آخر تحديث: الثلاثاء 03 كانون الأول 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
إذاعة صوت الشباب تستضيف الدكتور عكام

إذاعة صوت الشباب تستضيف الدكتور عكام

تاريخ الإضافة: 2011/05/18 | عدد المشاهدات: 2327

أجرت إذاعة (صوت الشباب) لقاءً مع الدكتور الشيخ محمود عكام على هامش "مؤتمر دور القانون في تحقيق الأمن والتنمية" أجاب فيه الدكتور عكام: أسئلة واستفسارات (صوت الشباب) عن المؤتمر. وفيما يلي نص اللقاء:

إذاعة صوت الشباب: يسعدنا أن يكون معنا الدكتور محمود عكام مفتي حلب والأستاذ في جامعة حلب وهو مشارك في مؤتمر دور القانون في تحقيق الأمن والتنمية، دكتور محمود مرحباً بكم في إذاعة صوت الشباب.

الدكتور عكام: أهلاً وسهلاً وحياكم الله وأرحِّب بك وبمن معك من الضيوف.

إذاعة صوت الشباب: لدينا الكثير من الأسئلة، أولاً ما أهمية مثل هذه المؤتمرات ؟ وما الذي قدمته أنت بشكل شخصي في هذا المؤتمر ؟

الدكتور عكام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه المؤتمرات تصبُّ فيما يسمى بالتنمية الشاملة وتعميقها، والتنمية الشاملة التي لها جوانب متعددة، لها جانب ثقافي، وفكري، واجتماعي، وعملي، واقتصادي، وسياسي، وأنا كنت قد رأست جلسةً في هذا المؤتمر بعنوان: "دور القانون في تحقيق العدالة الاجتماعية" وبدأت هذه الجلسة بالتفريق بين العدل والعدالة، وقلت إن العدل هو قيمة، والعدالة هي تعاطي هذا العدل، أي ممارسة هذه القيمة، والمفروض في القانون أن يمثل العدل وينتسج بنسيج العدل وأن يكون قِوامه العدل، وإذا قام القانون على العدل فعلى المواطنين أن يتأكدوا بأن القانون ينتسج بنسيج العدل أولاً، ثم عليهم أن يؤمنوا به. وإن لم يتأكدوا بأنه يقوم على العدل وإن لم يتأكدوا من أنهم يؤمنون به فلا يمكن أن يطبقوه أو أن يمارسوه ليحققوا العدالة في تطبيقه، لأن العدالة هي تطبيق للعدل، ونحن معنيون بأن نراجع القانون بين الفترة والأخرى لنتأكد من أنه ما زال يحقق العدل ويقوم عليه، وإذا ما رجعنا إلى القانون وتأكّدنا بين الفينة والأخرى، وقلت يجب أن نرجع إلى الدستور الذي هو أبو القانون، وأن نتأكد من أن الدستور لا يزال يحافظ في مواده على العدل، وبالتالي عندما نتأكد من أن الدستور اليوم يقوم على العدل، علينا أن نتعاطى معه تعاطيَ من يطبِّق وينفِّذ حتى نحقق العدالة من خلال تطبيقنا وممارستنا ونحن نطبق هذا الدستور.

وقلت في بداية الجلسة بأن ثمة مواد في الدستور تحتاج إلى تعديل حتى يبقى الدستور محققاً للعدل، واستعرضت بعض المواد من هذا الدستور، وقلت بأن هذه المواد كانت تحقق العدل في زمن مضى، والأحكام تتغير بتغير الأزمان، وعلينا اليوم أن ننظر نظرةً تعديلية إلى الدستور، ونأخذ هذه المواد التي لم تعد تحقق العدل لاختلاف الزمان والمكان، وإذا ما عدّلنا هذه المواد فإن الناس سيتوجهون على الدستور بالتأكد من أنه ينتسج بنسيج العدل ومن أنه يقوم على العدل، وسيؤمنون به، وسيتعاطون معه التعاطي الذي يعود عليهم بتحقيق العدالة وممارستها لأن العدالة هي ممارسة.

قلت: ثمة مادة عادلة في الدستور، المادة الخامسة والعشرون، الفقرة الرابعة التي تقول: بأن الدولة تكفل للمواطنين مبدأ تكافؤ الفرص. هذه المادة تقوم على العدل وأنا أؤمن بها، لكن لا نرى تطبيقاً لهذه المادة، وبالتالي يشعر الإنسان العادي اليوم بأن هذه المادة لا تسري في المجتمع سريان التطبيق، ويشعر المواطن بأن العدالة قد انتُقصت، ويمكن أن يكون هذا المواطن مساهماً في عدم تطبيق هذه المادة، ويمكن أن يكون القائمون على الأمر هم الذين يساهمون في عدم تطبيق هذه المادة، لذلك المواطن له دور، والدولة لها دور، وعلى كلا الطرفين أن يتأكَّدوا من الدستور، من القانون، من أنه يحقق العدل، وعلى المواطن أن يتحقق ويرمي بمصالحه جانباً ويسعى من أجل أن يكون هو أول من يحقق هذا الدستور القائم على العدل، ليمتدَّ في المجتمع ويسري في المجتمع، وأنا أطبقه كمواطن على نفسي، وبالتالي أشعر بأن العدالة الاجتماعية قد مورست وتحققت من خلال تطبيق هذه المادة العادلة.

المادة الثامنة والثلاثون أيضاً تقول: بأن للمواطن حرية التعبير والرأي، وأن يعبِّر عن رأيه بحرية وعلانية، هذه مادة عادلة، ونحن مع هذه المادة، لكن لا يُتعاطى معها تعاطي التطبيق، وبالتالي العدالة الاجتماعية منقوصة لأننا لا نطبق هذه المادة العادلة سواء أكان هذا التقصير في التطبيق منبثقاً من الدولة أو من الناس، وأنا أظن أن للدولة دوراً أكبر في تحويل هذه المواد العادلة إلى واقع، عند ذلك يشعر المواطن بأن العدالة أصبحت في متناوله وأصبحت عنواناً عملياً للمجتمع، لأننا لا نريد أن نقول نحن نريد العدل، لكن علينا أن نطبّق هذا العدل في المجتمع، ومن هذا المنطلق أود من مثل هذا المؤتمر أن يشير إلى هذه النقاط: إلى النظر وإلى التطبيق، وأطالب من خلال كوني مواطناً وله اطّلاع في هذا الميدان بتعديل بعض المواد التي لم تعُد في رأيي، وفي رأي كل الخبراء والمختصين في هذا المجال لم تعُد محققة للعدل، ولم تعد قائمةً على العدل، ولم تعد تنتسج بنسيج العدل.

ومن هذه المواد المادة الثامنة، وقد تحدثنا عبر المطالب التي رفعناها للدولة، ونحن الآن بحاجة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال العدل الذي ينبغي أن يقوم عليه القانون، ومن خلال إيمان الناس بهذا القانون، ومن خلال التأكد من الخبراء بأن القانون فعلاً بحسب مواده ومفرداته يقوم على العدل ويتبنى العدل وبعد ذلك سنكون على مستوى العدالة الاجتماعية.

إذاعة صوت الشباب: دكتور محمود، تحدَّثت عن أفكار مهمة، حتى أؤمن بأن القانون قادر على أن يقدم لي الأفضل، ألا يجب أن يكون هذا القانون عادلاً فاعلاً على أرض الواقع، يُطبَّق دون أن يكون هناك استثناءات، ألا ترى معي بأن هذه الشروط يجب أن تكون متوفرة في القواعد القانونية، وهل تراها متوفرة في أغلب القوانين الموجودة لدينا ؟

الدكتور عكام: أنا منذ أكثر من شهرين وإلى اليوم أقرأ الدستور السوري مادةً مادة، باعتبار أني مبادر إلى الدستور قبل القانون، لأن الدستور هو أبو القانون، وأنا استعرض الدستور مادةً مادة وأنظر هل تقوم هذه المادة على العدل، هل هذه المادة تقوم على خدمة المواطن، هل هذه المادة تحقق العدالة الاجتماعية المنشودة للإنسان ؟! فعلاً كنت أمرُّ على بعض المواد فأراها عادلة إلى حدٍ كبير، لكن المشكلة الآن أنني أمر على بعض المواد التي لا أراها تتناسب والعدل المنشود عند الإنسان في أيامنا هذه حسب التغيرات الزمانية والمكانية، وأنا الآن أطالب القانونيين والدستوريين والجهات القضائية أن تعكف عكوفاً صادقاً على دراسة هذا الدستور من أجل أن يبينوا ما فيه من ثغرات تتنافى والعدل المطلوب، والعدل معروف في ضمير الإنسان، وقلت اليوم لعل أحداً يسألني عن العدل وتعريفه، العدل هو مركوز في دواخلنا، ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن البِرّ، والبر تشخيص من تشخيصات العدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل ويدعى وابصة: "يا وابصة، استفتِ قلبك، واستفتِ نفسك" ثلاث مرات، "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". كل إنسان منا يعرف أن هذا الأمر عدل حينما يتخلى عن مصالحه إلى مبادئه، وحينما يتخلى عن تقاليده إلى تعاليمه، نحن بحاجة اليوم، وخاصة الخبراء الذين سينظرون في الدستور، أن يضعوا الميزان التالي: هل هذه المادة هي تحقق مصالح أم لا.

إذاعة صوت الشباب: هل أجد في كلام الدكتور محمود دعوة إلى حوار قانوني يمتدّ على مساحة الوطن من أجل إعادة النظر في أغلب التشريعات القانونية ؟

الدكتور عكام: هذا مطلب ليس في هذا الوقت فحسب وإنما في كل الأيام، ويجب علينا بين الفينة والأخرى، وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" فما بالك بأمر دستورها، بأمر قانونها ؟ إذا كان الدين يحتاج للتجديد في كل مئة سنة، فالقانون والدستور أظن باننا بحاجة إلى أن نجدده ما دمنا قد دعينا إلى تجديد أمر الدين من قبل نبينا صلى الله عليه وسلم. ونحن بحاجة إلى أن نجدد أمر دستورنا وقانوننا، وأنا أطالب، سواء أكان هناك حوار وطني يُدعى إليه أم لم يكن، أنا أطالب كل مختص في القانون والدستور والقضاة، وأكنت أردد دائماً، أقول لهؤلاء: عليكم أن تعكفوا على دراسة الدستور والقانون، وكل واحد يقدّم مشروعاً تجديدياً للقانون الذي ينتمي إليه ويطبّقه، علينا أن يقدِّم كل واحد منا مشروع قانون تجديدي، وعليهم أن يجتمعوا ليتحدثوا عما بينهم من تقاطعات في هذه المشاريع، ويقرون التقاطعات التي اتفقوا عليها، والمواد التي لم يُتفق على تجديدها بحاجة إلى محاولات أخرى ليكون متفقاً عليها من أجل تجديدها وإعادة صياغتها. وأنا أريد أن أسأل أي فرد في المجتمع: هل تشعر بالعدالة الاجتماعية ؟ حينما أسأل مئة شخص فيقول لي أكثر من خمسين أو ستين لا أشعر بالعدالة بغضّ النظر فيما إذا كان هو قد أسهم في عدم وجود هذه العدالة أو كان غيره، المهم أنا أريد أن أسأل عينّة عشوائية: هل تشعر بالعدالة الاجتماعية تخيم على مجتمعنا ؟ على قطرنا ؟ إن قال نعم أو لا. سأقول: ما السبب ؟ ومن الذي أسهم في جعل مجتمعنا لا يتَّسم بسِمة العدالة الاجتماعية ؟ وسآخذ رأيه بالاعتبار، وسأقوم بجمع هذه الآراء، وبالتالي سأصل إلى دراسة واقعية مأخوذة من الواقع، وسأبين للناس منطلقات العدالة الاجتماعية، وقلت عن أسس العدالة الاجتماعية بأنها تبقى باستمرار ما بقي الإنسان وما بقيت الدولة والمجتمع، ثمة منطلقات ينبغي ألا تغيب عن بالنا عندما نرى هذه الأسس تخيم على المجتمع، عندها نحكم على المجتمع بأنه مجتمع يتصف بالعدالة الاجتماعية، هذه المنطلقات أنا حصرتها في أربعة منطلقات:

المنطلق الأول: علينا أن نعمق فكرة الواجب، وأن نُفهِم الإنسان بأن يتعرَّف على الواجب، وأن الواجب هو أساس الحق، والمشكلة السلبية التي طغَت على مجتمعنا اليوم هو أن الواحد منا أصبح يبحث عن حقوقه قبل أن يبحث عن واجباته، لذا علينا أن نُعمِّق فكرة الواجب. لو سمينا كليات الحقوق بكليات الواجبات حتى ننبه الناس إلى واجباتهم قبل أن ننبههم إلى حقوقهم.

والمنطلق الثاني: علينا أن نعمل على وقاية المجتمع من المرض الاجتماعي الذي هو الأنانية، لأن الأنانية تقضي على العدالة الاجتماعية، فإذا وُجدت الأنانية لن تكون هناك عدالة اجتماعية شئنا أم أبينا، هذه الأنانية سواء أكانت في الجهة الحاكمة أو المحكومة، لا فرق بين هذا وذاك، الأنانية تقديم المصالح على المبادئ، وعند ذلك لا عدالة اجتماعية ولا عدل.

المنطلق الثالث: أن تكون هنالك موازنة عادلة بين سيادة المجتمع واستقلال الفرد، الفرد له استقلاله وله حريته وتعبيره، وهنالك سيادة للمجتمع، ولم أقل سيادة للقانون، بل سيادة المجتمع بآدابه وأخلاقه، بكل ما يتعلق بهذا المجتمع المطلوب المنشود الذي يتمتع بالآداب العامة، بالأخلاق والصدق والأمانة، الموازنة بين سيادة المجتمع واستقلال الفرد، فلا طغيان على الفرد لصالح المجتمع، فإذا كان ثمة طغيان من المجتمع على الفرد فهذا يعني أن ثمة أفراداً في هذا المجتمع يطغون بمصالحهم الخاصة على حساب المجتمع، وبالتالي لا يمكن للمجتمع أن يطغى على الفرد، إذا كنا نتحدث عن المجتمع فالمجتمع هو الذي يرحم الفرد، وهو الذي يقدم للفرد، وهو الذي يكرّم الفرد، حينما نرى أن المجتمع يطغى على الفرد واستقلاليته وحريته وتعبيره، عندها نقول أن ثمة خللاً في هذا المجتمع، أي فيمن يقود هذا المجتمع، وفيمن يُقنّن لهذا المجتمع، وفيمن يطبّق قانون هذا المجتمع.

المنطلق الرابع: الوفاء بالعقود، علينا أن ننظر إلى هذا المجتمع هل يفي بعقوده، المجتمع المتحقق بالعدالة الاجتماعية مجتمع وفيّ، يفي بعقوده الاجتماعية كلها، التي تحفظ للفرد حريته وكرامته وماله وعرضه، فالمواطنة عقد، والجوار عقد، والمساكنة عقد، إذا لم يكن المواطن آمناً من المواطن الآخر فلا يمكن أن نتحدث عن عدالة اجتماعية، إذا لم يكن الجار آمناً من جاره: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يامن جاره بوائقه" لا يمكن أن نتحدث عن عدالة اجتماعية إذا لم يكن هذا المواطن الذي بجانبي يختلف عني ديناً أو مذهباً أو فكراً، إذا لم يكن آمناً مني، وإذا لم أُعطِ هذه المواطنة حقَّها، وإذا لم أعطِ المواطنة حقَّها التي هي عقد اجتماعي، فلا يمكن أن نتحدث عن عدالة اجتماعية، العدالة الاجتماعية هي ممارسة لهذه المنطلقات التي تحدثنا عنها وعلى القوانين والدساتير أن تراعي هذه المنطلقات وهي تقنون على كل الدساتير أن تراعي هذه الأمور التي تحدثت عنها والتي هي مستخلصة من المجتمعات المختلفة، نحن نأخذ روح المجتمعات الإنسانية، لأن ثمة تشابهاً بين المجتمعات لأن موضوعها الإنسان، والإنسان هنا لا يختلف عنه هناك، من حيث تكوينه ومن حيث حريته وكرامته، لا فرق بين كرامة المواطن في سورية وبين آخر في بلد آخر غربي أو شرقي، هذه المنطلقات ينبغي أن تكون في أذهان أولئك المختصين الذين يكتبون الدستور والقانون، وأنا وضعت هذه المنطلقات واستخلصتها من دساتير قديمة وحديثة، ومن القرآن الكريم، استخلصت هذه المنطلقات التي إذا ما كانت عنواناً لمجتمعٍ ما فهذا المجتمع سيكون عندها مجتمع العدالة الاجتماعية المنشودة، وإذا لم يكن هذا المجتمع معنوناً ومطبقاً لهذه المنطلقات فلا يمكن أن نتحدث، وأنا قلت اليوم: القرآن الكريم دستور عادل بلا شك، لكن لا يمكن ان نقول عن المسلمين اليوم بأنهم ينتسبون إلى العدالة الاجتماعية في حياتهم التي يعيشونها على الرغم من أن لهم كتاباً لا أصلحَ ولا أعدلَ منه، لكن هؤلاء لا يتعاملون مع القرآن تعامل المطبق والمنفّذ، وإنما يتعاملون معه بادِّعاء فقط، وربما وصل الأمر إلى تحوير القرآن ليصحح فعله الخاطئ.

إذاعة صوت الشباب: إذا كان الإنسان يُحوّر القرآن فما أسهل أن يحور مادة قانونية وضعها إنسان مثله.

الدكتور عكام: لذلك نقول للناس: أنتم مسؤولون جميعاً، وأرى إنساناً عادياً ينتسب للعدالة الاجتماعية أكثر من الذي يتسلم منصباً كبيراً، أو يقوم في التدريس في الجامعة، أرى إنساناً بسيطاً يراعي جاره، يطالب نفسه بواجباتها قبل أن يطالب الآخرين بحقوقه، أرى إنساناً بسيطاً قد انخلع من ربقة الأنانية والأثرة، وتحلَّى بلباس الغيرية والإيثار، وأرى إنساناً بسيطاً يقدّم مصالح المجتمع العامة على مصالحه الخاصة، فأقول هذا يتسم بالعدالة الاجتماعية وهذا أولى من الذي يُنظِّر ثم بعد ذلك ينعتق من هذا التنظير الذي نظِّره هو نفسه من خلال اتباعه لمصالحه ولنزواته وللأمور التي تهمُّه شخصياً، وإذا كان الناس يتحايلون اليوم على القرآن الكريم، فمن باب أولى أن يتحايلوا على الدستور، ولعلَّ الفرق بين القرآن والدستور أن القرآن مُحَكم، مُصلِح لكل زمان ومكان، والناس يتحايلون عليه، نحن حيال الدستور مُطالَبون أن نتأكد من أن الدستور لا يزال يتمتع بالعدل من خلال مواده وفقراته، ونأمل أن يُدرس الدستور من خلال المختصين قبل أن يُطرح على الناس للاستفتاء عليه، وأن يُطرح عبر وسائل الإعلام، وبعد أن يُعلن الناس، بعد استفتاء الناس وموافقتهم على هذا الدستور عند ذلك نقول لهؤلاء: ما لكم خالفتم ما آمنتم به، ولم تطبقوه نتيجة انجرافكم وراء مصالحكم وتقاليدكم التي تخالف تعاليمكم والتي تخالف مبادئكم ؟ علينا أن ننطلق من الكلمة نتأكد من أنها عادلة، ننطلق من المصطلح وأنه عادل، ثم بعد ذلك ننطلق من علاقة الناس بهذه الكلمة وانهم آمنوا بها. لما نزلت آية تحريم الخمر على المسلمين في العهد النبوي الأول وقال الله لهم: (فهل أنتم منتهون) ؟ قالوا: انتهينا يا رب، وسفكوا هذه الخمور التي كانوا يشربونها حتى سالت شوارع المدينة أياماً بهذه الخمور، لأن هؤلاء لم يقولوا انتهينا إلا بعد أن تأكدوا وآمنوا بأن هذا الذي يسمعونه من الرسول بأنه عادل وأنه يريد الخير بهم، وهم بعد ذلك أعلنوا الإيمان به من قلبهم، فلما قال لهم الله هل أنتم منتهون ؟ قالوا انتهينا يا رب وتحققوا بالتطبيق، وتحققوا بالعدالة يوم نفّذوا العدل الذي كان في تلك الآية.

ونحن اليوم في كليات الحقوق والشريعة علينا أن نقول للناس: أيها الناس اقرؤوا دستوركم الذي يجب أن تطبّقوه، ثم إن رأيتم عليه ملاحظات فقدموها لنا، وهذه الملاحظات ينبغي أن تكون ملاحظات موضوعية لا ملاحظات تابعة لمصالحكم.

عنوان المؤتمر الذي نحن بصدده في هذه الأيام في كلية الحقوق هو: "دور القانون في الأمن والتنمية"، ولقد قلت: الأمن عبارة عن وسيلة ومبدأ، لكن الأمن يجب أن يفرز أماناً، إذا لم تكن الوسيلة والمبدأ يفرز أماناً، فالأمان حالة أشعر بها وأعيشها، إذا لم يكن الأمن منطقياً وذا وسيلة مشروعة فلا يمكن أن أشعر بالأمان، وبالتالي دور القانون في الأمن، والأمن ينبغي أن يسبقه عدل، ولذلك قال مَن قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عدلتَ فأمنتَ فنمت". فدور القانون في تحقيق العدل، ثم بعد ذلك العدل يؤدي إلى الأمن، والأمن يؤدي إلى التنمية، والتنمية شاملة تتناول جميع جوانب الحياة، الاقتصادي والتربوي والفكري والاجتماعي.. وأنا أقول لطلاب كلية التربية على الإنسان في التنمية التربوية أن يكون صاحب مشروع عظيم، ومن هنا كنت أقول لطلابنا في كلية التربية: اكتب ما مشروعك أنت الذي ترغب في تحقيقه ؟ إن لم يكن المشروع عظيماً يتناسب وعظمة هذا الإنسان الذي أودع الله فيه سرّه: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) فما مشروعك العظيم ؟ أنا أرى أن بعض الشباب يقولون أنا مشروعي أريد الحرية. نعم كلنا يريد الحرية لكن ما أعددتَ لها ؟ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له أسألك الجنة، قال وما أعددتَ لها ؟ أنت تريد الحرية ما أعددتَ لها ؟ أين مشروعك لتحقيق الحرية، وما تعريف الحرية التي تريد تحقيقها ؟ على الإنسان أن يكون صاحب مشروع عظيم وإلا فنحن غثاء كغثاء السيل كما ورد عن الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم.

إذاعة صوت الشباب: فتحتَ لنا الكثير من الأبواب، ونطمع باستضافتك لساعاتٍ وساعات، أشكركم على هذا الربط الجميل بين الأفكار، شكراً جزيلاً للدكتور محمود عكام، ونأمل أن تكون معنا في الاستديو في حلقات مقبلة.

الدكتور عكام: أشكركم جداً، وأنت تعلم أني من الأشخاص الذين يقدّرون جهد عبد المؤمن الحسن الطيب، وأنا أقولها شهادة لله بأنك شابٌ تسعى لخير الوطن والبلد بوفاء وأمانة وإتقان وفهم ونبل، وفق الله الجميع لخدمة الخير والحق أينما كان.

إذاعة صوت الشباب: شكراً جزيلاً الدكتور محمود عكام مفتي حلب، والأستاذ في جامعة حلب، تحية كبيرة لك والتوفيق أتمناه لكم فيما تقدمونه.

أجرى اللقاء: عبد المؤمن الحسن

التعليقات

شاركنا بتعليق