آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سمات علاقة الإنسان بوالديه

سمات علاقة الإنسان بوالديه

تاريخ الإضافة: 2008/11/14 | عدد المشاهدات: 2869

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لا زلنا في تبيان طبيعة علاقات الإنسان المسلم مع مَن حوله، وسنتابع فيما بعد أيضاً الحديث عن علاقة المسلم مع ما حوله، أي مع العاقل ومع غير العاقل.

بيَّنا فيما مضى طبيعة علاقة المسلم بربه وكيف يجب أن تكون، كما بينا علاقة المسلم مع جسمه وكيف يجب أن تكون، وبينا علاقة المسلم بروحه وبعقله وبنفسه في الأسبوع الماضي وكيف يجب أن تكون، ولعل بعض الإخوة في خطبة الأسبوع الماضي تساءل بعض الأسئلة وأنا في إجابتي على تساؤلاته التي شممت منها رائحة عدم الاستيعاب - أرجو ألا يؤاخذني هذا السائل - لذلك يا أخي وبكل حب وتقدير أقول لك ارجع إلى الخطبة فستجد الجواب لسؤالك الذي سألتني إياه عبر وسائل متنوعة.

واليوم ما أحرانا أن نخاطب شباب أمتنا وأن نخاطب رجال أمتنا وأن نخاطب النساء من أمتنا من أجل علاقةٍ مع الوالدين، وأنا إذ أحضِّر لهذه الخطبة قلت في نفسي هذا الكلام سيكون موجهاً إلى كل إنسان بغضِّ النظر عن عمره، فإنسان اليوم من سن العشرين ربما كان أباً وابناً في نفس الوقت ولذلك فالكل مخاطَب، وأيضاً المرأة إذا كانت في سن العشرين أو أقل أو أكثر فهي في نفس الوقت ربما كانت أماً وبنتاً، ولذلك أكرر فالخطاب موجه للجميع.

فيا أيها الأبناء على اختلاف السن وعلى اختلاف العمر، ويا أيتها البنات على اختلاف السن واختلاف العمر: ما طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون مع الأبوين ؟

هذا الأمر خطير، وهذه القضية هامة جداً، وأنا أعتقد، واعتقادي هذا مستلٌّ من روح شريعتنا وديننا، أنا أعتقد أن بر الوالدين فضيلة لها آثارها على المجتمع وعلى الفرد، فالأمة والمجتمع الذي لا يرعى هذه الفضيلة لن يتقدم ولن يُوفَق ولن يُصلَح ولن يَصلُح ولن يكون على مستوى مقبول بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، شئتم أم أبيتم، مجتمع فيه عقوق للوالدين أو انتشر فيه العقوق للوالدين مجتمع فاسد ولو تبدى بثوب صلاح لأن هذا الأمر كما سنرى أمرٌ خطيرٌ وجادٌّ، فما الذي يجب أن تتكون منه علاقتك بوالديك ؟

أولاً: عليك أن تعرف قدرهما وما يجب عليك تجاههما: ومن أجل توضيح هذه الفكرة، أترون لو أن إنساناً أراد أن يكون قاضياً، هل يمكن أن يكون قاضياً إذا كان جاهلاً بالقانون الذي يحكم به ؟ لا يمكن أن يكون راغب القضاء جاهلاً بالقانون الذي يريد أن يقضي به، هنا أقول عليك أنت أيها الولد أن تتعرف على كل الآيات والأحاديث والآثار التي تبين لك ما يجب أن تقوم به تجاه والديك، هذا أمرٌ فرضٌ عليك، إذا كان بر الوالدين فرضاً فتعلُّمُ ما يجب أن تقوم به حيالهما فرض، عليك أن تقرأ وتتعلم وتتابع كل الآيات والأحاديث المتعلقة ببر الوالدين من أجل أن تنفِّذ هذا كله، وإلا فأنت مقصِّرٌ في الأساس النظري، وبالتالي وما يدريك لعل أمراً طلبه منك ربك يتعلق بوالديك لم تطلِّع عليه فقصَّرت فيه فأنت قد ارتكبت بعضاً من العقوق.

أنا أقول الآن لأفراد مجتمعنا، للمثقفين ولغير المثقفين: هل جمعتم ما جاء عن ربكم وعن رسول ربكم صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق ببر الوالدين من أجل أن يكون هذا قائماً في ذهنكم حتى تنفذوه وحتى تسعوا من أجل أن تنفذوه ؟ أرجو والقضية قضية أساسية، ونحن لا نتكلم هنا كلاماً إنشائياً ولكن كما قلت لكم مرات ومرات: نحن نقدِّم هنا ورقة عمل من أجل أن تكون منهاجاً لنا في حياتنا، ألا هل بلَّغت ؟ اللهم فاشهد.

عليكَ أن تقرأ الآيات وأن تكون ماثلةً أمام عينيك وأن تحفظها: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ واقرأ مثل هذه الآية في القرآن الكريم، اقرأ ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل كما في البخاري ومسلم: (يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، قلت ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله) بر الوالدين قبل الجهاد يا أمة الجهاد، كلنا يريد أن يجاهد هكذا ندَّعي، أضحى الإسلام بالنسبة لنا جهاداً وقتالاً، ونسينا فرائض هي أهم من الجهاد، ويروي البخاري ومسلم أيضاً أن رجلاً استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل الجهاد مع النبي، وهذا جهاد حق لا شك في ذلك لأنه مع النبي وحاشا أن يكون الجهاد مع النبي أو أن يكون جهاد النبي ينقصه شيء من الحق، على الرغم من ذلك استأذن النبي من الجهاد معه فقال: (أحي والداك ؟ قال: نعم يا رسول الله ؟ قال: ففيهما فجاهد). أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد، أحيٌ والداك قال نعم قال: ففيهما فجاهد إشارة إلى أنه لا يعني بالضرورة إذا أردت أن تبرَّ والديك أو يكون والداك صالحين، عليك ببر والديك حتى ولو كانا مشركين ملحدين، غير صالحين، غير متدينين فلا ترَ لنفسك عليك منهما شيئاً إذا كنت متديناً وغير متدينين، والداكَ والداك مَن كانوا: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي﴾ إني لأرى نقيض هذا الذي قلت، إني لأرى متدينين من أبنائنا ينظرون نظرةً ليس فيها معنى البر، أو ليس فيها معنى الإكبار والإجلال، لماذا ؟ لأن الولد متدين وله شيخ، ويأتي المسجد، أما والده فليس بذاك الذي يلتزم شيخاً أو يرتاد مسجداً أو يقرأ كتاباً أو يتابع برنامجاً دينياً في التلفاز، ولذلك ينظر إلى والده أو إلى أمه نظرةً لا أقول دُونيّة لكن تكاد تقارب من الدونية، وستصل إلى الدونية، لأنها ابتدأت بشيء من التقليل من الاحترام، يا هؤلاء هذا لا يجوز: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ تروي السيدة أسماء كما في البخاري ومسلم قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قدمت عليَّ أمي وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال: (نعم صلي أمك) وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر هذا ثلاث مرات: (صلي أمك، صلي أمك، صلي أمك). حتى ولو لم تكن مسلمة ولو لم تكن متدينة ولو لم تكن على الخط الذي أنتِ عليه أو على الخط الذي أنتَ عليه تجاه والدك وتجاه والدتك، فيا هذا ويا هؤلاء آمل أن نستيقظ.

ثانياً: فلنكن متحرزين من العقوق أو مما يمكن أن يكون من بعيد أو من قريب شبيهاً بالعقوق أو قريباً من العقوق لأن العقوق كبيرة الكبائر، يا أبناء مجتمعنا يا من تُصلون وتصومون ما أظن أن صلاتكم وما أظن أن صيامكم سينفعكم إذا كنتم في عقوقٍ لآبائكم وأمهاتكم لن تنفعكم الصلاة، العقوق كبيرة، سأل رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ والصحابة يقولون بلى فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) أكبر الكبائر وليس من أكبر الكبائر، فهل أنتم لهذا على بينة ؟ وهل أنتم تستحضرون هذا في علاقاتكم مع آبائكم وأمهاتكم ؟ أم أنكم اكتفيتم بظاهر الدين، فالذي له لحية اعتقد أن لحيته هي رمز تدينه، وبالتالي لا عليه إن فعل ما فعل، أوليس قد طبَّق سنة ؟! لا يا هذا لا، الدين في العبودية لله، وفي الإحسان إلى الوالدين، في بر الوالدين، واللادين في الإشراك بالله، وفي العقوق للوالدين، إن كنتَ مؤمناً وعاقاً للوالدين فإيمانك لا أقول لا يعتبر، وإنما منقوص، ويكاد أن يكون مشطوراً، لأن أكبر الكبائر عقوق الوالدين.

ثالثاً: يجب أن تنفق على والديكَ إذا احتاجا وإذا طلبا حتى ولو لم يكونا في حاجة: النفقة عليهما واجبة من حيث إنهما أقرباء، ولكن يمتاز الوالدان عن الأقرباء أنهما يُنفق عليهما إن طلبا ولو لم يكونا في حاجة إلى هذا، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن لي مالاً وولداً وإن والدي يريد أن يجتاح مالي، سماه اجتياحاً، وكأني أقرأ ما بين السطور والده ليس بحاجة فما الجواب يا سيدي، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوه هنيئاً) هكذا روى الإمام أحمد في مسنده.

يا أبناء يا بنات يا مجتمع يا مسؤولون يا أيها المديرون يا أيها الوزراء يا أيها المثقفون: هذه فضيلة اجتماعية وإنسانية وفردية وعلى كل المستويات والصُّعد، ويجب ألا نكون على غفلةٍ منها، القضية قضية مصيرية في الدنيا قبل الآخرة، وإن العاقَّ تُعجل عقوبته قبل الآخرة، وفي الآخرة والعياذ بالله، العقوبة التي تنتظره قاسية وقاسية جداً، وفي الدنيا سيُجَازى بعقوق كما هو قام بهذا العقوق، (إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوه هنيئاً).

رابعاً: عليك أن تبرَّ أهل ودِّ أبيك: انظر من كان والدك يوده فعليك أن توده، انظر من كان والدك يقدِّره فعليك أن تقدره، انظر من كان والدك يوقره فعليك أن توقره، انظر من كان والدك يعطيه فعليكَ أن تعطيه، انظر إلى أهل ود أبيك وعليك أن تقوم بالموادّة معهم كما كان أبوك يقوم بذلك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه) رواه مسلم.

ابحث عن ودّ أبيك سواءٌ أكان أبوك أم أمك على قيد الحياة، أو كان ابوك أم أمك ميتين، ذهبا إلى الرفيق الأعلى ارتحلا عن هذه الدنيا فلا بدَّ من هذا، يقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر يتعلق بهذا كما في الطبراني والبيهقي: (احفظ ودَّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك) إذا قطعته فإن الله سيطفئ نورك، واليوم على الرغم من كثرة الأنوار المصطنعة التي نوقدها هنا وهناك لكن الظلام المعنوي يكاد يخيم على كل الأسر التي نراها وعلى كل البيوت إلا من رحم ربي، فقد خلت البيوت من الآباء والأمهات بناءً على رغبة الزوجات أو على رغبة الأزواج، خلت من الآباء والأمهات لأن الزوجة لم تعد تطيق أن ترى أم زوجها، ولم يعد الزوج يطيق رؤية أم زوجته في بيته، لم يعد يطيق كل واحد منهما الآخر، خلت البيوت، يرحم الله أيام زمان، سقى الله تلك الأيام التي كنت ترى فيها في كل بيت أماً وقد غدت هذه الأم جدة، فهي أم أم أي هي أُمّان أو هي أم أب فهي أيضاً والدان اجتمعا في شخص واحد، واليوم ضاعت هذه الفضائل وضاع هذا النور، وفعلاً لم يعد ذاك النور المعنوي الذي كان يتلألأ في ردهات البيوت السابقة لم يعد هذا النور في بيوتنا اليوم على الرغم من أننا أصبحنا وللأسف نصرف من الكهرباء في يوم ما كان مصروف سنة في السابق، نحن أسرفنا في مادياتنا لكننا في معنوياتنا قنَّنا إن لم أقل منعنا وقترنا وحجبنا ولم نعد نلتفت إلى الأمور المعنوية التي تشكل الحياة الفعلية والحياة التي نبتغيها الحياة الصالحة الرغيدة الهانئة، من منكم يتذكر أباه وأمه ؟ من منكم يقدم أمه على زوجه ؟ من منكم يقدم أباه على صديقه ؟ لقد جاء في حديث يرويه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اتُّخذِ الفيءُ دُولاً، والأمانةُ مغنماً، والزكاة مغرماً، وتُعُلِّم العلمُ لغير الله، وأدَنى صديقَهُ وأقصى أباه، وأطاع الرجل امرأتَه وعقَّ أُمَّه، وظَهرتِ الأصواتُ في المساجد، وسادَ القبيلةَ فاسقُهُم، وكان زعيمُ القوم أرذَلَهم، فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراءَ، وزلزلة، وخسفاً، ومسخاً، وقذفا). يُدني الشاب صديقه ويطيع زوجته ويعلن العقوق مع أمه، وهذا ما رأيناه ونراه، وسلوا دور المسنين والمسنات، نحن نفتخر على الغرب بأننا نتعامل مع الأم، لكن هذا الافتخار لم يعد اليوم إلا أمراً نظرياً نريد من وراءه ان نجني السمعة، لكن السمعة لا تأتي على أساس الادِّعاء، السمعة لا تأتي إلا على أساس العمل والتطبيق والتنفيذ.

خامساً وأخيراً: من مكونات العلاقة مع الوالدين أن تدعوَ لهما سواءٌ أكانا حيين أم ميتين: وأنا أقول لكل واحد منكم: هل تذكر والديك في الدعاء في صلواتك، في النوافل من صلواتك، عقب صلواتك ؟ هل تقول وأنت ذاهبٌ إلى مدرستك أو أنت عائدٌ من مدرستك وجامعتك ورئاستك: ﴿رب اغفر لي ولوالديَّ رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾ هل تدعو بهذا الدعاء أم أنت في غفلة عن هذا، أم أنك تقوم ببعض البر بشكل ظاهري بحت، ثم بعد ذلك تتحدث صباح مساء عن تلك المنة التي قمت بها تجاه والديك فيكون هذا الحديث حديث الأسبوع، بالأمس مررت بوالدي والحمد لله أعطيته، وبالأمس مررت بأمي وأعطيتها، وتبقى أسبوعاً تتحدث، والفعلة التي صدرت منك صدرت من جسمك ولم تصدر من روحك وقلبك وعقلك، تذكر والديك سواءٌ أكانا حيين أم ميتين في كل صلاة وقل: ﴿رب اغفر لي ولوالديَّ رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾، وإلا فأنت ناكث للعهد، وأنت تنكر المعروف، وأنت لا تعرف أن تقابل النعمة بالشكر، ولا تعرف أن تقابل ما يقدَّم إليك من خير بالخير.

آمل أن يكون مثل هذا الكلام ورقة عمل لا أن يكون حديثاً إنشائياً، فقد مللنا الإنشاء في مجتمعاتنا ومللنا الحديث عن التاريخ بتفاصيله التي نقوم بها أحيانا من غير أن تكون لها واقعية عندما جرت.

آمل أن نعيش اليوم ونحن عمليون نترسم الخطى التي يجب أن نترسمها اهتداءً بهدي ربنا عز وجل الذي جاء في القرآن الكريم، وبهدي سيدنا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وسلم عبر الأحاديث الصحيحة التي يجب أن ننقلها عنه، وإلا فنحن في حيز الافتراء دخلنا.

أسأل الله أن يوفقنا لكل هذا، وإلى كل هذا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 14/11/2008

التعليقات

شاركنا بتعليق