آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
الدكتور عكام يتحدث عن الأخلاق الحسنة في إدلب

الدكتور عكام يتحدث عن الأخلاق الحسنة في إدلب

تاريخ الإضافة: 2010/03/05 | عدد المشاهدات: 3322

أقامت جمعية البر والخدمات الاجتماعية بإدلب احتفالاً بمناسبة "المولد النبوي الشريف" في جامع النبي شعيب بإدلب، يوم الجمعة 5/3/2010 بعد صلاة المغرب.

وقد ألقى الدكتور محمود عكام كلمة خلال الاحتفال تحدث فيها عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في المساحة الخُلُقية، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وُصف من قبل ربه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، فهل نستطيع أن نصف أنفسنا بهذه الصفة فنقول: وإننا لذو خلق عظيم، أو لذو خلق ؟ وفيما يلي نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما يُذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما تريد أن تقدّمه للناس كافة فإنك تقدّمه على أنه صاحب الخُلقٍ عظيم، وقد وصفه الله بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ؟ وهنا ينظر إليك هذا الذي تقدم له النبي صلى الله عليه وسلم على أنه صاحب الخلق العظيم، ويريد أن يرى فيك هل أنت ممن يمكن أن يقال له - لا أقول لعلى خلق عظيم - لكن هل يمكن أن يقال لك ويُحكَم عليك، هل يستطيع أن يصفك بهذه الصفة فيقول: وإنك لذو خلق عظيم ؟ أو وإنك لذو خلق ؟ هل تعتقد بأن الذين يعرفونك يقولون من دواخلهم أنت أيها الأب أيها الحاكم أيها الضابط أيها القاضي أيها المحامي أنت أيها الشيخ هل تضمن أن توصف من قبل من يعرفك بأنك ذو خلق عظيم أو ذو خلق ؟

إذا لم تكن متأكداً من نفسك بأنك توصف بالخلق فلماذا تقدّم نفسك للناس على أنك واحدٌ من أتباع هذا النبي ؟ أين الاتباع وأين التبعية لهذا النبي الذي وصفه الله والذي وصفه الناس والذي وصفه الأعداء والذي وصفه البعيد بأنه على خلق عظيم ؟ لِمَ هذه المفارقة والتنافر على الأقل بين حالك الذي أنت عليه وبين هذا الذي تقدّمه للناس صلى الله عليه وآله وسلم وتفتخر بنسبتك إليه، فأين التبعية وأين الاتباع ؟

هل يمكن أن توصف مجتمعاتنا على سبيل الجملة والعموم بأنها على خلق ؟ وهل يمكن أن يوصف أفرادنا كلٌ في مكانه بأنه على خلق ؟ إن قلتم نعم توصف مجتمعاتنا بأنها على خلق فإنني سأقول لكم أين تجلِّي هذا الخلق ؟ كيف حكمتم على مجتمعاتنا بأنها على خلق ؟ وإن قلتم بأن مجتمعاتنا ليست على خلق، فيا إخوتي إلى متى سنبقى نحتفل بالمولد ونحتفل بالذكرى وحالنا بعيدة أشد البعد عن حال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المُحتَفل به ؟ إلى متى سنبقى نردد كلاماً من غير أن يكون لهذا الكلام معنىً عملي، إلى متى بالله عليكم ؟

ربما قال قائل: كلمة الخلق العظيم واسعة شاسعة، فكيف تحددها ؟ بعد أن قرأت وتتبعت، وجدت ثلاثة أخلاق إذا اتصف بها المرء كان على خلق عظيم، ثلاثة أخلاق إن وجدتها في مجتمعنا بشكلٍ عام فمجتمعنا على خلقٍ عظيم، هذه الأخلاق الثلاثة هي: الرحمة، الصدق، الأمانة.

الخلق الأول: الرحمة، أما الرحمة، فالله الذي قال عن نبيه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ قال عنه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه كما في مسند الدارمي: (إنما أنا رحمة مهداة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام مسلم: (إنما بعثت رحمة) هل تقول عن نفسك أنت ولا أقول رحمةً كرحمة النبي، لا، ولكن هل تستطيع أن تصف نفسك بأنك رحيم كما وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بقوة بأنه رحيم ؟ إن قلت عن نفسك بأنك رحيم فدعني من أجل أن أستشهد بأكثر من موقف لك لا يدل على الرحمة ولا يمتُّ إلى الرحمة ولا تتعرف عليه الرحمة، على مستوى الأفراد وعلى مستوى العموم وأنا أخاطب كل الفئات والشرائح، أخاطب العسكري والضابط والقاضي والطبيب والمحامي والشيخ والمسؤول والوزير والمدير أخاطب الجميع: من الذي يستطيع أن يقول عن نفسه إنما أنا رحمة، لا، إنما أنا رحيم، لا، إنما أنا أحياناً أتصف بالرحمة، من الذي يستطيع أن يقول هذا عن نفسه ؟ من منا يرحم جاره ؟ من منا يرحم ولده ؟ من منا يرحم والده ؟ من منا يرحم موظفه ؟ من منا يرحم شعبه ؟ من منا يرحم رئيسه ؟ والرحمة كما قلت: عطاءٌ نافعٌ برفق. ليست الرحمة صفة بيننا لا على سبيل العموم ولا على سبيل الخصوص.

الخلق الثاني: الصدق، كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الترمذي عن سيدنا علي رضي الله عنه حينما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصدق الناس لهجة وأوسع الناس صدراً وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة". فهل أنت من الصادقين بلهجتك ؟ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي تحتفل بمولده وقف أمام أعدائه وقال كما جاء في السيرة: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم أكنت مصدقيَّ ؟) قالوا ما جربنا عليك كذباً. فهل أنت إذا وقفت أمام أسرتك أمام موظفيك أمام جماعتك أمام مريديك هل تستطيع أن تقول أرأيتكم لو أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي، وهل سيقول هؤلاء الذين يقفون أمامك ما جربنا عليك كذباً ؟ لا، ربما قالوا إذا ما لوَّحت أمامهم بالعصا، ربما قالوا خوفاً منك وهذا كما يُقال يزيد الطين بلة. عدِّد الصدق الذي يجري على لسانك وأنا أعني بالصدق صدق اللسان بشكل أساسي، هل تتحرَّى الصدق في أحاديثك ؟ (وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، فهل أنت ممن كتب عند الله صديقاً ؟

لا تحدثوني عن كذب مُبرَّر فليس في الإسلام كذبٌ مبرر، الكذب كله مرفوض وليس في الإسلام كذبٌ أبيض وأسود فكل الكذب في الإسلام أسود، وكل الكذب لا قيمة له بل هو رذيلة الرذائل، الصدق سفينة النجاة، هكذا تعلمنا ونحن صغار وكنا نكتب هذا في درس الخط، قالوا الكذب ينجي، فأجيب الصدق أنجى.

الصفة الثالثة: الأمانة، قرأت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الملقب عند أعدائه قبل أتباعه بالصادق الأمين، ومن تمام أمانته صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال كما في البخاري ومسلم: (يا عائشة تنام عيناي ولا ينام قلبي) لأن رعاية الأمانة بالقلب فرسول الله حتى في نومه يرعى الأمانة التي اؤتمن عليها والتي أدَّاها حق الأداء وشهد له أكثر من مئة ألف صحابي في موقفٍ كبير، ألا هل بلغت ؟ فأجاب هؤلاء الصحابة في حجة الوداع: بلى، فكان يشير هكذا ويقول اللهم فاشهد. أين أنت من قيامك بالأمانات الموكلة إليك ؟ أنت موظف فهل أنت تقوم بالأمانة أم أنك تقول وتبرر: الراتب قليل وبالتالي دعني من أن أقوم بواجبي في وظيفتي فأنا أعمل على قدر الراتب وأصبح مثل هذا الكلام قواعد أخلاقية في مجتمع بائس متخلف، أين أمانتك التي تقوم بأدائها أنت أيها المدرس في مدرستك ؟ هل تقوم بأمانة التدريس حق القيام ؟ أنت أيها الضابط، أيها الطبيب هل تقوم بأمانة الطب والتطبيب في عيادتك ؟ أنت أيها التاجر بالله عليك كم من غشٍ يجري على يديك وقلبك ولسانك قبل أنت تذهب إلى صلاة الجماعة وكأنك تخادع نفسك. أين رعايتك لأمانة لسانك ؟ هل ترعى الأمانة في وقتك ؟ هل ترعى الأمانة في عقلك ؟ الوقت أمانة عندك فهل تعطي هذه الأمانة حقها ؟

لا أريد أن أتحدث عن احتفال بالمولد مهرجاني، نحن نحتفل بالمولد احتفالاً مهرجانياً، نستمع النشيد الذي لا نفهمه وإلى الكلمة التي يريد صاحبها من ورائها أن يقول بحاله أتكلم كلاماً جميلاً وجيداً ولا تسألوا بعد ذلك عن غير ذلك، وتوزع الضيافات وغدا هذا الاحتفال عادة لا يمتُّ إلى ضرورة التحقق بالخلق العظيم، فلماذا يا إخوتي ؟

أكرر ما قلته في البداية: إن طُلب منك أن تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فستقول لقد قال الله في حقه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وصدق الله في قوله، والرسول تحقق بما قال الله عنه وبما وصفه الله عز وجل لكن المشكلة فيك أنت، فهل تستطيع أن تقول لنفسك أنت وإني لعلى خلق عظيم، وإني لذو خلق، هل تستطيع أن تحكم على نفسك بأنك على خلق ؟ هنا تكمن المشكلة.

إلى أخلاق هذا النبي الكريم من أجل أن نكون متبعين لهذه الأخلاق العظيمة، أدعو كل أفراد مجتمعي أدعو الكبير والصغير وإلا - والكلام قد يجرح - لا قيمة لكل احتفالاتنا وستكون احتفالاتنا وبالاً علينا، وإلا غدونا متكلمين وحتى الكلام لم نحسنه وابتعدنا عن الفعل والتحقق والتطبيق والتدبر بعد ما بين المشرقين،

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن تتحسن أخلاقنا، وأن نكون على خلق عظيم من خلال الرحمة والصدق والأمانة، وأن يردنا إلى رحاب هذا النبي الكريم رداً جميلاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حضر الاحتفال مدير أوقاف إدلب، وعدد من المسؤولين في الحزب والدولة، وبعض رجال العلم وطلابه في مدينة إدلب، وعدد غفير من الإخوة المسلمين.

التعليقات

شاركنا بتعليق