آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سمات علاقة الإنسان بجاره

سمات علاقة الإنسان بجاره

تاريخ الإضافة: 2008/12/19 | عدد المشاهدات: 2669

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

ها نحن نتابع سلسلة بدأناها قبل العيد أو منذ فترة غير وجيزة، هذه السلسلة هي سلسلة العلاقات أو علاقة المسلم مع سواه، تحدثنا عن علاقة المسلم مع ربه ومكوناتها وعن علاقته مع ذاته جسماً وعقلاً وروحاً ونفساً ومكوناتها، وتحدثنا عن علاقة الإنسان مع والديه ومكوناتها، وعن علاقة الإنسان مع أولاده ومكوناتها، وعن علاقة الإنسان مع أرحامه ومكونات هذه العلاقة، واليوم لنا حديث عن علاقة المسلم بشخصٍ أو بجهة من المهم جداً أن نتحدث عنها، لأنها أساس تكوين المجتمع فإن حسنت هذه العلاقة مع هذه الجهة التي سنتحدث عنها حسن المجتمع بأسره، وإن ساءت هذه العلاقة ساء المجتمع بأسره، وأعتقد أنه وللأسف الشديد أن علاقتنا مع هذه الجهة التي سنتحدث عنها على المستوى العام وبالمجمل غير جيدة، وأعتقد أنكم ستوافقونني عندما أفصح عن الجهة التي سنتحدث عن مكونات العلاقة معها. هذه الجهة هي الجار أو الجيران، فما مكونات علاقتك بالجار أنت أيها المسلم ؟

اسمع مني أعرض عليك:

الأمر الأول: عليك أن تَعِي هدي الإسلام وأحكامه فيما يتعلق بالجار من آياتٍ قرآنية، من أحاديث شريفة، من أحكام فقهية، عليك أن تعي هذا، وطلب العلم الذي يعرفك والذي يهديكَ والذي يعلمك والذي يوضح لك ما يجب أن تكون عليه في علاقتك مع جارك هذا العلم المتعلق بهذه النقطة فرض عينٍ عليك على كل واحدٍ منا على اعتبار كل واحد منا له جار شئنا أم أبينا.

والجار هو: من جاوَرك في السَّكن أو في العمل أو في السفر أو في الدراسة أو في المسجد أو في كل مكان تقيم فيه سواءً أكانت هذه الإقامة طويلة أم قصيرة، من جاورك فهو الجار، والجار جارٌ بغض النظر عن كون هذا الجار قريباً نسبياً أو غير قريب، وبغضِّ النظر عن كون هذا الجار مسلماً أو غير مسلم، فالجوار له حرمته بغضِّ النظر عن دين الجار وبغض النظر عن عرق الجار وبغض النظر عن قرابة الجار وبغض النظر عن أي أمرٍ آخر سوى الجوار.

هذا أمر أول ينبغي أن يسكن أذهاننا وأن يكون مستقراً في خلدنا وقلبنا وتفكيرنا وفي عمق شعورنا ولا شعورنا أيضاً.

الأمر الثاني: المسلم يحبُّ لنفسه ما يحب لجاره ويحب لجاره ما يحب لنفسه، عليك أن تشعر هذا الشعور أن تحب لجارك ما تحبه لنفسك، أن تفرح لفرحه وأن تحزن لحزنه وأن ترجو له كل الذي ترجوه لنفسك وإلا فلست على مستوى دينك، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه) وفي رواية: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فتعهد جارك وابحث عما يحتاج إليه جارك، وكن يقظاً لحاجيات جارك، إن مرِضَ جارك فعده، إن جاع جارك فأعطه حتى يشبع وقدم له المعونة، وإن وإن... إلى آخر ما يمكن أن نعدد من حاجيات وضرورات، إلى ما سوى ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الطبراني بسند حسن: (والله ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم).

الأمر الثالث: أن تكون مع جارك سمحاً تتعاطى معه بتعاون، قد يحتاج إلى شيء من بيتك فأعطه، قد يحتاج إلى سطحك فأعطه، قد يحتاج كما ورد في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم قد يحتاج إلى جدارك من أجل أن يسند عليه حاجياته، قد يحتاج إلى كفالتك، قد يحتاج إلى ما يحتاج فهُبّ، وهيا من أجل أن تساعده وتتعاطى معه بأريحية: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرس خشبه في جداره) كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. احتاج جارك إلى أن يستعين بجدارك فدع له هذا الأمر وليستعن بجدارك، إن احتاج جارك إلى ولدك من أجل أن يستعين به لقضاء حاجه فأعنه وقدم له هذا الذي يريد أن يستعين به، إن احتاج جارك إلى أمرٍ ما يتعلق بسكناك فأعنه وقدم له وبكل أريحية. أرأيتَ لو أن ولدك العاق احتاج إلى هذا الذي احتاج إليه جارك أكنت تمنع عن ولدك ما يحتاج ؟ ما أظن هذا، فلماذا تمنع عن جارك هذا الذي احتاج ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام والقرآن دعوك إلى أن تكون مع الجار حسن الجوار، أن تكون مع الجار متعاوناً، أن تكون مع الجار كما تحب لنفسك: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه).

الأمر الرابع: الإحسان إلى الجار يشمل المسلم وغير المسلم، إن كان جارك غير مسلم فعليك أن تحسن إليه، وإن كان مسلماً فعليك أن تحسن إليه من باب أولى، لا نفرق بالإحسان إلى الجار بين مسلمٍ وغير مسلم، روى البخاري ومسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ذُبحت له شاة فقال لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي ؟ كررها ثلاث مرات، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ولا فرق بين جارٍ إن من حيث الدين أو من حيث القرابة أو من حيث اللون أو من حيث العرق أو من حيث القومية أو من حيث أي شيء آخر لا فرق بين جار وجار في الإحسان إلى الجار.

الأمر الخامس: الإساءة إلى الجار تنفي الإيمان عنك وتُحبط عملك، ضع هذا على أنه قاعدة وأمرٌ شرعيٌ إسلامي أتى به الإسلام، الإساءة إلى الجار تنفي الإيمان عنك وتُحبط عملك الصالح، فكم من مُصلٍّ وكم من صائم يؤذي جيرانه ؟ أقول لهذا الصائم ولهذا المصلي الذي يؤذي جيرانه: لقد حبط عملك ولا أثر إيجابي لصلاتك ولا لصيامك وهذا ليس من عندي وإنما هذا هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري في الأدب المفرد عندما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا خير فيها، هي في النار).

أيها المؤذون جيرانهم برفع صوتٍ يؤذي مريضهم، بضجيجٍ يتعب أولادهم، بصخبٍ يؤذي أسماعهم، بمناظر تؤذي عيونهم، يا من لا ترعون إلاًّ ولا ذمة في جيرانكم: اللهَ اللهَ، فإن الإيمان منفي وإن العمل مُحبَط، لا قيمة لصلاتك ولا قيمة لإتيانك المسجد ولا قيمة لكل ذكرك إذا كنت تؤذي جيرانك بلسانك فما بالك تؤذي جيرانك بلسانك ويدك وأعضائك وأنظارك وعينك وتوجهاتك وسيارتك وماءك الذي تغسل به بيتك ولا تنتبه به إلى جيرانك وبأولادك وبلعِب أولادك وبصخب أولادك فإنه لا خير فيك شئت أم أبيت، وهذه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم وهل هنالك شهادة بالنسبة لديننا أقوى من شهادة من بلغنا هذا الدين صلى الله عليه وآله وسلم ؟ يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري ومسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) أي الذي لا يأمن جاره شروره وآثامه وإيذاءه وتطلعه إليه المؤذي، انتبهوا يا أمة الإسلام فإننا بحاجة إلى أن نبحث وأن نمحّص إيماننا هذا الذي في داخلنا فهل إيماننا كما هو مقبول عند الله أم أننا نحذف منه ما نحذف بتصرفات لا نعطيها الأهمية التي يجب أن تُعطى لها، ولهذا يمكن أن نقول لأولئك الذين يقولون نحن نؤمن ونصلي ونصوم فلماذا لا نحصد نتائج كتلك التي حصدها أولئك المؤمنون الأوائل ؟ أقول بكل بساطة لأن أولئك حصَّنوا إيمانهم بهذا الذي يدعّم الإيمان ويقوي الإيمان أما نحن فقد آمنا تقليداً ثم لم ننتبه إلى الأمور التي تأكل من إيماننا، فإذا كنت مؤمناً كما تقول فليس الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن تصلي وتصوم فحسب. ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الجار ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الوطن، ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الأقرباء إلى الأرحام، ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الوالدين، ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الأولاد، ولكن الإيمان إحسانٌ إلى الكبير، ولكن الإيمان عطفٌ على الصغير، ولكن الإيمان دراسة، ولكن الإيمان عمل، ولكن الإيمان جِد، ولذلك إيماننا يتآكل بشعورٍ أو لا شعور منا، امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا خير فيها هي في النار)، كم نعاني وكم يعاني أفراد المجتمع من الجيران ؟ من الكلام النابي الذي يصدر من أولاد الجيران، من الكلام الذي لا يمتُّ إلى الأخلاق الإنسانية فضلاً عن الإسلامية بصلة ؟ كم نعاني من صخب ؟ كم نعاني من إيذاء ؟ كم يعاني بعضنا من بعضٍ على مستوى الجار وعلى مستوى الأقرباء وعلى مستوى الوالدين وعلى مستوى الأولاد وعلى مستوى العلاقة بين الموظف الصغير والموظف الكبير، أنت أيها الموظف الكبير، أنت أيها الضابط، هذا الجندي جارك أحسن إليه كن لطيفاً معه كن مؤنساً له كن رحيماً به أنت أيها المدير أيها الوزير أيها الرئيس أيها الضابط هؤلاء الذين يعملون معك جيرانك تكلم معهم بلطف، الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن أولئك الين كانوا يسمون أرقاء: (إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم) فما بالكم ونحن نتحدث مراراً وتكراراً عن أحرار يعيشون مع أحرار هذا العامل الذي يشتغل عندك أيها المدير أيها المسؤول حر وربما فاقت حريته حريتك فلماذا لا تتعامل معه بإحسان ؟ لماذا تعتبر نفسك أن التعامل مع هؤلاء يجب أن يكون من وراء البال كما يقال أو من وراء القلب ومن وراء العقل لماذا ؟ هل هذا من الإحسان إلى الجار وهذا جارك قبل أن يكون أخاك قبل أن يكوزن صاحبك قبل أن يكون قريبك قبل أن يكون ما يكون، هنالك أكثر من عشرة صفات يمكن أن تجتمع في هذا الذي عندك لكنك لا تعامله بما يجب أن تعامله به بواحدة من هذه الصفات، أفيجوز هذا ؟

أخيراً الأمر السادس: لعل أحدنا قد ابتلي بجارٍ غير صالح، من مكونات العلاقة مع الجار الصبر على أذى الجار، لعل أحدنا قد ابتلي، نحن خاطبنا الجميع من أجل أن يُصلِح كل واحد منا نفسه لكن سبحان الله لم يكن هذا على مستوى قبول النصيحة ابتلي أحدنا بجار سوء بجارٍ يؤذيه فما العمل ؟ العمل هو أن تصبر لا أن تقاوم، أن تصبر على أذاه حتى يكفيك الله إياه بحياةٍ أو موت، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده: (ثلاثة يحبهم الله) من هؤلاء الثلاثة: (رجلٌ كان له جار سوء يؤذيه فصبر على أذاه حتى يكفيه الله بحياة أو موت). اصبر ولذلك اسمحوا لي أن أقول لكم: إن حق الجار على الجار يبتدئ من النقطة الأخيرة التي انتهينا إليها أن تصبر على أذاه، ثم بعد ذلك عليك أن تنظر نفسك لترى ما الذي يجب أن تفعله بعد الصبر على أذاه، أن تصبر على أذاه من باب أولى، ألا تؤذيه، أن تحسن إليه سواء أكان مسلماً أو غير مسلم، أن تكون سمحاً معه تتعاطى معه بتعاون، أن تطّلع على الهدي الإسلامي الذي جاء، أن تحب له ما تحب لنفسك. هذه الأمور أرجو كما قلت لكم أرجو أن تكون خطبة الجمعة ورقة عمل نخرج من هذا المسجد أو من أي مسجد آخر وفي ذهننا لوحة الخطبة من أجل أن نجعل منها برنامجاً لسلوكنا وعملنا في علاقاتنا مع ربنا مع أنفسنا مع أرحامنا مع والدينا مع أولادنا مع أقربائنا مع جيراننا وسنتابع الحديث في أيامٍ قادمة إن شاء الله لنتحدث عن علاقة المسلم مع مجتمعه بشكل عام.

أسأل الله أن يوفقنا لكل خير وأن يعصمنا من كل شر، تذكروا يا إخوتي أن أذى الجار ينفي الإيمان ويحبط العمل، فاللهم اجعلنا مؤمنين حقاً وعاملين عملاً صالحاً ترضاه يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 19/12/2008

التعليقات

أحمد فتال

تاريخ :2009/01/13

والله إن هذه البنود الرائعة. يجب أن تدون في نظام الإدارة المحلية أو في دستور البلد تحت عنوان المعاملات الإنسانية أو العلاقات الاجتماعية. أرجو أن تُدرس في المدارس في مادة كانت قديماً معروفة باسم الأخلاق. ولكن آآآآآه من أزمة الأخلاق التي نعاني منها اليوم. جزى الله عنا شيخنا الفاضل الأخ الأكبر الحبيب الدكتور محمود عكام كل خير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شاركنا بتعليق