آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
حاجة الإنسانية إلى محمد

حاجة الإنسانية إلى محمد

تاريخ الإضافة: 2011/02/11 | عدد المشاهدات: 2639

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون:

ما من شك في أن جميعكم يعيش حالة ابتهاج بقدوم شهر ربيع الأول، هذا الشهر الذي وُلد فيه سيدنا وحبيبنا وقائدنا وشفيعنا ونور أبصارنا وبصائرنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل بعضكم ممن يريد أن يفكر أقرب إلى العمق يتساءل: لمَ كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ لم كان هذا الرجل الذي هو نبي ورسول ومصلح ورحيم ومُعطٍ وعظيم ؟

أقول لكم أيها الباحثون عن هذا الذي جاء من أجله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يلي:

أولاً: الإنسانية بحاجة إلى قدوة شاملة ومعيار ونموذج، لأن الإنسان يقتنع بالفكرة الصحيحة لكنه يطمئن إذا رأى هذا الفكرة مُجسَّدة في شخص، جاء الإسلام بأحكامه مقنعاً لكنه عندما جسده هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطمأنَّ الناس إلى هذا الدين الحنيف، الفكرة الصحيحة تقنع ورؤيتها من خلال نموذج يتحرك تطمئن، الإنسانية بحاجة إلى قدوة شاملة ومعيار ونموذج، ولقد كان هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم القدوة والمعيار والنموذج: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا الإنسان العظيم كان القدوة الشاملة. أيها الأب الباحث عن نجاحٍ في ميدان الأسرة عليك أن تقتدي بالأب القدوة وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أيها المعلم الباحث عن نجاح في ميدان التعليم ما عليك إلا أن تطلع على سيرة المعلم العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن تكون ناجحاً في تعليمك، أيها المسؤول حيثما كنت إن كنت رئيساً أو وزيراً أو مديراً أو قائداً في الجيش أتريد أن تكون ناجحاً اطَّلع على سيرة هذا الرجل العظيم واقتدِ به فستكون ناجحاً في رئاستك، وستكون ناجحاً في وزارتك، وستكون ناجحاً في مديريتك، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبى حاجة الإنسانية إلى قدوة شاملة في كل ميادين الحياة وفي مختلف شؤونها، لذلك:

هل تطلبون من المختار معجزة                يكفيه شعب من الأجداث أحياء

هذا أولاً.

ثانياً: الإنسانية بحاجة إلى رمز تجتمع حوله، كلنا يبحث عن رمز صادق صدوق عن رمز أثبت من خلال حياته ومن خلال سلوكه ومن خلال أقواله ومن خلال أفعاله أنه صادق وأنه يريد الخير وأنه وأنه... إلى كل هذه الأمور التي تسبب في الأذهان عظمة، فكان هذا النبي الذي هو رمزنا نجتمع حوله في كل الظروف والمناسبات في كل الأوقات، أوليس هذا الذي نتحدث عنه جُعل رمزاً حقيقياً وجُعل رمزاً شخصياً وواقعياً وعلى مستوى الفكر، أولم يقل الإمام علي كما جاء في مسند أحمد: "كنا إذا اشتدَّ البأس وحمي الوطيس واحمرت الحِدَق اتقينا برسول الله فما أحدٌ يكون أقرب إلى العدو منه".

هو رمز وهو رمزٌ ثابتٌ صحيح، قرأت عبارة لأبي الهند الروحي ومحررها المهاتما غاندي يقول هذا الرجل وقد اتخذ رسول الله رمزاً. لماذا لا تقولون أيها المسؤولون في البلاد العربية والإسلامية كما قال غاندي، هذا الرجل قال بالفم الملآن: "إن نبي الإسلام هو الذي قادني إلى المناداة بتحرير الهند، إن كل من يتعرف على الإسلام تشبُّ روحه وتصبح عظيمة، وإني من أشد المحبين والمعجبين بمحمد".

الإنسانية بحاجة إلى رمز فإن كان غاندي اتخذ من محمد رمزاً فأين الرمز الصحيح عندكم يا عرب ؟ يا أيها الناس يا أيها الذين تقودون مجتمعاتكم وأماكنكم: أنا لا أقول لكم قولوا هذا ادِّعاءً أو كلاماً بل أطلب منكم أن تتعرفوا على سيرة هذا النبي الكريم من أجل أن يكون دائماً ماثلاً أمام أعينكم وأبصاركم وبصائركم، لأن من اقتدى بهذا النبي وسار على نهجه فسيكون ناجحاً وستثبت الأيام ذلك، وهيهات أن يقتدي مقتدٍ بهذا الرجل العظيم محمد ثم لا يرى النجاح في حياته.

ثالثاً: الإنسانية بحاجة إلى أسوة، ولعلك تسألني قد قلت في البند الأول بأن الإنسانية بحاجة إلى قدوة فهل ثمة فرقٌ بين الأسوة والقدوة ؟

أقول: الإنسانية بحاجة إلى أسوة يحبها وتحبه، بل يحبها قبل أن تحبه، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أحبَّ الإنسانية قبل أن تحبه، أوليس هو من قال - يا أيها الناس، يا أيها المجتمعات التي تحوَّلت إلى مجتمعات نقمة تحقد وتحسد، اسمعوا هذا النبي الذي تدَّعون الانتساب إليه - يوم قال كما جاء في سنن الدارمي: (إنما أنا رحمة مهداة). رسول الله رحمة.

اسمعوا إلى هذا النبي عندما سئل أتريد أن تُطبِق الجبال على هؤلاء الذين عصوك، على هؤلاء الذين أرادوا أن يقتلوك ؟ قال كما جاء في الصحيح: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) وفي رواية: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) نحن نريد ممن يبتغي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون رجل نعمة، أن يعفو، أن يكون كبيراً، أن يسامح، أن يرحم، أن يتحلَّى بالخلق الحسن، أن يكون على قدرٍ كبير من الرحمة والرفق ولين الجانب وهو يعطي، - ولا سيما ونقول هذا لذوي المناصب - عليكم بالرحمة عليكم بالعفو عليكم بعدم الحقد وإلا فلستم أهلاً لما أنتم فيه.

ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ                  وليس كبير القوم من يحمل الحقد

الإنسانية بحاجة إلى أسوة يحبها قبل أن تحبه وإذا أحبها أحبته، وإذا أحبها افتدته، وإذا أحبها تطلعت إليه على مر الدهور والأيام سواءٌ أكان حياً بجسمه أو لم يكن حياً بجسمه لأن حياته بمعناه باقية أبد الأيام والدهور، لأن حياته بالمعنى بالذكر الحسن في العطاء المستمر مستمرة شئنا أم أبينا وهكذا قالت أم النبي: "ولدت طهراً، وتركت خيراً وذكراً حسناً".

الإنسانية بحاجة إلى أسوة يحبها وهكذا كان النبي وهنا أقول لكم حديثين صحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطالما رددتهما في خطبي في مثل هذه المناسبات، جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمثل قول سيدنا إبراهيم وهو يقول: أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون: ﴿ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ وتمثل قول عيسى عليه السلام: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ثم بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال الله يا جبريل وربك اعلم اذهب وانظر ما يبكى محمداً، ما يبكيك يا محمد ؟ محمد يقول: أمتي، أمتي. يقول جبريل يا رب أمته. يقول الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.

بكى من أجلك محمد فهل تبكي أنت من أجلك أنت ؟ محمد أحبك وبكى من أجلك وأرادك أن تكون في حياتك ناجحاً وفي أخراك فالحاً فهل أنت كذلك ؟ فهل تبكي أنت على نفسك ومن أجلك ؟ هل تبكي من أجل وطنك حتى لا ينهار وطنك ؟ هل تبكي من أجل وطنك حتى يكون وطنك عزيزاً، حتى يكون وطنك حضارياً، حتى يكون وطنك متقدماً ؟ هل تبكي من أجل أسرتك حتى تكون أسرتك سعيدة ؟ هل تبكي أنت أيها الإنسان في هذا البلد أو في سواه من أجل شعبٍ يبحث عن عيشٍ كريم ؟ علينا أن نستشعر حاجة الإنسانية إلى أسوة يحبها قبل أن تحبه، وهكذا كان النبي وعلى من يريد أن يكون ناجحاً في قيادة أو سيادة أن يحب هؤلاء الذين يرعاهم قبل أن يحبوه.

الحديث الثاني جاء في صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لكل نبي دعوة مستجابة دعاها لقومه في حياته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً).

أيها المتخبطون أيها المتعثرون في مختلف شؤون الحياة أيها المتعثرون هنا وهناك لن يكون هناك نجاح لأي إنسان يبتغي النجاح إلا إذا وضع أمامه أسوة وقدوة هذه الأسوة والقدوة على مستوى هذا الرجل العظيم محمد، إن أردت أن تكون ناجحاً فلا بد أن يكون في داخلك إنسان تقتدي به وتأتسي به وإلا لن تنجح، ونحن حُسم لنا الأمر، فقال ربنا وخالقنا في قرآنٍ نتلوه صباح مساء: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ حُسم الأمر بالنسبة لأمة الإسلام، لأمة العرب، بل للعالم أجمع، لكنني أقول حُسم الأمر لأمة الإسلام باعتبار أن أمة الإسلام وأمة العرب تقرأ هذا الكتاب على أنه كتابٌ مقدس، وعلى أن الكلام فيه محكم، إذا كنت تعتقد بأن الكلام محكم في هذا الكتاب فالكلام المحكم يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.

أيها المتعثرون لا تتعثروا، أيها المتخبطون لا تتخبطوا، من كان في داخله محمد فلن يتعثر ومن كان أمام عينيه محمد فلن يتخبط، أما الذي يدّعي انتساباً باللسان ويدعي انتماءاً بأقل من الكلام فلن يسمع الكلام الذي قلنا وإنما سيمضي سادراً في غيه ممعناً في ابتعاده في نشوزه.

فاللهم نسألك بحق هذا النبي الكريم وبحق السيد السند العظيم أن توفقنا حيثما كنا، أن توفقنا من أجل أن يكون رسول الله أسوتنا وقدوتنا ورمزنا، وفقنا يا ربنا من أجل أن نهتدي بهدي هذا النبي الكريم، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 11/2/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق