آخر تحديث: الإثنين 16 مارس 2026      
تابعنا على :  

خطبة الجمعة

   
صفات الإنسان الناطقة

صفات الإنسان الناطقة

تاريخ الإضافة: 2009/10/16 | عدد المشاهدات: 3482

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

بالأمس قلت لأخٍ وقلت لإنسان غريبٍ عن بلدنا: لو أنكما سئلتما كل واحد منكما على انفراد، لو أنك سئلت: من أنت ؟ فبم تجيب ؟ قالا كيف نجيب ؟ قلت لهما بعد حديثٍ طويل تكلما وتكلمت ولخصت ما أردت تلخيصه وقلت بيني وبين نفسي لأكلمنَّ إخوتي يوم الجمعة عن هذا الموضوع.

عندما تُسأل أنت أيها الحاضر هنا: مَن أنت ؟ فبم تجيب ؟ ها أنذا أعرض إجابتي، فإن رأيتموها مقبولة فأجيبوا بمثلها إن سُئلتم، وإن رأيتموها قابلةً للتعديل فعدِّلوا. ولكم الخيار.

هنالك جوابان لهذا السؤال: هنالك إجابة تسمى إجابة جاهزة، وهذه الإجابة تتضمن صفاتٍ صمّاء، وهذه الإجابة ذات الصفات الصَّماء هي: عندما تسأل من أنت، تقول أنا حلبي سوري عربي، وهذا شق الجغرافيا والعرق، وتقول أيضاً في الإجابة الجاهزة ذات الصفات الصماء تقول متابعاً: مسلم سني حنفي أو شافعي أو مالكي، وهذا يسمى جواباً جاهزاً يحمل صفات صماء. واحفظوا هذا أيها الإخوة.

هنالك إجابة أخرى لا يمكن لهذه الإجابة أن تُسمَّى جاهزة، وإنما هذه الإجابة تحتاج إلى تجهيز وتحمل صفاتٍ ناطقة، والتجهيز تفكير والتفكير تصور، أنت تتصور من أجل أن تقدم هذه الإجابة التي تحمل صفاتٍ ناطقة، هذه الإجابة أكلمكم عنها ولا أقول جاهزة لأنها خرجت نتيجة تفاعل بيني وبين نفسي وأعتقد أنكم حينما ستعبرون عن أنفسكم بها لن تخرج هكذا وإنما ستتفاعلون وتتعالجون بينكم وبين أنفسكم حتى تخرجوها، وهذه الإجابة التي تحتاج إلى تجهيز وتفكير وتصور وتحمل صفات ناطقة هي أن تقول: أنا إنسان مؤمن.

قد تستغرب هذا، ألا يلحظ هذا الإنسان الذي سألني بأني إنسان ؟

قلت لكم إن كنتم تذكرون منذ أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر: الإنسانية مرتبة عالية أعلى من البشرية، هنالك البشرية، هنالك الإنسانية، وهنالك الرحموية.

الصفات للإجابة التي تحتاج إلى تجهيز:

الصفة الأولى الإنسان: أنا إنسان، لأن كثيراً من الناس اليوم انخلع عنهم لباس الإنسان فهل يمكن أن تقول لإنسان سفاك مجرم من أنت، وأن يجيب هذا الإنسان السفاك المجرم بأنه إنسان ؟ إذا أجاب بأنه حلبي سوري عربي مسلم يمكن أن يجيب لكن لا يمكن له على الإطلاق أن يجيب بأنه إنسان.

إن سألت قاتلاً حقوداً ظالماً من أنت ؟ فهل يستطيع بعد التفاعل بينه وبين نفسه أن يقول عن ذاته بأنه إنسان ؟ لقد خلع ثوب الإنسانية ووضعه تحت قدمه ولبس لبوس الافتراء، لبوس الإهلاك والهلاك، لذلك لن أتكلم الآن عن صفات من خلع هذا اللبوس، وإنما سأتكلم عمَّن يتفاعل مع هذا اللبوس أنا إنسان، والإنسان بكل بساطة - وسجِّلوا هذا في ذواكركم - الإنسان إحسان، أنا إنسان أنا إحسان، والإحسان إتقان، والإتقان أن تتقن عملك المسند إليك مَن كنت في أي منصب كنت في أي مجال كنت، لن تتحقق إنسانيتك إلا بالإحسان، والإحسان هو الإتقان، و: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما رواه الطبراني والحاكم وسواهما. عندما تعبِّر عن نفسك بعد تفكير بأنك إنسان يعني تعبِّر عن نفسك بأنك إحسان بأنك إتقان بأنك تتقن العمل الذي بين يديك إن كنت عاملاً أو كنت موظفاً أو كنت رئيساً أو كنت وزيراً أو كنت جندياً أو كنت معلماً أو كنت طبيباً ولا يمكن لإنسانٍ ما لا يتقن عمله المسند إليه حينما تسأله من أنت أن يقول بأنه إنسان، ليس بإنسان خلع ثوب الإنسانية عندما لم يتقن هذا العمل المسند إليه، هذا العمل الذي بين يديه، هذا العمل الذي تمظهر أمام الناس بانتسابه إليه، عندما تسأل إنساناً موظفاً في دائرة ما وهو مهمل لوظيفته عندما تسأل تاجراً وهو غاش في تجارته من أنت ؟ فلن يجيب بأنه إنسان لأن الإنسان إحسان والإحسان إتقان والإتقان أن تتقن عملك الذي بين يديك العمل المسند إليك من كان وما كان، هذا العمل هذه هي الإنسانية فتحسَّسها إن كنت تريد أن تجيب على سؤالي لك من أنت تحسس إحسانك تحسس إتقانك، فإذا سألتك من أنت ففكر في هذا الذي أسند إليك وهذا الذي كان قد أسند إليك سالفاً هل كنت متقناً عملك هل تتقن صلاتك هل تتقن استماعك الآن للخطبة ؟ هل تتقن خطبتك أنت أيها الشيخ ؟ هل تتقن خروجك ؟ هل تتقن دخولك ؟ هل تتقن أبوتك ؟ هل تتقن بنوتك ؟ إذن عبر عن نفسك بأنك إنسان فإن كنت غير متقن فإياك أن تقول عن نفسك بأنك إنسان لأن واقعك سيكذبك، لست بإنسان وإن ادَّعيت الإنسانية فتحسس الإنسانية فيك من خلال الإحسان الذي هو الإتقان.

الصفة الثانية الناطقة للإجابة التي تحتاج إلى تجهيزٍ وتفكير: مؤمن، ما الإيمان ؟ هل تستطيع أن تقول عن نفسك مؤمن وأنت تخون الأمانة ؟ هل تستطيع أن تقول عن نفسك بأنك مؤمن وأنت تظلِم ؟ هل تستطيع أن تقول عن نفسك بأنك مؤمن وصدرك مملوءٌ حقداً وغلاً على إنسان وليس على مسلم حتى على إنسانٍ ما ؟ مهما كان هذا الإنسان، إن الذي تحقد عليه وتبغضه هو عمل ذاك الإنسان فلربما هذا الإنسان الذي تحقد عليه لذاته وهو أمرٌ غير صحيح انقلب إلى إنسان مؤمن يعمل بإحسان ومن يدري ؟ لكن عليك أن تبغض عمله الذي لا يَمتُّ إلى الإنسانية بصلة، أنا مؤمن هذه كلمة تحتاج إلى تحقيق، إن قلت عن نفسك بأنك مسلم فالإسلام أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقد قلتَ ذلك فهذه إجابة جاهزة تحوي إجابة صمّاء، أما أن تقول عن نفسك بأنك مؤمن فهذا يعني أن تتخلى عن أمور وأن تتحلى بأمور، فإن كنت متخلياً عن هذه الأمور ومتحلياً بالأمور التي سأذكرها فأنت مؤمن وإياك أن تقول عن نفسك بأنك مؤمن إن لم تكن تخليت عن هذه الأمور التي سأذكرها.

أما الأمور التي ينبغي أن تتخلى عنها إذا كنت تدعي الإيمان فأمران: الغل والظلم، المؤمن لا يحمل غلاً، ربنا: ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾، والظلم: (يا عبادي – على اختلاف أنواعكم وأجناسكم وألوانكم -: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظَّالموا) إن تخليت عن الغل والظلم فقد تحليت بشطر الإيمان.

وعليك أن تتحلى بأمور حتى يكتمل الإيمان فيك، فإذا ما عبَّرت عن نفسك بأنك مؤمن كان التعبير صادقاً.

الأمور التي يجب أن تتحلى بها بكل بساطة هي: الإخلاص، مؤمن ومراءٍ هذا لا يجتمع، أن تكون مؤمناً ومنافقاً في نفس الوقت هذا لا يمكن أن يكون، الإيمان لا نفاق والنفاق لا إيمان: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾، و: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه) شئتَ أم أبيت، إن تحلَّيت بالإخلاص فأنت حققت صفة ناطقة من صفات الإيمان.

أما الصفة الثاني التي يجب أن تتحلى بها: هي علو الهمة، المؤمن عالي الهمة، علو الهمة من الإيمان ﴿فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب﴾ عالي الهمة هو المؤمن، والمؤمن هو عالي الهمة، أما أولئك الذين يتهيبون صعود الجبال فلا يمكن أن يكونوا مؤمنين، أولئك الذين تلهيهم الحياة المادية فيعيشون في سراديبها في مغاراتها لا يخرجون إلى ضوء الشمس لأنهم يخافون النور من أن يسحرهم هؤلاء ليسوا بمؤمنين شئتم أم أبيتم، من لم يكن عالي الهمة فلا يمكن أن يكون مؤمناً، أنت مؤمن انظر إلى علوّ همتك كيف تقضي وقتك ؟ كيف أنت في دراستك ؟ كيف أنت في عملك ؟ كيف أنت في طموحك ؟ كيف أنت في أهدافك ؟ وكما قال شاعرنا:

إذا كنت في شرفٍ مَرومٍ           فلا تقنع بما دون النجوم

فطعمُ الموت في أمر حقيرٍ             كطعم الموت في أمرٍ عظيم

ضاعت علو الهمة من أذهان رجالنا من أذهان شبابنا من أذهان نسائنا، صار الواحد منا ومنكم إذا بلغ الأربعين تكلم عن نفسه على أنه شيخٌ مسنٌ كبير وحسبه الآن أن يذهب إلى صلاة الجماعة وأن يعود، وأن يعدل عن ذهابه للسوق أو العمل أو الوظيفة، ونحن نطالب الدولة في هذا الشأن لنقول لها: ليكن التقاعد بحسب الحالة لا بحسب السن فهنالك أشخاصٌ لم يعودوا يستطيعون العمل وهم في سن الأربعين وهنالك أشخاصٌ يعملون وهم في سن الستين والخامسة والستين فلماذا تبعدونهم عن العمل وقد بلغوا الستين ؟ القضية تحتاج إلى تخطيط وتحقيق لأن علو الهمة من الإيمان، ما ذنب إنسان أن يُترَّك العمل وقد بلغ الستين وصحته هي هي، بل هي في ازدياد ؟ ما ذنبه أن يترَّك العمل ووضعه الذهني والعقلي لا يزال متوقداً ؟ لذلك علو الهمة من الإيمان، فكروا أيها المسؤولون عن أنفسكم وعن غيركم في هذه القضية، عقبة بن نافع وقف أمام بحر الظلمات المحيط الأطلسي وقال: "والله لو أني أعلم أن خلف هذا البحر بلاداً لخضت هذا البحر".

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيد الناس في علو الهمة وفي رفعة الشأن في هذه القضية ربه خاطبه فقال: ﴿فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب﴾.

الأمر الثالث: الأمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له، هل فيك شيءٌ من الخيانة ؟ ولو كان قدراً بسيطاً جداً إذن فقد انزاح الإيمان عنك شئت أم أبيت، خيانة وإيمان لا يجتمعان:

إذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمانٌ            ولا دنيا لمن لم يحيِ ديناً

الأمر الأخير: العدل، بالعدل قامت السموات والأرض، بالعدل نمشي مشياً إنسانياً بغير العدل لن نكون حتى ولو كنا أجساداً نتحرك، بالعدل المجد ترتقى درجاته، وبغير العدل سنهوي في وادٍ سحيق من الظلمات، لن نبني شيئاً، سنضيِّع كل شيء، العدل يبتدئ في أن تعدل مع نفسك لينتهي في أن تعدل مع الجمادات حتى، في أن تعدل حتى مع حذائك، هذا الحذاء ينبغي أن تُعنى به لا أن تتركه كما هو عليك أن تعدل معه في أن تعطيه حقه، العدل: أن تعطي كل ذي حق حقه، فما بالكم بين المسافتين ؟ العدل هو لازم الإيمان من كان عادلاً فهو مؤمن. انتهت الإجابة الثانية، الإجابة الثانية التي تحتاج إلى تجهيز: من أنت ؟ هل أنت إنسان ؟ والإنسانية إحسان، والإحسان إتقان، والإتقان أن تتقن كل عملٍ أُسند إليك. فكر في نفسك، هل تستطيع أن تعبِّر الآن عن نفسك بأنك إنسان ؟

أنا أقول لطلاب الجامعة يوم يحضرون المحاضرة: عليكم أن تتقنوا استماعكم لأن إتقان استماعكم يعبِّر عن إنسانيتكم، وعليَّ أن أتقن إلقائي ودرسي، لأن إتقاني إلقاء درسي يعبِّر عن إنسانيتي وإلا فلسنا جديرين أن ننتمي للإنسانية.

ثم بعد ذلك هل أنت مؤمن ؟ ما الإيمان ؟ أن تتخلى عن الغلِّ والظلم فهل أنت متخلٍّ عنهما ؟ والإيمان أن تتحلى بالإخلاص وعلو الهمة والأمانة والعدل، فهل أنت متحلٍ بهذه الأمور ؟ إذن قل إن كنت كذلك وإن كنت جادَّاً في السعي في أن تتحقق بذلك فقل عندما تُسأل: من أنت بعد أن تفكر وتتأكد وتتحقق، قل: أنا إنسانٌ مؤمن.

هذه هي الإجابة التي ينبغي أن نفكر فيها أما الإجابة الأولى فهي إجابة صمَّاء وجاهزة ودعونا من التفكير فيها لأنها تلقائية ولأنها بسيطة من البساطة الغير مقبولة فلا تفكروا فيها، فكروا في الإجابة الثانية فهي الإجابة التي خلقتم من أجل أن تتحققوا بها.

أسأل الله عز وجل أن يتولانا وأن يجعلنا على مستوى على مستوى الإنسانية والإيمان نحن ننظر أنفسنا وننظر من نُسأل عنهم من أولادنا ومن تلاميذنا ومن طلابنا ومن كل الذين سيسألنا ربنا عز وجل عنهم، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 16/10/2009

التعليقات

السنوسي المنير

تاريخ :$comments_array1.date|date_format:"%Y/%m/%d "}

جزاك الله خيرا فضيلة الشيخ الدكتور عكام ، وجعلها الله في ميزان حسناتك ، ووفقك الله لما يحبه ويرضاه ، وجعلنا الله جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،،،، ولا تنسانا فضيلة الشيخ من صالح دعواتك .....

السنوسي المنير

تاريخ :$comments_array1.date|date_format:"%Y/%m/%d "}

جزاك الله خيرا فضيلة الشيخ الدكتور عكام ، وجعلها الله في ميزان حسناتك ، ووفقك الله لما يحبه ويرضاه ، وجعلنا الله جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،،،، ولا تنسانا فضيلة الشيخ من صالح دعواتك .....

السنوسي المنير

تاريخ :$comments_array1.date|date_format:"%Y/%m/%d "}

جزاك الله خيرا فضيلة الشيخ الدكتور عكام ، وجعلها الله في ميزان حسناتك ، ووفقك الله لما يحبه ويرضاه ، وجعلنا الله جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،،،، ولا تنسانا فضيلة الشيخ من صالح دعواتك .....

mark

تاريخ :$comments_array1.date|date_format:"%Y/%m/%d "}

thanks daktor akam jazak allh khir

شاركنا بتعليق