آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
إرضاء الديان وبناء الإنسان وخدمة الأوطان

إرضاء الديان وبناء الإنسان وخدمة الأوطان

تاريخ الإضافة: 2011/06/03 | عدد المشاهدات: 3071

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون:

نسأل الله أولاً أن يرحم شهداءنا وأن يحفظ بلادنا من كل مكروه.

أيها الإخوة:

جاءني عدد من الشباب في سنٍ لا تتجاوز العشرين، قالوا لي: نحن الآن في طور إنشاء موقع على الشبكة العالمية، وإننا نريد منك يا شيخنا أن تختار لنا عنواناً لهذا الموقع أو أن تختار لنا شعاراً لهذا الموقع.

قلت لهم: إنني سأختار لكم ما اخترته لنفسي، سأختار لكم شعاراً اخترته لنفسي منذ أكثر من عشرين عاماً، غير أنني قبل أن أحكي لكم قصة هذا الشعار، أطلب منكم أيها الشباب ألا تكونوا أصحاب شعارات، وألا تكونوا بهذا الشعار أدعياء، لأننا اليوم ربما عشنا في بعض الفترات شعارات ولم نعش أعمالاً، عشنا في بعض الفترات شعارات رفعناها، لكننا لم نعش سلوكاً ننفذه ولا إنتاجاً نحققه، آمل يا أيها الشباب ألا يكون هذا الشعار غطاءاً لكسل أو لانحراف أو لابتعاد. هذا الشعار هو في ثلاث كلمات: إرضاء الديَّان، وبناء الإنسان، وخدمة الأوطان.

ضعوا هذا أمام أعينكم وأنتم تكتبون وتقرؤون وتدرسون: إرضاء الديّان، وبناء الإنسان، وخدمة الأوطان. إن وضعتم هذا أمام أعينكم وأمام أنظاركم وأمام سلوككم وأمام أعمالكم وأفعالكم بصدق وأمانة، فسيتحقق على أيديكم كثير خير وكبير خير، وإلا فأنا أسمع منكم إن كنتم تريدون أن تعلنوا شعاراً آخر، تابعت الحديث فقلت لهم: أيها الشباب:

إرضاء الدَّيَّان بالإخلاص: كيف ترضي الدّيان ؟ بالإخلاص، بصدق التوجه إليه، بالاعتماد عليه، بالاعتقاد بما قال: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾، بالاعتقاد بما قال: ﴿وإن يمسسك الله بضرٍ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾، بالاعتقاد بما قال: ﴿قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، بالاعتقاد بهذا الذي جاء في الحديث القدسي عن رب العزة كما روى مسلم: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، بهذا الذي كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: "من خلصت نيته لله كفاه الله ما بينه وبين الناس".

إرضاء الديان بالإخلاص لهذا الديان، بأن تتحقق بالتوجه إليه وحده، بأن تتحقق بالاعتماد عليه في كل شؤونك وفي كل حركاتك، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، إرضاء الديان بالإخلاص.

وبناء الإنسان: المكَّون من عقل وقلب وجسم وسلوك، كيف تبني هذا الإنسان ؟

تبني عقله بالعلم: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلقَ الإنسان من علق﴾.

تبني قلبه بالإيمان: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.

تبني جسمه بالقوة: ﴿إن خيرَ من استأجرت القوي الأمين﴾. وهذا رسولنا عليه ألف صلاة وألف سلام يقول: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) كما جاء في الصحيح.

وأما بناء السلوك فبالأخلاق، بالصدق، بالأمانة، بالرحمة، بكل صفةٍ حمدها ربك فيك، وحمدها الخلق فيك: (وخالق الناس بخلق حسن) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسبما روى الترمذي وسواه.

بناء العقل بالعلم، وهل أنت إلا عقل وقلب وجسم وسلوك ؟ فنحن ندعو إلى بناء العقل بالعلم، وإلى بناء القلب بالإيمان بالله: ﴿يمنُّون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليَّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ فاستقرَّت قلوبكم واطمأنت. بناء القلب بالإيمان.

وبناء الجسم بالقوة والرياضة، واتّباع قواعد الصحة المفيدة النافعة، واجتناب كل ما يؤدّي بالجسم إلى أذى وإنهاك، وإلى ضعف وخَوَر، وإلى وهن وهكذا دواليك.

وبناء السلوك بالأخلاق. يا أمتي القضية والأزمة أزمة أخلاق.

إرضاء الديان بالإخلاص، وبناء الإنسان بالعلم والإيمان والقوة والخلق الحسن.

وأما خدمة الأوطان: أتدرون الصفة التي نريد أن يكون الوطن متصفاً بها ؟ أتريدون الصفات التي يجب أن يتصف الوطن بها ؟ هذه الصفات، وهي ثلاث صفات، إن جعلنا وطننا يتصف بهذه الصفات نكون قد خدمناه وإلا عققناه، هذه الصفات هي أن يكون الوطن: حراً آمناً قوياً، تخدم وطنك عندما تجعل منه وطناً حراً آمناً قوياً.

والحرية هي منظومة، الحرية ليست معنىً متفرداً يستقل بذاته، الحرية منظومة قيم، الحرية قِوامها الصَّراحة، وقوامها الحوار، وقوامها الانضباط، وقوامها المسؤولية، إن كنت صريحاً محاوراً منضبطاً ملتزماً تستشعر المسؤولية فأنت حر، وإلا فأنت صاحب هوى.

عدت لأهوائك عبداً وكم           تستعبد الأهواء أربابها

الحرية منظومة، هل أنت محُاوِر ؟ هل أنت صريح ؟ هل أنت منضبط بالمبدأ الذي تدين به ؟ هل أنت تستشعر المسؤولية عن نفسك وعمن تعول وعن هذا الذي بجانبك ؟ إذاً أنت حر، لكنك إن لم تشعر بأنك محاور أو أنك صريح أو أنك منضبط أو أنك مسؤول فلست بِحرّ حتى لو قلت عن نفسك بأنك الحر الأول في هذا العالم، الحرية منظومة قيم، وأريد لشبابنا أن يستوعبوا هذه القضية، لقد سَألت أكثر من عشرين شخصاً، قلت لهم: ماذا تقول في تعريف الحرية ؟ هذا قال كلمة أو معنى واحداً، وذاك تردّد وتلعثم، والثالث تحدث عن حرية في الكلام فحسب، ورابع تحدث عن حرية تعني أن يفعل الإنسان الذي يريد. في النهاية قلت لهم: يا شبابنا: الحرية منظومة، الحرية سلوك يصبُّ في مصبٍّ تأتيه روافد، هذه الروافد هي: الصراحة، هل أنت صريحٌ مع أهلك ؟ هل أنت صريحٌ مع ربك ؟ هل أنت صريحٌ مع ابنك ؟ هل أنت صريحٌ مع زوجتك ؟ هل أن محاور أم أنت متبعٌ لما يسمى المسافحة وليس المصالحة ؟ هل أنت منضبط بمبادئك ؟ هل أنت تستشعر المسؤولية في داخلك ؟ إذا كنت كذلك فأنت حر وإلا فلست حراً.

نريد وطناً حراً آمناً، كيف يكون الأمن في الوطن ؟ عندما تكون وفياً بالعهد: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ وعندما تكون عادلاً يكون الوطن آمناً بصفتين اثنتين يتحلى بهما كل أفراد الوطن بدءاً من قمة الهرم وانتهاءً بالقاعدة، بدءاً من رئيس الدولة وانتهاءً بآخر فرد في هذا الوطن.

أتريدون لوطننا الأمان ؟ إذن علينا أن نكون أوفياء بالعهد وأن نكون عادلين لأن الوفاء بالعهد يفرز أماناً ولأن العدل يفرز أماناً،" عدلتَ فأمِنت فنمت".

الصفة الثالثة للوطن الذي نريد خدمته: القوة، أتريدون وطناً قوياً إذن تعاونوا على البر والتقوى، أتريدون وطناً قوياً إذن كونوا صفاً واحداً أمام عدوٍ يتربص بكم الدوائر، أمام عدوٍ يريد إذلالكم، أمام عدو يقبع في الخارج وفي الداخل يريد القضاء عليكم: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، أتريدون وطناً قوياً ؟ تعاونوا على البر والتقوى، تباذلوا فيما بينكم، تناصحوا فيما بينكم، وليقدّم كلٌ منا للآخر ما ينقص الآخر، كما قلت لكم في خطبة سابقة، التعاون أن تكون عوناً لهذا الذي يحتاج منك ما تملك، أن تكون عوناً للفقير أيها الغني، لأن الفقير يحتاج إلى بعضٍ من غناك، أن تكون عوناً للجاهل أيها العالم من خلال علمك، لأن الجاهل يحتاج إلى علمك، أن تكون أيها القوي عوناً للضعيف في بعض قوتك، لأن الضعيف يحتاج إلى قوتك، وهكذا دواليك.. ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾، أتريدون وطناً قوياً، تعاونوا، تباذلوا، تضامنوا، تناصحوا، اجتمعوا: (يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار) هكذا قال حبيبنا وقائدنا محمد عليه الصلاة والسلام كما في الترمذي. تعاونوا من أجل زراعة نافعة، وصناعة نافعة، واقتصاد متين، وتربية ناجحة، وعلم نافع، ووقفة قوية أمام العدو الَّلدود أمام إسرائيل ومن ساعدها ومن عاونها ومن وقف بجانبها، أمام تلك الحكومات الغربية التي تريد إذلال المسلمين والعرب، لا تفرق بين موالٍ ومعارِض، ولئن فرَّقت اليوم بين موالٍ ومعارض فمن أجل أن تضرب هؤلاء بأولئك، وأولئك بهؤلاء حتى إذا ما بقي نوعٌ واحد استطاعت أن تقضي على هذا الذي بقي، لأن لها منّة على هذا حسبما تزعم وتدَّعي.

فيا إخوتي، يا أيها المواطنون: اجتمعوا على البر والتقوى. مَن منكم يُنكر البر والتقوى ؟ من منكم ينكر الخير للوطن ؟ من منكم لا يريد لهذا الوطن أن يكون عزيزاً، أن يكون حراً، أن يكون آمناً ؟ من منكم أنتم يا من تعيشون في الوطن وأنتم الذين تعيشون بعيدون عن الوطن من منكم يريد أذية الوطن ؟ إن كنتم تريدون أذية الوطن فلا بارك الله بكم، نحن نرفع كلمة ملؤها إرادة الخير للوطن، خدمة الوطن، الحرص على الوطن، الحرص على الأرض، الحرص على أطفال الوطن، الحرص على أبناء الوطن، الحرص على مدارس الوطن، الحرص على كل ما يشكل الوطن، خدمة الأوطان شعارنا.

أقول في النهاية: يا أيها المواطنون جميعاً، وقد قلت في خطبة سابقة بأنني لا أعدو أن أكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ومن منطلق كوني آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر أتوجه إلى الجميع توجهاً واحداً، إلى كل أفراد الشعب، إلى كل الدولة، أتوجه إليكم جميعاً قائلاً لكم: ارفعوا شعار إرضاء الديان، بناء الإنسان، خدمة الأوطان، ولئن كنا نرى مراسيم الإصلاح تصدر فإنا نأمل أن تتوالى هذه المراسيم، والتي تصبُّ في مصبِّ إرضاء الديان وبناء الإنسان وخدمة الأوطان، نأمل أن تتوالى لتأتي على أمورٍ ما زالت مطلوبة ومطلوبٌ أن يكون فيها الإصلاح، ما زلنا نأمل بالمزيد من أجل وطنٍ حرٍ آمنٍ قوي، وتلك التي صدرت لا بدَّ أن نقول بأنها صدرت لمصلحة الوطن، فطوبى لمن وَعاها ونفذها وتحقق بها وقام بها من مختلف التوجهات من مسؤلين وشعب، من الدولة ومن الشعب، من الحكومة ومن الشعب، نفذوها بكل ما تستطيعون من قوة وجهد والله معكم، وأنتم يا مَن خرجتم، أيها المعتقلون الذين صدر بحقكم قرار العفو، هنا بلدكم، وهنا وطنكم، وأنتم إخوتنا، هيا معاً من أجل أن نعود إلى ما كنا عليه أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هيا معاً من أجل العمل لإرضاء الديان، وبناء الإنسان، وخدمة الأوطان. أسأل الله أن يوفقكم، ونشكر ذاك المرسوم الذي كان السبب في إخراجكم وفي حريتكم وتحريركم، لكننا نعاهدكم وعليكم أن تعاهدونا من أجل أن نعمل معاً تحت سقف لا أريد أن أقول تحت سقف الوطن، ولكن تحت سقف إرضاء الديان وبناء الإنسان وخدمة الأوطان، فالوطن إن لم يُرضَ فيه الديان لن يكون وطناً، والوطن إن لم يُبنَ فيه الإنسان لن يكون وطناً، والوطن الذي لا يُخدَم لا يكون وطناً، اللهم وفقنا من أجل أن نخلص في إرضائك ومن أجل أن نسعى للعلم وللإيمان وللقوة وللخلق الحسن في بناء الإنسان، ووفقنا من أجل أن نحقق لوطننا الحرية والأمان والقوة يا ربنا، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 3/6/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق