آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
بينات النفاق وبراهينه

بينات النفاق وبراهينه

تاريخ الإضافة: 2012/01/13 | عدد المشاهدات: 2683

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحمى أوطاننا من مكروه وسوء.

أيها الإخوة:

كنت قد تكلمت منذ أسابيع عن المؤمنين والكافرين ثم جاءني من قال لي: وأنا أعلم أن هناك فئة أخرى ذكرها القرآن الكريم وهي المنافقون فهلا تحدثت عنها ؟

فقلت لهذا المتحدث حسناً سيكون ذلك في خطبة قادمة، وها أنذا أحدثكم عن هذه الفئة التي أرجو الله عز وجل أن يصلحها، فإن لم تُصلَح فأرجو الله عز وجل أن يطهّر مجتمعنا منها.

المنافق هو ذاك الذي يُظهر الخير ويُضمر الشر، أو هو ذاك الذي يظهر الإسلام ويُضمر الكفر، هو الذي يظهر الحب وفي داخله بغضاء، هو ذاك الذي يتربص بك.

يعطيك من طرف اللسان حلاوة     ويروغ منك كما يروغ الثعلب

هؤلاء قال عنهم ربي عز وجل: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذابٌ أليم﴾ هؤلاء هم الذين قال عنهم ربي هذا.

أصل هؤلاء المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ما قاله القرآن الكريم: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يرودن إلى عذاب عظيم﴾ سنعذبهم مرتين لأنهم منافقون، لأنهم مخادعون، لأنهم خدعوا ولبَّسوا على الناس، وبالتالي سنعذبهم مرتين.

نحن إذ ذكرنا في الأسابيع الماضية صفات المؤمنين وصفات الكافرين وأسمينا الصفات بينات، واليوم وقياساً على الهيكل في الخطبتين السابقتين، فها نحن نتحدث عن بينات وعلامات المنافقين، تحدثنا عن علامات المؤمنين وكيف يمكنك أن تتحدث عن المؤمن من خلال بيناته وعلاماته ولا سيما إذا أردت ان تتعرف على نفسك هل أنت مؤمن أو لا، وذكرنا في خطبة لاحقة بينات الكافرين والكفر، وكيف تتعرف على أولئك الذين كفروا من خلال البينات التي يقدمونها عبر تصرفاتهم وأعمالهم وأحوالهم.

واليوم ما هي بينات المنافقين، وما هي دلائلهم، وما هي علاماتهم، وما هي البراهين التي يقدمونها من حيث يشعرون أو لا يشعرون، والتي تدلل على نفاقهم ؟ بينات المنافقين هي التالية:

البينة الأولى: المكر والخديعة، ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ يخدعونك، يظهرون أمامك بغير الحقيقة التي هم عليها، يُلبِّسون عليك، يحاولون أن يظهروا أمامك على غير الصورة التي يكونون عليها عندما تغيب عنهم، يقولون السلام عليك بلسانهم، لكن قلبهم لا ينطق بالسلام عليك، يقولون لك إنهم يحبونك لكنهم في دواخلهم قد مُلئوا كرهاً، الخداع صفة أولى وبينة أولى للمنافقين، وانظر نفسك وانظر حقيقتك هل أنت ممن يخادع، هل أنت ممن يجامل ووصلت بمجاملتك في النهاية إلى النفاق، إذ أن طريق النفاق ربما كان المجاملة، يبدأ الأمر مجاملة، ثم يغدو مداهنة، ولا أقول مداراة، ثم يغدو نفاقاً، وفي عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصل المنافقين ما قاله الله عز وجل كما قلت لكم عن الأعراب وعن بعض أهل المدينة الذين مردوا على النفاق وكان الزعيم عبد الله بن أبي بن سلول، وكان يُرشِّح نفسه لرئاسة المدينة قبل أن يهاجر إليها النبي، فلما هاجر إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستلم رئاسة المدينة بجدارة وقبول من الناس آنذاك قام هذا رأس المنافقين من أجل أن يدبِّر ويخادع ويخدع. البينة الأولى للنفاق: المكر والخديعة.

البينة الثانية: أربعة أمور: خيانة الأمانة، والكذب في الحديث، ونقض العهد، والفجور في الخصومة: ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) وها أنذا أتوجه إلى أبناء وطني: تحققوا من أنفسكم، ولنتحقق من أنفسنا، فلربما كانت فينا خصلة من النفاق من غير أن نشعر وأنا أخاف أن تقوى هذه الخصلة وأن تستجلب الخصال الثانية الأخرى بعدها ليتحول الواحد منا إلى منافق خالص تكاملت فيه أوصاف المنافقين، إذا اؤتمن خان: يا أصحاب الأمانات، يا من اؤتمنت على شيء ما، صغر هذا الشيء أم كبر، هل أنت تقوم بالأمانة فيما اؤتمنت عليه، والكلام موجه إلى أكبر إنسان وأصغر إنسان من حيث المكانة والمسؤولية والمنصب، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، هذه هي البينة الثانية بخصالها الأربع.

أما البينة الثالثة: التخلف عن الجهاد ونصرة المظلوم: عندما دُعي المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد بالكلمة أو بالمال أو بالنفس وإذ بهؤلاء يقولون بكل صفاقة إن بيوتنا عورة، لكن القرآن الكريم كذَّبهم: ﴿يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً. ولو دُخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبسوا بها إلا يسيراً﴾ ولو دُخلت عليهم من أطراف بيوتهم من أجل أن يخاصموا المسلمين لآتوها، لأتوا إلى مخاصمة المسلمين، أما إذا دُعوا إلى مجاهدة الكفرة المجرمين فإنهم يحتجون بأن بيوتهم عورة: ﴿وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً. ولو دُخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبسوا بها إلا يسيراً﴾ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لكنهم غدروا بعهدهم وهذا من صفاتهم، التخلف عن الجهاد ونصرة المظلوم بينة ثالثة من بينات المنافقين، التخلف عن نصرة المظلوم، جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تُودِّع منهم) وأنا أريد ألا نقصر هذا الأمر على شخص أو منصب ما بل الكل منا معني، ربما رأيت الشيخ وهو ظالم فأنت تهابه أو تخاف أن تقول للشيخ بأنه ظالم فقد تُودع منا، كثيراً ما يحدث أني أخاف من صديقي أن أقول له رأيي وهذا الرأي قابل للأخذ والعطاء - كما قلت لكم - أصبحنا لا نجرؤ أن يقول الواحد منا لصديقه بأنه ظالم فما بالك بالأكبر والأعلى والأكثر ؟ إذا كنت لا أستطيع أن أقول لك وأنت تصلي بجانبي إن أخطأت أو ارتكبت ظلماً إنك ظالم، أصبح كلنا يخاف من كلنا وأصبح كلنا ترتعد فرائصه من كلنا، حتى الأب أصبح يخاف من ولده إذا ظَلَمَ ولدُه أي إذا كان الولد هو الظالم، أصبح الأب يخاف أن يقول لولده أنت ظالم، سكننا الخوف والرعب وأصبح الولد يخاف من أبيه وأصبح الأستاذ يخاف من تلميذه وأصبح التلميذ يخاف من أستاذه، نتظالم فيما بيننا ولا يقول بعضنا لبعض بأن بعضنا ظالم، التخلف عن نصرة المظلوم بينة منافق، يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود: (ما من امرئ يخذل مسلماً في موضع يُنتقص فيه من عرضه أو يُنتهك من حرمته إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) التخلف عن نصرة المظلوم والجهاد بينة من بينات المنافق، وأنا أريد ان أؤكد لنفسي ولكم لا نريد لظالم مهما كان إلا أن نقول له انت ظالم، لأن الظلم رذيلة الرذائل، وأنا أعني ما أقول، أتوجه إلى الجميع من أجل أن يتوجه الجميع للجميع، أصبحنا نخاف نحن الذين نصلي هنا نخاف من بعضنا، أصبح الأجير يخاف من معلمه أن يظلمه، وأصبح العامل يخاف من صاحب المعمل أن يظلمه، وأصبح صاحب المعمل يخاف من عامله ومن ظلم عامله له، وأصبح صاحب المتجر يخاف من أجيره أن يقوم بظلمه والتعدي عليه، ولذلك لما ظلمنا تخلفنا عن نصرة المظلوم، ولو أننا عدلنا وعدل كلٌ منا في بيته وأسرته وعمله وسوقه وفي كل مكان يكون فيه لو أنه عدل لهبَّ إلى نصرة المظلوم، فلا نصرة لمظلومٍ إن كنتَ ظالماً، فلنتب إلى الله من ظلم ولنتب إلى الله من تقصير ألمَّ بنا، فلنتب إلى الله من ظلم وقعنا فيه ظلمنا فيه أنفسنا أولاً وظلمنا فيه أخانا ثانياً وربما ظلمنا الجماد والحيوان ثالثاً وربما ظلمنا ذاك الذي يُسمى عدواً حتى العدو ينبغي ألا تكون ظالماً له: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ نحن أمة العدل.

وأقول أخيراً: أتريدون السلام ؟ أتنشدون السلام ؟ لا سلام بغير عدل، إن لم يسد العدل فلن تلقوا السلام لأن السلام مولود العدل الوحيد، لن يولد السلام إلا من رحم العدل ولن يأتي السلام إلا إذا عمَّ العدل والعدل مطلوب من كلنا تجاه كلنا، ومطلوب منك أنت أيها الإنسان تجاه نفسك، هل أنت عادلٌ مع أعضائك ؟ أم أنك تتعدى على أعضائك، تتعدى على يدك لأن يدك تكون في مكان يكون فيه ظلم، فيه اعتداء، فيه خدش للعدالة، فهل أنت عادل مع رجلك، ورجلك أراها تمشي في قضية ظالمة، وتمشي في متابعة الظالم وتمشي مع الظالم، أفيجوز هذا ؟ وتحتجّ بعد ذلك بأنك تريد أن تعيش، لا، نحن نريد أن نعيش، لكن لا نريد أن نعيش وبعد العيش إلى عذابٍ أليم، نريد ان نعيش كراماً في الدنيا، لنعيش فالحين في الآخرة، ومن لم يكن كريماً في الدنيا كريماً بالدلالة الإسلامية البينة الواضحة لن يكون فالحاً وناجحاً في الآخرة.

أذكر نفسي وإياكم بالتمحيص لأنفسنا هل نحن على قدرٍ ولو كان هذا القدر بسيطاً من النفاق ؟ فلنتأكد، هل نحن مكّارون ؟ هل نحن خادعون ومخادعون ؟ هل نحن ممن ينقض العهد ؟ هل نحن ممن يفجر بالخصومة ؟ هل نحن ممن يكذب في الحديث ؟ هل نحن ممن يخون الأمانة ؟ هل نحن متخلفون عن الجهاد ؟ هل نحن متخلفون عن نصرة المظلوم ؟ آمل ألا تكون فينا صفة من هذه الصفات، اللهم إنا نبرأ إليك من النفاق وصفاته ومن المنافقين وصفاتهم، اللهم إنا نبرأ إليك ونسألك أن تقوينا لنقدم بينات الإيمان ولنعرض عن بينات الكفر والنفاق، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 13/1/2012

التعليقات

شاركنا بتعليق