آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سمات علاقة الإنسان بنفسه

سمات علاقة الإنسان بنفسه

تاريخ الإضافة: 2008/11/07 | عدد المشاهدات: 4631

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون:

تحدثنا فيما سبق عن علاقة الإنسان بربه، وعن علاقة الإنسان بجسمه، وعن علاقة الإنسان بعقله، وعن علاقة الإنسان بروحه، وسألني بعد أن تحدثنا هذا الذي تحدثنا أخٌ يوم الجمعة الفائت، قال لي: ذكرت العلاقة مع الجسم والعقل والروح، فهل ستذكر العلاقة مع النفس ؟

نحن نعلم أن الإنسان يُتحدث عنه من خلال عقله وقلبه وروحه وجسمه ونفسه، فما النفس والعلاقة التي يجب أن تكون مع النفس ؟

أيها الإخوة: وأرجو أن ننتبه بعض الشيء، وآمل أن تكون خطبة الجمعة محطة معرفة، ومحطة توجيه ومحطة اعتبار لا أن تكون خطبة الجمعة مكان راحة وارتياح أو مكان راحة تعني كسلاً، أو محلاً من أجل أن يأتي الإنسان ليزيل عن كاهله هذه الفريضة، لذلكم تتطلب بعض المواضيع شيئاً من الانتباه، ولأن مثل هذه الموضوعات تهمّنا وتهم كل واحد منا، نطرحها على منبر الجمعة آملين أن يكون من وراء ذلك تعرُّف، ومن بعد التعرف عمل، ومن بعد العمل إنجاز، وأن يكون الإنجاز يصبُّ في مصب خدمة الإنسان وخدمة الأرض وخدمة البلاد وخدمة كل ما أمرنا الله عز وجل أن نخدمه.

النفس: هي مجموع العقل والجسم والقلب والروح، النفس هي الوظيفة الكليِّة للجسم والعقل والقلب والروح، حينما يكون هنالك جسمٌ وعقلٌ وقلبٌ وروح، ويعمل العقل والقلب والروح والجسد فالعمل المشترك الصادر عن كل هؤلاء يُسمى نفساً، ولذلك جاء التكليف للنفس أي لكل هذه الأمور، والله عز وجل لم يقل في القرآن الكريم: لا يكلف الله عقلاً إلا وسعه، ولم يقل لا يكلف الله قلباً إلا وسعه، ولم يقل لا يكلف الله جسداً إلا وسعه، وإنما قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ النفس الوظيفة الكلية والعمل المشترك الصادر عن كل هذه الأمور عن العقل والقلب والروح والجسد، ولذلك انصبَّ التكيف عليها وانصبَّ الموت عليها، أنت حينما تموت تموت فيك هذه الوظيفة الكلية لا يموت عقلك ولا يموت جسمك ولا يموت قلبك ولا تموت روحك بل تموت نفسك وينسب الموت للنفس لا لأحد هذه الأمور ولذلك قال الله عز وجل: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ عندما تموت هذه الأمور يعني أن النفس ماتت، والإيمان لا يكون إلا للنفس، أوليس الله قد قال: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ وعندما رجعت إلى القرآن الكريم أحصيت أكثر من ثلاثمائة مرة ورود لكلمة النفس إن في صيغة المفرد أو بصيغة الجمع وحاولت من باب الاستئناس أن أعود إلى المرات التي ذكر من خلالها القلب والعقل والروح والجسم فوجدت أن مرات ذكر هذه الأمور تعادل مرات ذكر النفس، وكأن النفس كما قلت لكم هي الوظيفة الكلية وهي مجموع العقل والقلب والجسد والروح عندما تعمل هذه الأمور معاً العمل الصادر المشترك عن هذه الأمور، واقرؤوا أنتم قراءةً موضوعيةً لآياتٍ ورد فيها ذكر النفس فستقعون على ما وقعت عليه، وسيتأكد لكم هذا الذي تأكد لي حتى اللحظة.

وهنا أغتنمها فرصة لأوجه إخوتي وأبنائي إلى ضرورة القرآن الكريم قراءة فهمية وقراءة موضوعية، أتريد أن تتعرف على ذاتك ومكوناتك ؟ إذن عُد إلى القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم كما ذكرنا على هذا المنبر منذ أكثر من عشرين عاماً كتابٌ يصفك بدقة وإتقان ويبين لك وظيفتك وغايتك، يوصِّفُ ويوظِّف ويبين الغاية التي يجب أن تصل إليها، النفس كجموع العقل والقلب والروح والجسد، الوظيفة الكلية المشتركة التي تصدر عن هذه الأمور أو الأشياء أو الأعضاء التي ذكرناها من جسدٍ وعقل وقلب وروح.

إذا كان الأمر كذلك فلا يمكننا أن نتحدث عن علاقة مع النفس لكننا نتحدث عن ماذا ؟ نتحدث عن قيادة النفس وتحقق النفس بهذه المكونات للعلاقات مع الله مع الجسد مع العقل مع القلب ومع الروح، نفسك يعني أنت، نفسك يعني ذاتك، نفسك يعني هذا الذي يتحرك أمامي لأن الموت يصيبك، نتحدث إذن عن حسن قيام النفس بالعلاقات مع الله مع الجسد مع العقل مع الروح مع القلب مع سائر الأمور الأخرى التي سنتحدث عنها حينما نتحدث عن علاقات الإنسان بالأمور الأخرى.

فالنفس في قيامها بهذه العلاقات إما أن تكون نفساً راضية مطمئنة محسنة، وإما ان تكون نفساً لوامة، وإما أن تكون نفساً ظالمة أمارة.

انظر علاقاتك مع ربك وانظر علاقاتك مع جسمك وعقلك وروحك وقلبك فإن أحسنت القيام بهذه العلاقات كانت نفسك مطمئنة راضية مرضية محسنة ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ إن أقمت هذه العلاقات على وجهها الصحيح من حيث النية ومن حيث العمل والفعل والقيام والصورة والشكل والغاية فأنت صاحب نفس راضية مرضية مطمئنة ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ وإن أردت أن تقوم بهذه العلاقات قياماً خيراً أردت ونويت لكنك في الفعل وفي العمل لم تقم بهذه العلاقات كما يجب فأنت صاحب نفس لوامة ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ وإن أنت لم تنوِ القيام بهذه العلاقات وبالتالي لم تقم بها فعلاً وعملاً وسلوكاً فأنت صاحب نفسٍ ظالمة ﴿ومنهم ظالمٌ لنفسه﴾ وأنت صاحب نفسٍ أمارة بالسوء ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فانظر علاقاتك ومكونات هذه العلاقات فهل أنت تقوم بعلاقاتك مع ربك وفق الذي ذكرناه في خطبة سابقة خير قيام إذن فأنت صاحب نفس مطمئنة، إن كنت تريد أن تقوم بهذه العلاقات لكنك لم تقم كنت صادقاً في النية، لكنك لم تقم أو قمت لكن بشيء من التقصير فأنت صاحب نفسٍ لوامة، وإن لم تنوِ بالأصل أن تقوم بهذه العلاقات وبالتالي لم تقم بها فعلاً فأنت صاحب نفسٍ ظالمة ﴿إن الشرك لظلمٌ عظيم﴾ لأن المشرك لم يقم ولم ينو القيام بما يحقق العلاقة المثلى مع ربه جلَّ وعلا، قِسْ نفسك في كل الأمور التي تقوم بها هل أنت تنوي حينما تقوم بعلاقاتك مع جسمك مع عقلك مع روحك تنوي نية صادقة. تحدثنا عن العلاقات فارجع إليها في الخطب السابقة واقرأ كل واحدة من هذه المكونات للعلاقات فهل أنت صادق في أن تقوم بهذه العلاقات، تحدثنا عن علاقة الإنسان بروحه وقلنا على الإنسان أن يصقل الروح تلك اللطيفة القابعة أن يصقلها بالعبادة والذكر فهل أنت ناوٍ فعلاً وبقوة على أن تقوم بالعبادة حق القيام أم أنك تترك لنفسك الأمارة أو لنفسك اللوامة العنان، إن تيسر الأمر مع فعلي الطبيعي الذي أقوم به فبها ونعمت، هل آتِ إلى خطبة الجمعة وهي نقطة من نقاط إقامة العلاقة مع الروح هل آتِ إلى خطبة الجمعة من أجل أن أزيل عن كاهلي هذه الفريضة أم أنني آتي لخطبة الجمعة لأفيد، أم أني آتي لخطبة الجمعة لألتقي إخواني المسلمين لأتعاون معهم لأتعرف عليهم ؟ هل وضعت هذا في نيتك أم أن هذه الأمور غائبة وغَدَت خطبة الجمعة عبارة عن مكان نأوي إليه نقضي فيه بعض الوقت ريثما يحضِّر الأهل في البيت الطعام، أما أن نأتي لخطبة الجمعة من أجل أن نفيد ومن أجل أن نستفيد ومن أجل أن نقدِّم الفائدة للآخرين، ومن أجل أن نتعرف على المسلمين فهذا ما لا يخطر في بالنا، أنا أذكر نقطة من النقاط، لذلك الإنسان من حيث نفسه إما أن يكون صاحب نفس مطمئنة تنوي وتفعل، وإما أن يكون صاحب نفس لوامة تنوي وتقصِّر في الفعل، وإما أن يكون صاحب نفس أمارة ظالمة لا ينوي أصلاً ولا يفعل هذا الذي يجب أن يفعله في علاقاته مع ربه ومع جسمه ومع عقله ومع روحه ومع قلبه هذا إنسان ظالم، وأظن أننا حتى ولو ادَّعينا، واسمحوا لي أن أقول هذا بكل وضوح، حتى وإن ادَّعينا بأننا ننوي ونفعل لكن الحقيقة أكبر من الادّعاء الحقيقة تقول لنا بأننا أصحاب نفس لا أقول أمارة ولكنها قاربت أن تكون أمارة، قاربت أن تكون ظالمة هي ليست لوامة لأن اللوامة بعد سنة، سنتين، ثلاث سنوات... لا بد من أن ترتقي إلى النفس المطمئنة، لكننا كنا بالأمس أصحاب نفسٍ لوَّامة، فغدونا اليوم أصحاب نفسٍ شارفت على أن تكون أو زلفت إلى أن تكون نفساً أمَّارة، وهذا ما يدل عليه واقعنا، انظروا أنفسنا انظروا أحوالنا عندما نريد أن نصلي عندما نريد أن نعمل عملاً دنيوياً متقناً عندما نريد أن نتناول فكرة من الأفكار عندما نريد أن نتعلم، من منكم يا إخوتي ومن منا يفتح كتاباً ليزداد علماً في كل يوم من منا ؟ لقد قلت لكم على هذا المنبر سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم) وقلنا بأن القرآن هو الكتاب الذي يعلمنا علاقاتنا بربنا بجسمنا بأنفسنا بعقلنا بقلبنا، من منا يحافظ بشكلٍ رتيب على قراءة القرآن الكريم قراءة واعية فاهمة ولو أنه يقرأ في كل يوم سطراً أو سطرين، من منا، لكننا وأنا قلت لكم هذا وأقول لنفسي وأنا لا أتهم أحداً بعينه، لكنني أتهم المجموع، وإن كان هناك استثناءات لكن العبرة ليست للاستثناءات وإنما العبرة بالعام، لكننا منشغلون بشكل عام بما هو تافه ولا يعود علينا ولا على جسمنا ولا على عقلنا ولا على قلبنا ولا على روحنا بالخير ولا على بلادنا التي سنتحدث عن مقومات العلاقة معها، منشغلون بتافهٍ لا يفيدنا لا في الدنيا ولا في الآخرة، واسمحوا لي إن قلت أيضاً حتى لا يضر ولا ينفع لا يقدم لنا لا في ميدان السلب ولا في ميدان الإيجاب، كلامٌ لا فائدة تحته، كلامٌ لا طائل منه، كلامٌ واتهامٌ وكيلٌ للاتهام والأحكام و... هذا ما نعيشه وما نراه في أسرنا وفي بيوتاتنا وفي مساجدنا وفي مدارسنا وفي كل أمكنة نتجمع فيها.

ولعل قائلاً يقول لي وكيف نصلُ إلى النفس المطمئنة ؟ النفس المطمئنة التي تنوي وتعمل وتتقن هذا الذي تعمل، كيف نصل إلى النفس المطمئنة ؟

أقول لكم وبكل بساطة: في القرآن الكريم ستجدون الجواب، الجواب في آيةٍ نمرُّ عليها: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ المجاهدة، تسألني ما المجاهدة ؟ المجاهدة أمران: التفكر المفضي إلى زيادة الإيمان: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ المجاهدة تعني أمران: الأمر الأول التفكر المفضي إلى زيادة إيمان، والأمر الثاني إقامة التوازن. لا تجعل علاقاتك مع جسمك وعقلك وقلبك وروحك غير متوازنة، لا أريد أن تطغى علاقات مع الجسم على علاقات مع الروح، ولا علاقات مع الروح مع علاقات مع الجسم، ولقد علمنا سيد الكائنات عندما قال: (إن لجسمك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه) انظر نفسك وما يصدر عنك هل أنت متوازن أم أنك تعطي الجسم أكثر مما تعطي العقل، أم أنك تعطي العقل أكثر مما تعطي الروح، أم أنك تعطي الروح أكثر مما تعطي الجسم ؟ هل تهمل جسمك هل تهمل عقلك هل تهمل روحك ؟ إن لم تكن مقيماً للتوازن في علاقاتك مع مفردات نفسك من عقل وجسم وقلب وروح فأنت إذن بعيد عن أن تصلَ إلى ما يسمى بالنفس المطمئنة، ولذا قال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً القولة المشهورة المعروفة الصحيحة: (أما وأني أتقاكم لله وأشدكم له خشية، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) من رغب عن سنتي في إقامة التوازن حينما تقوم بعلاقاتك مع ربك وجسمك وروحك وعقلك وقلبك تُعد راغباً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن طريقته.

كل ما آمله أن نكون على بينة من أمرنا وعلى معرفة من مكوناتنا وأن يكون أمامنا منهاج، كفانا أن الواحد منا حوَّل الإسلام إلى قتال، وآخر حوّل الإسلام إلى ذكرٍ محض، والثالث حول الإسلام إلى سياسة فقط، والرابع حول الإسلام إلى اقتصاد فقط، والخامس حول الإسلام إلى علاقة اجتماعية بسيطة، والسادس، والسابع حول الإسلام إلى درسٍ وعظيٍ يسوق للناس قصصاً لا أصل لها يريد من الناس أن يتعطفوا عليه بدمعتين أو ثلاث حتى يُحسب عند نفسه الأمارة أو اللوامة بأنه ينتج شيئاً في هذا المجتمع نافعاً، والحقيقة أنه لا ينتج بل يكرِّس وضعاً متأخراً متخلفاً شئنا أم أبينا، كفانا، أتريدون أن تكونوا مسلمين ؟ إذن انظروا علاقتكم بهذا القرآن الكريم، انظروا تمسككم بهذا القرآن الكريم انظروا ارتباطكم انظروا توازنكم في علاقاتكم مع جسمكم وعقلكم وربكم وروحكم، انظروا كل هذا، وما أحرانا اليوم أن ننظر وقد صُبَّ علينا التخلف صباً بفعلٍ منا، وصُب علينا التأخر صباً بفعل منا، كفانا، ما أحرانا أن ننشد التقدم والتطور والعلم والعرفان والتطلع إلى مجتمع، لا سيما أنتم أيها الشباب، لا أريدكم أن تتابعوا السير في خط الكسل والإهمال والفوضى وعدم التوازن فأنتم المعنيون عندما نتحدث عن المستقبل، لأنكم المستقبل، أتريدون أن تمشوا وراء الذين تكاسلوا أو أولئك الذين لم يتوازنوا أو وراء أولئك الذين لم يعرفوا وإنما حولوا جهلهم إلى معرفة مغصوبة واغتصبوا الجهل ليحولوه إلى علم ومعرفة وصدَّروه للناس على انه معرفة وهم يعلمون أن ما يقدمونه للناس ليس معرفة.

أسأل الله عز وجل أن يتولانا وأن يوفقنا من أجل أن نتعرف ونعرف ونتعلم ونعلم، وأن يجعلنا من أولئك الذين ينشدون الخير والاستقرار والسعي والتقدم والازدهار للإنسانية كلها للبشرية كلها لبلادنا من باب أولى.

أسأل الله أن يجعلنا عوناً من أجل أن نكون في هذه الحياة أصحاب بصمة يوقع عليها ربنا عز وجل ومن ثَم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

اللهم وفقنا لذلك، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 7/11/2008

التعليقات

عاشق التوحيد

تاريخ :2008/11/13

التقدير والشكر الكبير للمفكر والعالم الجليل فضيلة الدكتور محمود عكام على هذه الخطب التي نفيد منها الكثير والشكر الخاص على هذه السلسلة الرائعة من الخطب حول علاقات المسلم..

شاركنا بتعليق