آخر تحديث: السبت 07 كانون الأول 2019
عكام


مـــــــــؤتمرات

   
ندوة حوارية حول كتاب / النبع الغزير في ترجمة الشيخ جاكير

ندوة حوارية حول كتاب / النبع الغزير في ترجمة الشيخ جاكير

تاريخ الإضافة: 2011/06/21 | عدد المشاهدات: 3457

أقامت مديرية الثقافة بحلب ندوةً حوارية حول كتاب "النبع الغزير في ترجمة الشيخ جاكير" يوم الثلاثاء 21/6/2011 في دار رجب باشا، شارك فيها الدكتور الشيخ محمود عكام، والشيخ ربيع حسن كوكة مؤلف الكتاب، وأدارها الأستاذ غالب البرهودي مدير الثقافة بحلب‏.

وقدم الدكتور عكام مساهمة بين فيها أن الشيخ جاكير عَلَمٌ من أعلام العلم والتصوف ممن احتضنتهم حلب وحَنَت عليهم، وكانت لهم وكانوا لها، ونحن إذ نشـخص ونجسّـد فإننا نلفت الانتبـاه إلى هذا الذي تناولـه الباحث كوكة بالدراسـة والبحث، وفيما يلي نص المساهمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الشكر الجزيل والوفير والغزير لمديرية الثقافة ممثلة بمديرها الأستاذ غالب البرهودي وكل العاملين فيها، فكل العاملين في هذه المديرية يسعون من أجل ثقافة بنَّاءة تتّسم بالإنسانية، والإنسانية تعني رحمة، بل تعني منتصف الطريق إلى الرحمة، الإنسان ذو مراتب ثلاث: بشر، إنسان، رحموي. البشرية هي المادة الخام للإنسانية، يرتقي البشر فيكون إنساناً ويرتقي الإنسان فيكون رحمة، الإنسان أعلى من البشر: (إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) قبل أن ينفخ الله في هذا الإنسان من روحه كان بشراً من طين، فلما نفخ الله فيه صار إنساناً، صار يتّصف بالعقل والعدل، ثم ارتقى فصار رحمة، ونحن نأتي بمثال على هذا الرقي هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالله عز وجل قال عنه: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين) لم يقل رحيماً بل قال رحمة، فالبشرية في هذا الرسول استُغرقت في إنسانيته، ثم استُغرقت إنسانيته في رحمويته، وهو يقول عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة".

أريد أن نبحث في أنفسنا فيما إذا كنا قد ارتقينا من البشرية إلى الإنسانية، ومن الإنسانية إلى الرحموية، وقد آن الأوان ونحن نعيش الآن أزمة من أجل أن يفحص كل منا نفسه: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين) ارتدّ هو إلى البشرية، بل أدنى منها، وكما قال القرآن أيضاً: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) ارتدوا إلى أقل من البشرية، لأن البشر مشروع إنسان، أما هذا الذي ارتدّ من الإنسانية إلى البشرية فقد أضحى أقل من البشرية لذلك: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل).

لذلك نشكر هذه المديرية التي تسعى من أجل أن ترقى بالإنسان من مستوى البشرية إلى الإنسانية إلى الرحموية، ونأمل من جميعنا أن نعيش هذا الارتقاء من خلال المحاسبة والمراقبة من أنفسنا على أنفسنا. ليكن كلٌّ منا مراقباً نفسه صباح مساء: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم"، لنكن على بينة من أمرنا، وبالتالي إذا كنا على بينة من أمرنا أتعتقد أننا سنتجاوز كل محنة يمكن أن تمرّ بنا.

أنا أمام هذا الكتاب الذي شرفت في أن قدمت له، لأخي الشيخ ربيع حسن كوكة، اليوم قلت بيني وبين نفسي هل سأقرأ المقدمة التي سجّلتها في مستهل الكتاب، أم سأعلق تعليقاً من قريب أو من بعيد ؟ اخترت الثانية وكتبت هذه الكلمات:

الإنسان كلٌ متكامل وعالم كبير عظيم شامل، أيها الإنسان أنت كبير، أيها الإنسان أنت مَنْ أسجد الله له ملائكته، أيها الإنسان أنت الخليفة، أيها الإنسان أنت عظيم، أيها الإنسان اربأ بنفسك أن تنحدر، أن تهوي.

الله عز وجل يقول: (الحمد لله رب العالمين)، وبالنسبة لي أنا أفسّر العالمين بكل إنسان منا هو عالم بذاته.

أتحسب أنك جرمٌ صغير              وفيك انطوى العالم الأكبر

أنت عالم، والحمد لله رباً العالمين، أي مربي العالمين أي الناس، لأن كل إنسانٍ منا عالم، فكل واحد فيكم عالم، وعلى العوالم أن تتواصل فيما بينها ومن غير أن تكون الصفات المكتسبة عوائق، وعلى العوالم أن تتواصل فيما بينها عبر المشتركات ليفيد بعضهم من بعض، فمشتركاتنا: عقلٌ وقلبٌ ونفسٌ وروح.

أقول التوجه الأكبر نحو واحدٍ من هذه المكونات يختلف من عالم إلى عالم، من إنسان إلى إنسان، أنت توجهك الأكبر إلى العقل، وأنا توجهي الأكبر إلى القلب، فالشيخ جاكير توجّهه الأكبر عناية ورعاية على القلب، والخطّ الموازي له كان توجهه الأكبر عناية ورعاية على العقل، أما النفس فهي وظيفة كبرى هي مجموعة الوظائف، فالأذن وظيفتها السمع، والعين وظيفتها البصر... مجموعة هذه الوظائف هي النفس, لذلك الموت يرد على النفس وفي القرآن: (كل نفس ذائقة الموت) الموت يرد على الوظيفة: (ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله..) وأما الروح فهي المدد الإلهي: (ونفخت فيه من روحي) مثل الكهرباء فعندما تُسحب من جهازٍ ما لا يتعطل وإنما لا يعمل، فنحن الآن نعيش بالمدد الإلهي فهناك إيجاد وهناك الإمداد: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) أصحاب العقل وأصحاب القلب، أصحاب القلب في المسيرة الصحيحة وفي المسيرة غير الصحيحة، وأصحاب القلب في المسيرة الصحيحة وفي المسيرة غير الصحيحة.

الشيخ جاكير واحدٌ من الفئة الأولى ممن توجه التوجه الأكبر للقلب، عني الشيخ جاكير بالقلب من أجل أن يبقى مسكناً نظيفاً طاهراً للرب، ولذلك أخذت هذه الكلمة من كتاب أخي الشيخ ربيع يقول الشيخ جاكير: "فمن شاهد الحق جل وعلا في سرّه سقط الخلق من قلبه وبقي واستقر ربه".

ما الصوفية في رأيي ؟

الصوفية ثلاث قواعد:

القاعدة الأولى: التصوف: قلب ورب يصل بينهما حُب. ونعرف أن الحب وصل القلب بالرب من خلال الطاعة والامتثال ومن خلال الشغل والانشغال، منشغلٌ بربه عن سواه.

القاعدة الثانية: التصوف إحسان، والإحسان أسلوب أمثل في أداء ما وجب عليَّ أداؤه من قول أو فعل، "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وأنت تقوم بإحسان أداء القول والفعل عندما تشعر بأنك مُراقب، فأنا عندما أريد أن أتناول الطعام على سبيل المثال أمام إنسانٍ ما فإنني أقوم بإحسان تناولي للطعام، فالإحسان أسلوبٌ أمثل في أداء الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع مراقبة الإنسان ربه، "فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

القاعدة الثالثة: الصوفية سكرٌ وذكر، والذكر هو استحضار، فأنا أذكر كي أستحضر، فإذا استحضرت استعنت بالمستحضَر، وإذا كنت دائماً أذكر وبحضور فهذا الذي أذكره سيغدو أنا: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها" وفي رواية ضعيفه: "فإذا أحببته كنته".

والسكر: غيابٌ عن السِّوى، ما ثمَّ إلا هو، لا يرى إلا الله، قال رجل لسيدنا الإمام علي رضي الله عنه ما نظرت شيئاً إلا رأيت الله قبله، وقال له آخر ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله بعده، وقال الإمام علي: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله قبله وبعده وعنده.

هذه تعليقات على الشيخ جاكير، وهذا الكتاب يصب في مصبّ الحديث عن شخصية صوفية كان لها أثرها العرفاني والسلوكي، لأن التصوف عرفان وسلوك، فمنهم من اشتغل بالعرفان ومنهم من اشتغل بالسلوك ومنهم من اشتغل بالعرفان والسلوك معاً، والشيخ جاكير اشتغل بالعرفان والسلوك وكان السلوك قد غلب عليه، والشيخ ربيع كوكة جزاه الله كل خير قدم هذا الرجل من أجل أن يكون بالنسبة لنا قدوة، ونحن نحتاج إلى الصوفية نحتاج إلى قلب مطمئن بعلاقته مع الله عز وجل، إن لم بك غضبٌ علي فلا أبالي، نحتاج في الأزمات والمحن إلى هذه اللمعة التي تجعل منا إنساناً يتطلع على الواحد الأحد، نقول:

فإن رضيتم فيا عزي ويا طربي                  وإن أبيتم فمن أرجوه غيركم

ضاعت بوصلتنا، أين نضعها ؟ ضعها عند ربك عز وجل، ماذا وجد من فقدك وماذا فقد من وجدك ؟! إن وجدت الله وجدت كل شيء، وإن فقدت الله فقدت كل شيء: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

أخيراً: هذا الرجل فاضل، أخي الشيخ ربيع يتمتع بالفضل، وباحث ومحب للخير ومحب لوطنه ومحب للقيم التي تحتضن الوطن، هذا الرجل أنموذج جيد أسأل الله أن يزيده وأن يمتعه أكثر فأكثر، أن يمتع عقله بالمعرفة, وأن يمتع قلبه بمحبة الله، وأن يمتع جوارحه بطاعة الله، وأن يمتع جسمه وجسده بعافية من الله عز وجل، رجل فاضل باحث نشيط يحب الله ورسوله يسعى من أجل أن يرتقي من البشرية إلى الإنسانية إلى الرحموية يعيش علاقة طيبة مع الله ومع الناس، يسعى من أجل أن يشخِّص قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" وفقكم الله جميعاً وأيدكم الله ووفق هذا الوطن وحماه ورعاه وجعله في عين عنايته ورعايته، اللهم إنا نسألك لوطننا هذا الحماية والرعاية ولأبنائه الحماية والرعاية، وطننا غالٍ، ووطننا عزيز، ووطننا جميل، ووطننا نحرص عليه أشد الحرص، وقد كتبت في كتاب إهداء إلى وطنٍ عشقته لأنه سورية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يذكر أن الكتاب يقع في 250 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة بمحورين، وفصلين ترجم في الأول للشيخ جاكير تناول فيه اسمه ونسبه وأطوار حياته... وفي الثاني تحدث عن جامع الشيخ وموقعه الجغرافي، والنشاطات الدينية والعلمية المقامة فيه.‏‏

التعليقات

شاركنا بتعليق