آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
ندوة: الإدمان وتأثيره على الفرد والمجتمع/ جمعية معالجة الأمراض النفسية بحلب

ندوة: الإدمان وتأثيره على الفرد والمجتمع/ جمعية معالجة الأمراض النفسية بحلب

تاريخ الإضافة: 2008/12/18 | عدد المشاهدات: 6291

شارك الدكتور الشيخ محمود عكام في الندوة التي أقامتها جمعية معالجة الأمراض النفسية والإدمان الخيرية بحلب بعنوان: (الإدمان وتأثيره على الفرد والمجتمع) في قاعة نقابة المهندسين بحلب يوم الخميس 18/12/2008.

وقد شارك في الندوة إلى جانب الدكتور عكام الدكتور محمد دقاق رئيس رابطة الأطباء النفسيين، والنقيب ياسين محمد من فرع مكافحة المخدرات، وأدارها الدكتور محمد فاروق نحاس.

وقد تحدث الدكتور عكام عن الإدمان وتعريفه، ثم عن ضرره وخطورته، وفيما يلي نص المشاركة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أشكركم أنتم أيها المؤسسون لهذه الجمعية الهادفة إلى فعل الخير في بلدنا الذي يحتاج إلى جمعيات وجمعيات تسعى لنشر الخير وللقضاء على الشر لمحاولةٍ جادةٍ في إيجاد مواطن صالح على كافة الصعد، لذلك أشكركم فعلاً رئيساً وأعضاء مجلس إدارة وأعضاء منتسبين وأشكر كل من يسعى من أجل فلاح هذا المجتمع. أشكر الدكتور محمد فاروق نحاس الذي كان صلة الوصل بيني وبين هذه الجمعية من أجل هذه الأمسية التي نحضرها.

سأتحدث في مداخلتي هذه ضمن وقت ما أظنه طويلاً عن نقطتين:

النقطة الأولى عن الإدمان بحدِّ ذاته، والنقطة الثانية عن المخدرات التي تراد عندما نطلق كلمة الإدمان.

بالنسبة للإدمان سأبدأ معكم بشيءٍ من تحليل اللغة كما يقال.

فعل أدمن أصله الثلاثي "دمن" بحثت في القواميس العربية لحب البحث في القواميس العربية والبحث في أصول الكلمات ودلالاتها، وتعلمون أن مدرسة كبيرة في علم اللغة تقول إن أصل الكلمة يتكون من حرفين وليس من ثلاثة، ومدرسة أخرى تقول بأن أصل الكلمة يتكون من ثلاثة أحرف، فالحرفان اللذان نتكلم عنهما في هذا اللقاء هما الدال والميم، ما تعنيه كلمة "دمن" هو نفسه ما تعنيه كلمة "دمج" هو نفسه ما تعنيه كلمة "دمق" هو ما تعنيه كلمة "دمك" وهكذا...

المعنى من كل هذه الكلمات ذات الأصول الدال والميم هو: الخضوع، الوضع، الذل. أقول دممتُ الأرض أي: جعلتها وضيعة، كانت ذات ربوة فجعلت الربوة مع مستوى الأرض، دممت الأرض دمكت الأرض نفس المعنى مع اختلاف بسيط في الدلالات كما يقول علماء اللغة.

دمن يعني: ذلل، الذل الوضاعة التسوية الخضوع الاستكانة الضغط حتى مستوى لا يتجاوز مستوى الأرض، يعني الضغط على الشيء حتى يكون تابعاً له قيَّده، أسره، لم يترك له صفة بروز أو ظهور، هذا معنى دمن.

لذلك لما أقول: أدمنت أو دمنت وبالفعل يستعمل بصيغة المتعدي واللازم.

هذا ما قلته أريد أن أصل إلى شيء، أنت حينما تتبع الدمن أو الإدمان، لازم ومتعدي مثل ثرى وأثرى بمعنى واحد، معنى دمن الخضوع والاستكانة.

عقلك وإنسانيتك تريدك غير دامن، تريدك غير مسوَّى، غير مضغوط عليكَ، تريد لكَ بروزاً، هذا البروز الذي تريده لك إنسانيتك وعقلك هو البروز الذي تتميز به على سائر المخلوقات، البروز الإيجابي، البروز المسخر له: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) أنت بارز بإبراز الله لك، الله أراد لك التميز بهذا العقل بهذه الإنسانية فلماذا تريد أن تجعل نفسك مُسوَّى بمستوى مع الأرض مع المخلوقات الأخرى من غير مزية بروزية أو ظهورية تليق بك ؟

الإدمان: هو المثابرة على نفسي من أجل أن أجعلها مستوية مضغوطة. وكأن الإدمان على الشيء هو المثابرة على نفسي من أجل ألا تكون ذات بروز إيجابي.

الإدمان يقلل من الحرية، يتعادى مع الحرية. أنت تدمن أنت تضغط على نفسك، أنت تأسر نفسك أنت تجعل نفسك غير ذات بروز وهذا يتجافى مع الحرية المنشودة.

الإدمان حتى على أمرٍ مباح يتعارض مع الحرية.

التعريف الاصطلاحي للإدمان: هو الاعتياد الذي يأسر النفس أسراً سلبياً ويجعلها غير ذات بروز. وكأن الإنسان يتصرف بشكل تلقائي لا بشكل مفكر فيه، آلي. ليس بدافع من نداء العقل.

الله لا يريدك أن تتصرف بشكل تلقائي واعتيادي وإنما يريد منك أن تتصرف في كل تصرف حتى في التصرف الذي تسميه عادة لأن العادة مرفوضة من قبل الإنسان، يريدك أن تتصرف بشكل مفكر فيه. تناول الطعام مثلاً عادة لكن الله يريدك أن تتناول الطعام اليوم أفضل مما كنت تتناوله بالأمس حتى هذا الأمر الاعتيادي.

 الاعتياد الذي يأسر النفس أسراً سلبياً يطلب منك أن تبتعد عنه لأنه يتنافى والحرية، هذا إذا كان الاعتياد على أمر مباح طبيعي: "من استوى يوماه فهو مغبون" حتى ولو كان اليوم جيداً والأمس جيداً وكان هذا اليوم كالأمس جيد فهذا غير مقبول يجب أن يكون اليوم أفضل من الأمس ويجب أن يكون الغد أفضل من اليوم وهكذا.

الإدمان الاعتياد على أمرٍ ما بدافع تلقائي لا مفكر فيه أمر مرفوض ديناً وعقلاً وشرعاً وإنسانية ومضموناً.

الإدمان بحد ذاته والقيام بنفس الصورة التي قمت بها بالأمس مرفوض لأنه يخفف من فاعلية العقل والتفكير، وبالتالي الله عز وجل يريدنا أن نفكر والتفكير يؤدي بنا إلى أن نتصرف اليوم بالتصرف الذي تصرفنا منه بالأمس على شكل أفضل مما كان عليه بالأمس: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار).

الإدمان اعتياد تلقائي على أسر النفس على أمرٍ من أجل أن تكون غير ذات بروز إيجابي، والإدمان بحد ذاته مرفوض إذا كان بمعنى الاعتياد ولو على مباح.

الإدمان حتى على العبادة إذا كان بهذا المعنى مرفوض، أي الاعتياد على أن أقوم بالعبادة بدافع آلي تلقائي بدون أفكر بهذا الذي أقوم به، أصلي الظهر يجب ألا أصلي على الصيغة التي صليتها يوم أمس حتى ولو كانت صلاة أمس رائعة يجب أن يزيد أدائي لصلاة هذا اليوم على أدائي لصلاة يوم أمس ولو درجة بسيطة، المهم أن أفكر في هذا الذي أقوم به حتى لا يكون عملي اعتيادي. الإدمان على العبادة مرفوض. لما جاء رجال إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسألوا عن عبادته وكأنهم تقالّوها لكنهم قالوا: الرسول غُفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما أحدهم فقال: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وأما الثاني فقال: أصلي ولا أرقد، وأما الثالث فقال: لا أتزوج النساء. النبي صلى الله عليه وسلم جاء وسمع ما قالوه فقال مستنكراً: "أما والله إني لأتقاكم لله وأشدكم له خشية، ولكنني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء" أنا لست مدمن طاعة، أنا رجل أفعل الطاعة عن تفكير.

إذا كان الإدمان مرفوضاً حتى ولو كان على أمر مباح فما بالكم إذا كان الإدمان على أمر ضار ؟ عند ذلك يكون للإدمان تأثيران سلبيان: تأثير سلبي ينبع من الإدمان بحد ذاته، وتأثير سلبي ينبع من هذا الذي أدمنت عليه وهو الشيء الضار.

نحن لا نريد مدمنين على الأشياء المباحة، ولكن نريد لهم أن يفعلوا هذا المباح بدافع تفكيري، بوعي، لذلك ربي عز وجل قال عن هؤلاء الذين يتلقون الكلام قال: (وتعيها أذن واعية) ولطالما سألت نفسي لماذا قال الله عز وجل وكرر نفس الحروف في الفعل والصفة تعيها واعية ؟ وهذا معيب في أصل اللغة كما يقال، لكن هنا الله عز وجل له مراد (وتعيها أذن واعية) أي هذه الأذن ينبغي أن تكون متدربة على الوعي لأن اسم الفاعل يفيد الثبات في الصفة، هذه الأذن الواعية لا يكفي أن تكون واعية، لكن لا بد في كل مرة تسمع أن تعي، ينبغي أن تكون متدربة على الوعي حتى غدت تسمى بالواعية وفي كل مرة تسمع ينبغي أن تسمع بوعي ولذلك الإدمان مرفوض جملة وتفصيلاً لأنه يقيد العقل:

عدت لأهوائك عبداً      وكم تستعبد الأهواء أربابها

  نحن لا نريد إنساناً أسيراً، ولا نريد إنساناً مقيداً نفسه، نريد إنساناً حراً هكذا يقال، الإدمان يتنافى والحرية المنشودة، الإدمان يتنافى والعزة المنشودة، الإدمان يتنافى والتلقائية التي نريدها، الإدمان يتنافى والأريحية، ولئن سألتني عن الفرق بين الحرية والأريحية أقول لك: الحرية نظرية، والأريحية تطبيق الحرية، نحن أحرار عندما نشعر بأننا نتلقى عن ضميرنا، والضمير هو صوت الله في الإنسان، الإنسان الذي يتلقى من الخارج لا يتلقى من ضميره لا يمكن أن يكون إنساناً صالحاً. والمدمن لا يتلقى عن ضميره إنما يتلقى عن ضغط نفسي في داخله عن النفس الأمارة بالسوء حينما تقول له: اتبع هذا الأمر لأن هذا الأمر يجعلك في قالب ولا تحتاج إلى تعب، الإدمان حتى على الشيء المباح مرفوض هكذا تسول النفس للإنسان المدمن تقول له أدمن لأن الإدمان يريحك ولا تتعب نفسك وما علم الإنسان الذي يستجيب لهذه النفس الأمارة أن راحته إنما تكون في تعبه، وأن راحته إنما تكون في سعيه وحريته تكون في جهاده (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

الإدمان مرفوض فما بالك إذا كان الإدمان على أمر ضار بحد ذاته، والأمر الضار الذي نتحدث عنه المخدرات وما شابهها لا يمكن أن نعتبره لا بصيغة ولا بأخرى أمراً مقبولاً إنسانياً لأن العقل يرفض المخدر ولأن المجتمع يرفض المخدر ولأن كل إنسان منا يرفض المخدر وباختصار ضرر المخدرات.

الله عز وجل جعل منك كينونة مقدسة، ومفرداتها حسب الاصطلاح الإسلامي تتألف من خمسة أمور: الدين والعقل والنفس والعرض والمال. هذا الذي تتناوله وتدمن عليه من مخدر ومفتر يضر بهذه الكينونة. وأنا لا أتحدث عن الضرر الذي يمكن أن يحصل نتيجة تعاطي المخدر لأن الباحثين والدكاترة سيتحدثون عن ذلك. المخدر يضر النفس والدين، الدين أخلاق، الدين حرية، الدين عطاء، الدين نفع... يضر بالعرض والعرض هو الذرية، هو النسل، وكلنا يعلم أن هذا الأمر يضر نسل الإنسان، يضر بالمال، وهذا أمر لا شك فيه، يضر النفسَ والعقل من باب أولى، وأنا كتبت محاضرة عن الإسلام والمخدرات، وسأترك نسخة منها في الجمعية من أجل أن تنشرها وتكون عندها ورقة، ولا أحب أن أقرأها الآنَ أمامكم، وما قلته هو ما اختصرته أمامكم.

إذا كان المخدر يضر بنفسك وبنسلك وبعقلك وبدينك وبمالك بعد ذلك لا حاجة أن نتحدث عن الحكم بشكل صريح، لأن الحكم أن المخدر مرفوض ومبتوت فيه ومقطوع فيه لا مجال للحديث عن إشكالية في الحكم الشرعي لأن الدين في النهاية ليس أمراً منفرداً عنا لأن الدين هو نحن عندما نعيش بشكل صحيح. لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له النبي: "أتسألني أم أخبرك؟ فقال: لا بل تخبرني، فقال: جئت تسأل عن البر والإثم. قال: نعم، فجمع أنامله فجعل ينكث بهن صدره وقال: البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك". الدين أنت عندما تفكر بشكل صحيح، المتمكن يستطيع أن يخدع الآخرين لكنه أبداً لا يستطيع أن يخدع نفسه.

أختم مقالتي بقصة طالما ردّدتها، وهي أن عمرو بن العاص دخل على مسيلمة الكذاب، فقال مسيلمة يا عمرو اسمع مني، نزل علي اليوم آية كما نزل على محمد، وقال: يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين، لا زاداً تنقرين، ولا ماء تكدرين، ثم قال: يا وبر يا وبر، إن أنت إلا يدان وصدر، وبيان خلقه حفر. فما رأيك يا عمرو ؟

قال عمرو: أما والله إنك كاذب، وإنك لتعلم إنك لمن الكاذبين.

للإدمان تأثيران سلبيان: تأثير سلبي ينبع من الإدمان بحد ذاته، وتأثير سلبي ينبع من هذا الذي أدمنت عليه وهو الشيء الضار.

وأسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نبتعد عما يضرنا في وجودنا في كينونتنا في وطننا في اجتماعاتنا في لقاءاتنا وشكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق