط به فعدلت عن إنسانيتك إلى بشريتك إلى حيوانيتك إلى بهيمية إلى ظلم وهكذا... (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين)، (إني خالق بشراً من طين) البشرية (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) فصار إنساناً (فقعوا له ساجدين).

يرتقي الإنسان ليكون رحموياً وباعتبار أننا نحتفل بمولد الإنسان الأكمل وقد كملت إنسانيته لأنه غدا رحموياً، بل أكثر، غدا الرحمة ذاتها غدا الرحمة عينها لم يصفه ربه بكونه رحيماً بل قال عنه بأنه الرحمة كلها وبأنه الرحمة ذاتها عندما قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاز ثلاثية الترقي بأفضل ما يمكن أن يحوزها إنسان على وجه هذه البسيطة لأنه انتقل من بشرية إلى إنسانية، ثم لم ينتقل إلى أن يتصف بالرحمة، بل كان الرحمة ذاتها ولذلك يقول عن نفسه صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن الدارمي: "إنما أنا رحمة مهداة".

وتسألونني عن الرحمة وهل الرحمة صفة من الصفات النبيلة وقيمة من القيم العظيمة ؟ الرحمة ليست صفة من جملة الصفات بل هي أم الصفات الجميلة والقيم النبيلة لا يمكن أن تكون الرحمة صفة وسمة من بين القيم تعد من بينها بل الرحمة منبع القيم بل الرحمة هي أصل القيم، الرحمة عندما تكون أصل القيم فإننا نعرفها بأنها عطاء نافع برفق، إن أعطيت الآخرين عطاءً نافعاً برفق فأنت رحيم، إن أعطى الزوج زوجته عطاءً نافعاً برفق فهو رحيم بها، إن أعطت الزوجة زوجها عطاءً نافعاً مطلوباً منها أن تعطيه كما أمرها ربها باعتبارها مسلمة فهي رحيمة، وهذا العطاء تم منها برفق ولطف فهي رحيمة، إن أعطى الأب ولده التأديب والتربية والتهذيب برفق فهو رحيم، إن أعطى الأستاذ طلابه العلم النافع المطلوب منه فهو رحيم، الرحمة عطاء نافع برفق، فهل أنت على خط الرحمة ؟ نحن نريد أن يرحمنا ربنا، نسأل ربنا أن ينصرنا، والنصر بعض الرحمة إذا أردتم الرحمة والنصر والسقاية فما عليكم إلا أن تطبقوا المعادلة النبوية الشريفة التي جاءت على لسان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كما في الترمذي: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" المعادلة واضحة أعط الآخرين عطاءً نافعاً برفق يعطك ربك ويرحمك ربك، والله عز وجل رحمنا إذ خلقنا إذ أعطانا الوجود (إني جاعل في الأرض خليفة) هذا الوجود عطاء نافع وبرفق سوانا بيده (فإذا سويته) ونفخ فينا من روحه (ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) القضية واضحة ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، قدموا للآخرين عطاءً نافعاً برفق فالله سيرحمكم، أنت أيها الزوج أنت أيتها الزوجة أنت أيها التلميذ أنت أيها المعلم أنت أيها الأب أنت أيها الولد أنت أيها الشيخ أنت أيها المريد أنت أيها الطبيب أنت أيها المحامي أنت أيها الحاكم أنت أيها المحكوم إذا أردت أن تُرحم وأن تتغمدك الرحمة في حياتك قبل مماتك فما عليك إلا أن تتوجه إلى من ستسأل عنهم بالعطاء النافع برفق: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) القضية قضية رحمة إذا انتفت الرحمة انتفى الإنسان وانتفت البشرية وبدأنا ننحدر في ثلاثية التردي.

القضية واضحة ربي عز وجل وصف أصحاب نبيه فقال: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) حتى عندما نجاهد ونقاتل فنقاتل في الإنسان قسوته وظلمه، نقاتل في الإنسان غروره وكبرياءه، نقاتل في الإنسان جنوحه نقاتل في الإنسان بُعده، نريد عندما نجاهد ونقاتل أن يعود هذا الإنسان إلى ساحة العطاء النافع لأنه عندما يكون كافراً لا يمكن أن يقدم عطاءً نافعاً برفق عندما نجاهده نريد تربيته بالقوة لأنه أراد منا أن نستخدم معه هذه الوسيلة عندما لم تنفع معه الكلمة فالجهاد بالقتال يأتي بعد عدم نجاعة وسيلة الكلمة والدعوة لهذا الإنسان، أتريدون أن يرحمكم ربكم ؟ ارحموا من في الأرض، فليرحم بعضنا بعضاً، كل الأمر في هذه النقطة التي ذكرتها  ولولا ذلك ما قال ربي عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) آمل أن نعيش الرحمة أن يفكر كل منا في أي مكان يشغله أن يعيش الرحمة أن يعطي عطاءً نافعاً برفق إن كان كذلك فليدع ربه أن يثبته وأن يزيده.

ومن أجل أن نتذكر الرحمة المهداة دائماً ما علينا إلا أن نقرأ سيرة هذه الرحمة ما علينا إلا أن نصلي على هذه الرحمة أريد منكم ومن نفسي أن يكون لنا ورد كل يوم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن نستجلب التأسي بهذه الرحمة صلوا عليه في كل يوم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في الصحيح: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة".

سيدي رسول الله نحن نشهد أمام الله أنك كنت الرحمة، وكما قال شوقي:

وإذا رحمت فأنت أم أو أب      هذان في الدنيا هما الرحماء

بل أنت أرحم من الأم والأب، سيدي رسول الله أنت الرحمة المهداة، فعلاً رحمتَ وكنتَ بنا رؤوفاً رحيماً، سيدي رسول الله نحن نطمع في هذه الرحمة من أجل تكتنفنا في الآخرة، نطمع في شفاعتك نطمع في أن تكون لنا الشفيع، وأنت قد وعدتنا أن تكون الشفيع لنا يوم القيامة، أوَلست القائل كما في الحديث الذي يرويه الترمذي: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئا" أوَلست القائل كما في مسلم عندما وقفت أمام أصحابك فتلوت قول إبراهيم: (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم)، وقول عيسى عليه السلام: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ثم رفعت يديك وبكيت وقلت: "اللهم أمتي، أمتي" فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك ؟" فأتاك جبريل عليه الصلاة والسلام، فسألك فأخبرته وعاد إلى ربك وهو أعلم، فأخبره بما قلت، ، فقال الله: "يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك".

أختم بحديثٍ لطالما كررته في مثل هذه المناسبات طمعاً في أن نكون رحماء فيما بيننا مقتدين بالرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام والحديث حسَّنه العلماء، يقول عليه الصلاة والسلام: "خُيرت بين الشفاعة، وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة" لأنها أعم وأكفى، "أترونها للمتقين ؟ لا، ولكنها للمذنبين، الخطائين المتلوثين" أرأيتم إلى هذه الرحمة ؟ قرأت عند قول الله عز وجل: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) أن ابن عباس قال كما في الطبراني وهذا له حديث موقوف: "السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد" فاللهم وفقنا من أجل أن نكون على مستوى هذا الدين الذي يأمرنا بالرحمة.

يا رب عبد توسل بالنبي وآله                فبحقهم يا رب لا تخزيه

إن مات جسمك فالهوى يحييه          جسد تمكن حب أحمد فيه

تالله إن الأرض لا تبليه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق