آخر تحديث: الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
الدكتور عكام يحاضر في ندوة "جلال الدين الرومي" العلمية الدولية

الدكتور عكام يحاضر في ندوة "جلال الدين الرومي" العلمية الدولية

تاريخ الإضافة: 2008/04/21 | عدد المشاهدات: 2336

بدأت ندوة "جلال الدين الرومي" العلمية الدولية أعمالها يوم الاثنين 21/04/2008 بجلسة علمية حملت عنوان (جلال الدين الرومي ونتاجه الفكري )، وقد ترأسها الدكتور علي القيم معاون وزير الثقافة، وشارك فيها الدكتور الشيخ محمود عكام، والأب جوزيف شابو، والدكتور محمد جمال طحان، والدكتور عيسى العاكوب، والدكتورة زهية جويرو، وكان مقرر الجلسة الدكتور عبد السلام الراغب .‏

وقد قدم الدكتور الشيخ محمود عكام ورقته وكانت بعنوان: " جلال الدين الرومي صوفي بامتياز"، وفيما يلي نصها:

جلال الدين الرومي صوفي بامتياز

السيد رئيس الجلسة الدكتور علي القيم، الإخوة الحضور:

عنوان المداخلة: "مولانا جلال الدين الرومي صوفي بامتياز".

ها قد عدت من سفرٍ طويل، كان همي فيه جمع معالم، وقد فزت بالنسبة لي فإليك يا قارئي جمع معالم التصوف ومعي شواهد من مثنوي مولانا تؤكد على تحقق مولانا بها وهو حينها صوفي بامتياز.

المَعلَم الأول، للصوفية إحسان: في رأيي بعد بحثٍ يكاد يسمى طويلاً ومتعباً: الصوفية إحسان، والإحسان أسلوبٌ أمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع مراقبة العبد ربه، ويقوى الدافع ويزداد الأسلوب أمثلية بارتقاء طبيعة العلاقة بين العبد وربه من علاقة عبدٍ بربه إلى علاقة محبٍ بمحبوبه، وعندما يستشعر المحب أنظار المحبوب تغمره يزداد إحساناً، أي يزداد أسلوب أدائه الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة أمثلية وتحسناً. يقول مولانا عن هذا المَعلَم: "عشق الحي يبدو للروح والعين في كل لحظة أنضر من الزهر، فاختر لنفسك عشق ذلك الحي فإنه باقٍ، وهو الذي يسقيك شراباً يزيد من قوة روحك، وقوة روحك تزيدك عطاءً وإحساناً".

المعلم الثاني، الصوفية قلب ورب يصل بينهما حب: وتصبح المعادلة قلب محب ورب محبوب وأعلى تعبير للحب وأعظم تجلٍ له: امتثال وطاعة وانشغال واشتغال، فأما الامتثال والطاعة فقد عبر عنه ابن الفارض بقوله:

لو قال تيهاً قف على جمر الغضا لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف

وأما الانشغال والاشتغال فقد عبر عنه الروَّاس بقوله:

فإن تكلمت لم أنطق بغيركمُ وإن سكت فشغلي عنكمُ بكمُ

وأما مولانا فيقول حول هذا: "بالمحبة تكون الأوجاع هي الشفاء وبالمحبة يُبعث الميت حياً وبالمحبة يغدو يغدو الملك عبداً طائعاً".

ورحم الله القائل:

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

المعلم الثالث، التصوف تصوفان، صوفية ذكر وصوفية سكر: فأما صوفية الذكر فتعني استحضاراً واستعانة. فمن ذكر استحضر ومن استحضر استعان، وإذ تستحضر وتستعين فإن الله المستعان به يحضر ويعين بل يعمل عملك، ويتجلى بك وتفنى به: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وفي الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه).

وأما صوفية السكر فهي الهيام، فهي الفناء في المحبوب والغياب عن السوى فما ثمة إلا هو:

حدثتني يا سعد عنها فزدتني جنوناً فزدني من حديثك يا سعدُ

هواها هوى لم يعرف القلب غيره فليس له قبلٌ وليس له بعدُ

نزه فؤادك عن محبة غيره فالغير يفنى والحوادث تنطوي

والجأ لعزته ودعكَ من السِّوى فسواه محض العجز والله القوي

وأما مولانا فيقول في هذا الشأن: "والشمع والحطب عندما صارا فداءً للناس أصبحت ذاتهما المظلمة أنواراً، وحجر الكحل عندما حلَّ في العيون أصبح أبصاراً وصار لها حارساً فما أسعد ذاك الذي تخلَّص من ذاته وأصبح متحداً مع وجود حي وواه على ذاك الحي الذي جلس مع الميت لقد أصبح ميتاً وفرت منه الحياة فالذكر مجالسة ومجانسة".

المعلَم الرابع الصوفية من حيثية أخرى: صوفية عرفان وصوفية سلوك: لعل العرفان هو حقيقة الذكر، إذ لا بد للذاكر من معرفة المذكور وإلا فليس بذاكر. وأما السلوك فهو لازم عن العرفان وما خلق الله الجن والإنس إلا ليعرفوه ومن ثم ليعبدوه، يقول مولانا: "فمتى يكتفي بخضرة الربيع حجر صلب ألا فلتكن تراباً تنفخ فيه الروح حتى تنبت الورد مختلف الألوان"، ويقول أيضاً: "فاختبر بالمحكّ عملك أيها العاقل حتى لا تبني مسجد الضرار فكم كنت تسخر من بناة ذاك المسجد فلما أمعنت النظر كنت أنت واحداً من هؤلاء البناة".

وبناء على ما سلف فمولانا صوفي متحقق محسن يقول ويعمل بهديٍ من عشق وهو ذو قلبٍ فانٍ بالحي الباقي ممتثل طائع ومنشغل مشغول ولا شك في أنه عرفاني ذائق تصدر عنه دقائق ورقائق فما أروعه إذ قال: "من فراق الغصن يصفر الورق مثلما يُمسي محباً من عشق من فراق الخِل يختل الحِجى وهو مثلُ البدر في جنح الدجى، فالفراق النار والنار الفراق حين لا يُرجى من الحب التلاق".

وأخيراً فإن مولانا وهذا ما يهمني فيما يخص مولانا وأنا الذي صحبته منذ سنة وإلى الآن أقرأ في كل يوم بعضاً من مثنويه، أريد أن نؤكد على ضرورة الصوفية اليوم بإحسانها، بعرفانها، بسكرها، بهيامها، بذكرها على أهميتها في حياتنا هذه التي نعيشها لأن الصوفية في النهاية هي عين الروح في مواجهة عين المادة لك أيها الإنسان عينان عين روح وعين مادة، الصوفية عين روح فهيا إلى هذه العين من أجل أن تُضبط بقواعد الدين وأعني بالدين الدين الحق وكلنا إذ يبحث يبحثُ عن الدين الحق.

مولانا جلال الدين صوفي يضبط أقواله وأفعاله على إيقاع الشريعة، همه أن يسكن ربه قلبه بل أن يغدو ربه قلبه. عفيف نظيف منضبط لم يكن حسبما قرأت منفلشاً ولم يكن متسيباً ولم يكن مسيباً ولم يكن منفتحاً انفتاحاً لا ضابط له، لم يكن باباً دواراً لكنه كان باباً ينتهي إلى حد، كان شخصية إسلامية إنسانية ارتقى من بشرية إلى إنسانية إلى رحموية، إلى رحموية من حيث العرفان ومن حيث السلوك ومن حيث التطبيق، لذلك قال لتلامذته ومريديه: "أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، وبقلة الطعام وبقلة الكلام وبهجر المعاصي والآثام وبمواظبة الصيام ودوام القيام وترك الشهوات على الدوام واحتمال الجفاء من جميع الأنام" وهذا الأجمل إن احتملت الجفاء من جميع الأنام فأنت إنسان بل ارتقيت من إنسانية إلى الرحموية. جاء في البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

رحم الله مولانا صوفياً ربانياً عشق الحق فسعدت روحه بمشاهدة الحق وقرن نار شوقه بنور الحبيب فسحب النور كل ما فيه من نار وأحال وصل الحبيب كل أشواكه بستان ورد، وانتفى عنه الغرض فحلَّ عليه الفضل. فاللهم زدنا قرباً وتحققاً فلا نرى إلا أنت، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق