آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
نفثات وزفرات من وحي غزة

نفثات وزفرات من وحي غزة

تاريخ الإضافة: 2009/01/09 | عدد المشاهدات: 2637

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

ترددتُ فيما ينبغي أن أكلمكم به، وقلت في نفسي لو أن لي وقتاً يتسع من أجل أسأل كل واحد منكم أنتم هنا عن كلامٍ أتكلمه في هذه الخطبة حتى لا تُفاجؤوا ولا أفاجأ، لكنني على شبه علم أنكم أنتم كما أنا مترددون، كيف تتكلمون، وما الذي تتكلمون، ومن الذي تخاطِبون، وما الذي يجب أن تَسمَعوا، وما الذي يجب أن تُسمِعوا ؟ أعتقد أن جميعكم أو أن أغلبكم يعيش حالتي التي أعيش، فلقد سئمنا الكلام وأكثرنا منه بحيث أضحى لا نصيب له من القبول في قلوبنا. هل تعتقدون أن أمة اليوم تتكلم أكثر من أمة العرب والإسلام ؟ قلت لكم منذ أكثر من ثلاث سنوات؛ كنت في زيارة إلى سويسرا وحدثني أحد الإخوة المؤمنين من أصل سويسري قال لي: إن ما تتكلم به مدينة حلب فقط عبر جوامعها يوم الجمعة يكفي لكل سويسرا كلاماً إلى مئة عام أو مئتي عام للسويسريين، قال لي في كل أسبوع يوجد في مدينة حلب، كما أخبرته أنا، أكثر من ألف مسجد تُقام فيها خطبة الجمعة، كل مسجد يتكلم خطيبه نصف ساعة حسب الوسط الحسابي، فإذا كان كل خطيب يتكلم نصف ساعة، في كل أسبوع نُمطر نحن الخطباء الناس بخمسمئة ساعة كلام، والناس يخرجون كما دخلوا؛ وفي أحسن أحوالهم يقول قائلهم: فلان تكلم وأجاد، ويكتفي الخطيب بما قدّم من خطبته بهذا المدح المنقوص من هذا الشخص، ويذهب الخطيب والمستمع كلٌ إلى بيته وكان شيئاً لم يكن.

أنا لا أريد أن يكون كلامي هذا نوعاً من اليأس أو التيئيس، لكن لو أن كل واحداً منا أخذ ورقة وقلماً وتذكر كم مرة سمع من خطيب في مسجد أو من مدرس في قناة فضائية أو من مدرس في مسجد من المساجد أو من شيخ في أحد المساجد التي زارها كم سمع من هؤلاء على سبيل المثال كلاماً عن النظافة ؟ وعليه أن يسجّل كم مرة سمع عن النظافة وعن ضرورة النظافة وأن النظافة أساس في ديننا، وأن وأننا الأمة الأنظف والأمة التي تملك ثروة هائلة من النظريات والكلام والأقوال... وأريد من هذا الشخص نفسه الذي سجّل كم سمع عن النظافة من الجهة الدينية وأيضاً من الجهة الأخرى السياسية والعلمية والإعلامية والإعلانية، كم مرة سمع أحاديث عن النظافة من خلال الحاكم ومن خلال الوزراء ومن خلال وزارة الصحة، ثم بعد ذلك أريده أن يسأل نفسه بنفسه كم حقق على الصعيد العملي والواقع الفعلي، كم حقق من تقدم في هذا الميدان على الصعيد العملي كم حقق هو، وكم تحقق من قِبل غيره من أمثاله إن على مستوى الشعب أو على مستوى الحكومة.

أخذت مثالاً عن النظافة حتى لا أقترب من الساحة السياسية ولا من الساحة الدينية وحتى آتي بالمثال المتفق عليه من قبل الساحات كلها، انظروا ما تحقق مثلاً فيما يخص النظافة في بيوتاتنا في شوارعنا في مساجدنا في أمكنتنا العامة في مدارسنا في جامعاتنا، هل الأمر فيما يخص النظافة عملياً في تحسّن أم في تردٍّ، يؤلمني وأنا لا أُسر حينما أتحدث عن بلدي وقد اتصف هذا البلد الحبيب الغالي بأمرٍ سلبي، لكن من لم يُشخص الداء للطبيب تشخيصاً دقيقاً فلن يُقدّم له الدواء النافع، بلدي حبيبٌ علي وعزيزٌ علي وغالٍ علي ولكن فيما يتعلق بالنظافة البلد في تقهقر وليس في تقدّم، وانظروا الأمكنة التي نرتادها، انظروا شوارعنا انظروا مدارسنا انظروا بيوتاتنا من الخارج انظروا مداخل البنايات كما يُقال انظروا سياراتنا انظروا السيارات الكبيرة سيارات النقل انظروا الكراجات انظروا كل مكان، هذا الذي قلت ألا يستدعي منا كما يقال أن يضربنا الجدار ؟ أن ينطحنا الجدار وأن ننطح الجدار ؟

تكلمنا وولدنا وسمعنا ممن كان يُعلمنا الحديث عن فلسطين، سنحرر فلسطين، ما السبيل إلى تحرير فلسطين ؟ كَتب الكُتّاب، وخَطَب الخطباء وتحدث المتحدثون وفاضت الصحافة وكلنا يتكلم وفق ما يملي عليه فكره، هكذا يقول، اليسار يتكلم واليمين يتكلم والوسط يتكلم والمتشدد يتكلم والمعتدل يتكلم، وقضية فلسطين قضية جامعة مركزية بالنسبة للجميع هي الموضوع الأهم في حملات الترشيح من أجل رئاسة الجمهوريات ومن أجل التنصيب على بلديات، لكننا اليوم عندما اُمتحّنا في هذه القضية بالله عليكم وأنا أتكلم عنا بالله عليكم ما الذي حققناه الآن لفلسطين وهل تريدون ألماً يلمّ فلسطين أقسى مما بها الآن ؟ وعلى الرغم من كل هذا فنحن حيال هذه القضية في حالة لا أستطيع تفسيرها، وليس ثمة من تفسير إلا تفسيراً واحداً لكنني لا أستطيع أن أبوح به.

قضية فلسطين، وكم تحدثنا يا أحبابنا عن الحب أوما سمعتم من شيوخ كثيرين كلاماً عن الحب يقولون الحب ويخاطبون بعضهم بالأحباب هل عرفتم معنى الحب ؟ هل عرفتم ماذا يجب أن تفرز كلمة الحب ؟ حدثوني بربكم كم تحدثنا عن الأخوة ؟ وقد انتهينا منذ أيام عن العلاقات في المجتمع وعن علاقات بالأخوة بشكل عام وقلنا: إن الأخوة تقتضي منا أن يكون الإنسان مع أخيه أن يحميه ويرعاه، وإذا ما سألتك أنت عن السوري الذي يقطن بجانبك قلت عنه إنه أخي وإذا ما سألتك عن المصري قلت بأنه أخوك وإذا ما سألتك عن الفلسطيني قلت بأنه أخوك الأعز لأنه مُحتل. أهكذا يفعل الأخ بأخيه ؟ قولوا لي بربكم أنا لا أريد أن أتحدث عن علاقة سيئة قام بها أو نفذها أو حققها المسلمون فيما بينهم في العراق أو في السودان في مكان آخر، لكن الآن أريد أن أتحدث عن علاقة أنتم آمنتم بها وتحدثتم عنها وقلتم بأنها العلاقة التي يجب أن تحكمني مع أخي، فأين هذه العلاقة القائمة على الحماية والرعاية ؟ على الحماية من كل مكروه وعلى الرعاية، أنت لا تسأل عن جارك الذي يسكن معك في بنايتك فكيف تسأل عن أهل غزة ؟ وهل تعتقد أن أهل غزة يطلبون منكَ دموعاً فحسب ؟ واسمع مني لأنه في الأسبوع الماضي قال لي أحد الأخوة أنت قلت بأن المظاهرات ليست بجيدة. قلت له: يا أخي قلت بأن المظاهرات لا تكفي وشتان بين أن المظاهرات لا تكفي وبين أن المسيرات ليست بنافعة، لا تكفي فعلاً وماذا سيستفيد منها أهل فلسطين إن كان فيها التعبير الوحيد عن تضامننا مع أهل غزة مع أطفال غزة مع الشهداء من الأطفال، جميعكم رأى ما يحدث لإخواننا لأطفالنا في غزة تحوّل كثير منهم إلى أشلاء تفحمت أجسادهم وصاروا كقطع من الفحم المتناثرة حتى إنك لم تعد تستطيع النظر إليهم، ويمكن أن تمنع ولدك من أن ينظر إليهم تخاف على ولدك من أن تتغير نفسيته، وهذا حق لك وهذا أمر طبيعي.

كم ذكرنا قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا﴾ وكم أصبنا أقواماً بجهالة ؟ أقواماً بريئين بمجرد أن سمعنا عنهم نبأ سيئاً من كافر وليس من فاسق وصدقنا مقولته والمتكلَم عنه إنسانٌ عظيم نعرفه لكننا أصبحنا ممن قيل عنهم في تراثنا وعبر حديث نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي نستحي اليوم أن ننتسب إليه: (اللهم إني أعوذ بك من جارِ سوء، إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة نشرها) افحصوا أحوالكم فسترون أن أغلبنا ينتسبون إلى جيران السوء، نحن نكتم الحسنة وننشر السيئة عن بعضنا عن إخواننا عمن يعيشون معنا، أتريدون بعد كل هذا أن نصدقكم الآن بأنكم متضامنون مع أهل غزة وبأنكم تريدون لهؤلاء الخير فماذا قدمتم ؟ رأينا أفعالكم وعلائقكم مع إخوانكم هنا في بلدكم، فكيف يمكن أن تبرهنوا على صدقكم في ادعائكم هذا بأنكم مع أهل غزة ؟ كنا صغاراً فحفظنا أبياتاً مروية عن الإمام علي كرم الله وجهه كما يروي صاحب إحياء علوم الدين يقول الإمام علي عن الأخ يصفه:

إن أخاك الحق من كان معك         ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك        شتت فيه شمله ليجمعك

إذا سألتك اليوم عن جارك ولا سيما إذا كان السائل أجنبياً إذا سألك عن جارك من هذا بالنسبة لك ؟ ستقول له بالفم الملآن: أخي، والأخوة عندنا كذا وكذا والأخوة في الإسلام تعني: (من نفَّث عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفث الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وصديقك يقع في أقسى الكرب هذا الذي بجانبك وهذا الذي تتباهى بإتيان الأحاديث التي قالها رسول الله وأنتَ تنتسب لرسول الله ادّعاءً وليس حقيقة تقول هكذا عندنا الأخوة في الإسلام، ولكن في الواقع هذا الذي بجانبك إن أمن شرَّك فهو في مفازة، إن أمن لسانك فهو في مفازة، إن أمن من أن يلوك لسانك عرضه أو دينه فأنت في مفازة، نحن لا نطلب أن يضر نفسه لينفعنا لا يا إخوتي نحن نطلب منه أقل القليل، (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) نريد أن نأمن لسانه من أن يؤذينا لا أن نأمن لسانه من أجل أن يمدحنا أو أن يقول فينا كلمة طيبة، (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) نريد أن يسلم كلنا من كلنا لا أن يسلم من ألسنتنا من أجل أن نكون له مادحاً لا ولكن أن يسلم من ألسنة سبابة شتامة لذاعة همازة لمامة معتدية أثيمة.

القضية كبيرة، كل هذا الكلام أوجهه إلينا إلى الشعوب وإلى الحكام بشكل أقوى لأن الحكام أخذوا المغانم ولم يقدموا المغارم المساوية بل الأقل من المغانم، ونحن أيضاً دخلنا هذه اللعبة على مستوى الشعوب فأخذنا المغانم ولم نقدم المغارم، لكن الحكام مسؤوليتهم مضاعفة، أخذوا المغانم، لا يعرفون طعم الفقر فهم في عيش رغيد، لا يعرفون معنى البرد فهم في مأوى لا يمكن أن يصل إليه أدنى أدنى أدنى ما يُسمَّى برداً، لا يعرفون معنى التشرد لأنهم في بيوتٍ أقل ما يُقال فيها أنها قصر وقد سموا بيوتاتهم قصوراً، فالرئيس لا يسكن إلا في قصر، والرئيس لا ينام إلا على وثير، والحاكم العربي لا يأكل إلا اللذيذ، طبيبه الخاص، سيارته الخاصة، مغانم، كلوها هنيئة مريئة؛ لكن أين المغارم ؟ أين ما يجب أن تقدموه لهذه الشعوب لشعوبكم ؟ كل الحكام العرب يقولون عن فلسطين بأنها بلدتهم وقضيتهم الأولى وبلدتهم الأولى قبل بلدهم ويقولون بأن شعب فلسطين هو شعبنا بل هو شعبنا قبل شعبنا، أين الأثر العملي لهذه المقولة يا هؤلاء ؟ كلنا ساهمنا وشاركنا، الشيوخ، الكتّاب، الباحثون، العلماء في المجالات المختلفة كلنا مساهمون، الصغير والكبير الرجل والمرأة، وما أظن أننا نملك استعداداً اليوم من أجل أن نبيع ثوباً لم يبلَ بعد أو لم نكرهه بعد؛ من أجل أن ننجد أخاً بجانبنا سقط صريعاً أو ألمَّ به حادث فاحتاج إلى أن يعود دمه إلى جسمه، احتاج إلى ثمن هذا الثوب الذي لم يبل بعد، سنفكر مئة مرة قبل أن نقدّم له ثمن هذا الثوب الذي لم يبلَ بعد ولم نكرهه بعد، أما إذا كرهناه فنحن كرام ونحن أجواد، أما إذا شبعنا وبقي القليل الذي لا يمكن أن يستفاد منه وبقي ما لا يمكن أن يكون وجبة أخرى لنا عندها سنتحلى بالكرم، وقد أُنشئت جمعيات لهذا ويا فرحتنا، جمعية حفظ النعمة يأكل الغني وكُل أيها الغني كُل أيها الجشع وما يزيد من أكلك سننظمه ونرتبه ونعطيه لأخيك الفقير، أوَما سمعت قول الله عز وجل: ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ شكَّلنا جمعية حفظ النعمة وسنشكل في حلب جمعية شكر النعمة، وشكلنا جمعية من أجل الألبسة البالية، وقام الناس كراماً هذا يقول عندي خمس بنطالات والآخر يقول عند خمس جاكيتات وثالث يقول عندي كذا ثوب وكذا مشلح وكذا عباءة والناس يجمعون والدُّعاة الذين يسمون أنفسهم صُنَّاع الحياة، وبئس ما يصنعون، يفرحون ويطنطنون ويقولون الحمد لله الناس بخير، انظروا مستودعاتنا لقد مُلأت ملابس مستعملة لكننا نكويها ونقدمها للناس. هل رأيتم ميداناً أعظم من هذا في ميدان الأخوة ؟ الحمد لله الأمور بألف خير، يا هؤلاء أتضحكون علينا أم على أنفسكم ؟ أتضحكون على بعضنا ؟ أنتم تنتسبون لجيلٍ عظيم، جيل الصحابة اقرؤوا حياتهم اقرؤوها وانظروا كيف كانوا يتعاملون فيما بينهم، هل سمعتم بجمعية حفظ النعمة وشكر النعمة ومستودع الملابس في حياة الصحابة ؟ أوما قرأتم كيف هاجر المهاجرون إلى المدينة وكيف استقبلهم الأنصار لتأتوا اليوم وتقولوا بكل وقاحة: نريد جمعية حفظ النعمة، الأنصاري استقبل المهاجر أعطاه نصف ما يملك، أعطاء زوجته، أعطاه نصف بيته، الله وصفهم من فوق سبع سموات: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ وهل ربنا يصفنا اليوم ويؤثرون على أنفسهم ؟ نحن اليوم لا نؤثر على أنفسنا، ولا نؤثر ربنا على أنفسنا، ولا نؤثر ديننا على أنفسنا، ولا نؤثر أنفسنا على أنفسنا، نحن نتعادى حتى مع أنفسنا، هل تعتقدون أن هذا هو الإسلام وانتهى الأمر ؟ والحمد لله هل الإسلام جمعية هنا وجمعية هناك وترقيع هنا، نعم سنجمع اليوم لغزة، أقول هذا ليس من أجل أن نكتفي بهذا ولكن ماذا عسانا أن نفعل ونحن نبحث عن هذا لنكتفي به ولكننا لا نجده حتى القليل القليل لا نجده، يا هؤلاء كم واحد تكلم منا على أخيه العربي في مصر أو في السعودية ربما كان كلامه على أخيه هنا أو هناك أشد وأقسى من كلامه على اليهودي وكم واحدٍ تكلم في السعودية على أخيه السوري أقسى مما تكلم على الإسرائيلي المعتدي الأثيم، تعلمنا أن نفرغ الشحنات فيما بيننا فلم تعد هناك شحنات بغضاء فنفرغها على إسرائيل، نخرج في مسيرة نخرج في مظاهرة نقول كم كلمة بصوتٍ عالٍ، هناك بعض الأشخاص الذين لا نشك في نيتهم الطيبة العظيمة يتكلمون بصوت وبقلبٍ مجروح بعد ذلك ننفضُّ ونعود إلى أسوء مما كنا عليه.

أنت أخٌ لهذا، حدد الأمر، إما أن تقول هذا أخي وإما أن لا تقول، أهل غزة إخوتكم ؟ إذا كان أهل غزة إخوتكم فعليكم أن تنظروا إلى واجباتكم نحو إخوتكم أو قولوا بأن أهل غزة جماعة نعرفهم من بعيد وجماعة إلى حدٍ ما مظلومون ونسأل أنفسنا أن نقدم لهم بعض الفتات، قولوا هذا حتى تكونوا صادقين مع أنفسكم، أو حتى نكون صادقين بالأحرى لأنني لا أستنثني نفسي، أنا أتكلم عن نفسي أيها الإخوة ويشهد الله أنا لا أتكلم عنكم، أتكلم عن نفسي لأنني أشكّل فرداً في هذا المجتمع لأن ما يصيب المجتمع يصيبني لا أزكي نفسي ولا أقدّم نفسي من فوق الناس ولذلك حينما أتكلم عن الحاكم أتكلم عن نفسي وعندما أتكلم عن الشعب أتكلم عن نفسي بكل الاعتبارات.

ما أردت أن أقول لكم اليوم هو هذا، فكِّروا جدياً بكل أمرٍ يأتي عقولكم وإياكم وإيانا أن نغلق عقولنا، فلنكن منسجمين مع أنفسنا، نحن مسلمون ؟ الإسلام لا يرضى بهذا الذي نقوم به حتى ولو صليتم وزكيتم وصمتم وما أسهل الصيام، تأتيني رسائل عبر النقال يقول لي: وصلنا من غزة الآن اقرؤوا سورة الفتح. ما أسهل هذا العمل أمرك سنقرأ سورة الفتح. من أين وصلكم من غزة، من الذي أرسل لكم هذا الكلام، وصلنا من غزة اقرؤوا سورة الفتح وصلوا ركعتين ؟ هذا كلامٌ بسيط نفعله ونحسب أننا على شيء ونحسب أننا قمنا بمسؤولياتنا نبكي دمعتين أو ثلاث من الظاهر فقط ثم نقول بعد أن ننام ملء جفوننا قد قمنا بما يجب علينا أن نقوم به.

يا أخي لو أن أخاك أو ابنك سمعت بأنه في بلدٍ ما في دمشق وأُدخل المستشفى جرّاء حادثٍ ما، وجاءتك رسالة من صديقٍ لك عزيز عليك قال لك: لقد دخل ولدك المستشفى في حادث ألمَّ به فصلِّ ركعتين واقرأ سورة الفتح إن شاء الله الموضوع إلى خير. هل ستُسر من هذا الصديق ثم تشكره على هذا أم أنك ستهاجم هذا الصديق وتقول له هذا وقت هذا الذي تقول أم أنك بالأصل تكسر هذا الجهاز النقال لتهبَّ مسافراً إلى دمشق لتبحث عن ولدك لتقدم لولدك لأخيك. عند الشدائد تظهر الحقائق لم تظهر حقائقنا لأننا لم نشعر بهذا الذي ألمّ بنا على أنه شدائد، أصبحت الشدائد فقط حينما نقع نحن ذواتنا في مأزق، هذه هي الشدائد، هي ما تلامسنا بشكل مباشر تلامس أجسادنا نحنُ هذه هي الشدائد أما أن تلامس الشدائد أخي الذي بجانبي أو جاري فضلاً عن أن تلامس ذاك الذي يعيش بعد آلاف الكيلومترات فهذه ليست بشدائد، صدقوني هذا اعتقادنا وإن كنا نُظهر غير هذه الحقائق، ولو أننا شعرنا بها على أنها شدائد لظهرت الحقائق.

أذكركم بواجب الأخوة ليس فقط نحو أهل غزة وإن كان أهل غزة الآن هم أكثر حاجة إلى أن نتذكر واجباتنا الأخوية نحوهم قبل غيرهم، وقد ذكرت لكم واجباتنا نحو أهل غزة في الأسبوع الماضي وجعلت عنوان الخطبة في الأسبوع الماضي ورقة عمل من أجل غزة، لن أقول هل بلغت لأنني لست مقتنعاً بنفسي ولكن أقول: يا رب دلني على ما يجب أن أقوله لنفسي ولإخواني، يا رب سدِّد كلامي ولساني وسدد كلام ولسان كل من يتكلم في المسجد أو في المدرسة أو في سدة الحكم أو في القصر العدلي أو في الجامعة أو في التجمع اليميني أو اليساري، سددنا وثبتنا على ما سددتنا عليه، يا رب لا تجعلنا من أولئك الذين يضحكون على أنفسهم ويصبحون فيما بعد يصدقون أنفسهم على الوجه المضحك، على الشكل المضحك، ويرسمون أنفسهم على شكل لم يخلقهم الله عليه، أسألك يا رب أن توفقنا، وإن كنت أستحي أن أسأل ربي، لكن ماذا عساي أن أفعل وقد جرى لساني بشكلٍ عفويٍ بهذا، فيا رب بحق أسمائك، بحق أولئك الصحابة الذين كانوا فعلاً على المستوى المطلوب، وفقنا من أجل أن نعيش المعاني التي نتكلم عنها كثيراً، وفقنا من أجل ان نعيش المعاني هذه عيشاً عملياً، وفقنا يا رب بحق محمد وآل محمد وأصحاب محمد وأزواج محمد وذرية محمد وبحق الأنبياء وبحق المرسلين، وبحق شهداء أهل غزة من الأطفال والنساء، يا رب بحق هذه الدماء ردنا إليك رداً جميلاً، ردّنا إلى إنسانيتنا وأخوتنا رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 9/1/2009

التعليقات

أحمد

تاريخ :2009/01/13

اللهم انصر الحق وأهله.اللهم عليك بأعداء الدين والإنسانية.

احمد الشوا

تاريخ :2009/01/14

لايسلم الشرف الرفيع من الاذى حتى يراق على جوانبه الدم

زاهي

تاريخ :2009/02/20

صدقوني أن غزة ليست بحاجة للعرب او العجم ولكنها بحاجة لأن يبعد عنها الجميع بمؤامراتهم ودسائسهم والتدخل بين أبنائها وتحريض بعضهم على بعض

شاركنا بتعليق