آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
من بينات الإيمان

من بينات الإيمان

تاريخ الإضافة: 2011/12/16 | عدد المشاهدات: 2402

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحمى أوطاننا من كل مكروه.

أيها الإخوة:

إن طلب أحدٌ منك أن تعرِّف بنفسك وأن تذكر هويتك، فستقول بأنك مسلم مؤمن تسمى كذا وتعيش في بلدة كذا، لكنك تُصر على أن تُدعى وتوصف بالمسلم المؤمن. وأنا أتكلم مع المؤمنين المسلمين من أبناء بلدي. إن قلت لهذا الذي يطلب منك أن تعرِّف بنفسك بأن اسمك كذا فإن طلب منك البينة على ذلك أبرزت له الهوية، وإن طلب منك الدليل على أنك ولدت في حلب على سبيل المثال أبرزت له سجل القيد كما يُقال، وإن طلب منك البينة على إسلامك قلت له: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن إن طلب منك البينة على إيمانك ؟

الإسلام أركانه ظاهرة، الشهادة، الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، إن طلب منك البينة على إيمانك فكيف تقدِّم البينة وما هي بينات إيمانك بالله عليك، هل فكرت يوماً في أن تمتحن نفسك فيما إذا كنت مؤمناً أو لا ؟ ربما تقول لي وكيف أمتحن إيماني، وفي أي مختبر أختبر إيماني ؟ سأقول لك: يكفي أن تثبت لنفسك دون أن تثبت لي أو للآخرين بأنك مؤمن وأنتَ أدرى بنفسك من غيرك وصاحب الدار أدرى بالذي فيها، وأهل مكة أدرى بشعابها، لكنك ستطلب مني كيف أمتحن نفسي أمام نفسي ؟

أقول: هناك شروط وبينات وأنت الذي تدرك وتعلم فيما إذا كنت متحلياً بهذه الشروط أو تلك البينات، فأنت مؤمن، هي شروط وبينات كثيرة لكنني اقتصرت على بعضٍ منها تلزمنا في هذه الأيام، في أيام الأزمات.

البينة الأولى: ولا أريدك أن توضحها لي لكن وضحها لنفسك فإن وجدت نفسك متصفاً بها ومتحلياً بها فقد حُزتَ الإيمان، وإلا فأعد النظر في مكونات نفسك وأعتقد أنك حريصٌ على أن توصف بالإيمان وأعتقد أنك حريص على أن تكون مؤمناً، البينة الأولى: الصدق والأمانة، إذا كنت صادقاً ورميت بالكذب جانباً وكنت بمنأى عن الكذب فأنت مؤمن: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الفاسقون﴾، هل أنت ممن يكذب، هل أنت ممن يصدق ؟ إذا كنت صادقاً في كلامك في أفعالك في نقلك فأنت مؤمن، واليوم ومن أجل أن نتأكد نحن الذين نتجاور ونتعايش معاً أظن أننا نعتمد في نقلنا على الإعلام، والإعلام بشكل عام كاذب، ونحن ننقل عن الكاذب الكذب، ونروِّج للكذب، وما من جلسة إذا أردت أن تحصي على نفسك كم مرة خرجت من الإيمان لأنك إما أن تكذب عمداً وإما أن تنقل الكذب على أنه خبر صادق، إذا ما كنت مع صديقك أو أصدقائك مع أهلك أو أقربائك تتحدث عما قيل في هذه القناة أو تلك، عما قيل في هذا الإعلام أو ذاك، وتتبنى أحياناً وأنت تعلم أن بضاعة الإعلام الكذب وأننا جربنا عليهم الكذب كثيراً، فما بالك وقد جربت عليهم الكذب كثيراً تجلس إليها ساعات وساعات، وتشيع وتروِّج وتتكلم وقد غدا الإعلام بالنسبة لك الكتاب الموثوق، أفيجوز هذا ؟! فهل أنت مؤمن؟ (لا إيمان لمن لا أمانة له) هكذا قال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيح، وأنت تخون الأمانة في كلامك، الصدق وعدم الكذب بينة على إيمانك فاحفظ هذا وتأكد من نفسك فيما إذا كنت مؤمناً.

البينة الثانية: الوفاء وعدم الغدر، إذا ما نزلنا إلى السوق اليوم فإن تجارنا على الأغلب بحالة غدر بالنسبة للأسعار، في حالة خيانة، في حالة عدم وفاء، لا يقدمون وفاءً لمواطنيهم، يغدرون ويتلاعبون بالأسعار، هم جشعون، ويمكن أن ينسحب هذا على أغلب الناس فهم في حالة جشع وغدر، أنت لا تحتاج لأكثر من كذا لكن تسعى من أجل أن يكون عندك كذا وكذا وكذا لأنك تخاف إذ كذب هذا الذي كذب عليك، الآن فليكذب الواحد منا بكلمة، سترى آثار الكذب قد عشّش في بلدنا، إن قال واحد منا كاذباً بان المادة الفلانية فُقدت فإن الناس ينسحبون بدافع غريزة القطيع لأن يشتروا هذه المادة حتى ولو كانت هذه المادة لا تلزمهم ولا يحتاجون إليها، البينة الثانية الوفاء وعدم الغدر، نحن نغدر ونغدر بوطننا، مَن منا يعيش حالة وفاء لوطنه لبلده الذي أعطاه، نحن نفتك بوطننا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في سنن أبي داود: (الإيمان قيّد الفتك)، لا يفتك مؤمن، لا يغدر مؤمن، المؤمن لا يعرف الغدر، أعتقد أننا نعيش الآن في بؤر من الغدر، كلنا غادر إلا من رحم الله، فتش عن نفسك فسترى الإيمان يستلُّ منك لأنك في حالة غدر مع نفسك مع وطنك مع أهلك مع كل ما حولك وكل من حولك، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في النسائي وسواه: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) فهل أنت مؤتمن على أموال الناس ؟ أين زكاتك أيها الغني والزكاة مال الآخرين مستودعٌ عندك، أين الربح القانع من بضاعة تبيعها والربح الفاحش ليس من حقك، لماذا أيها التاجر أيها البائع أيها المعلم لم تعد مؤتمناً على أموالنا وأعراضنا ودمائنا، يحدثني الكثيرون الآن بأنهم لم يعد يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم ولا على بضائعهم وكلنا مسلم وكلنا يريد أن يتصف بالإيمان، فأين الإيمان أمام هذه البينة ؟

البينة الثالثة: التعاون والتباذل والتراحم، أتريد أن تعرف فيما إذا كنت مؤمناً أو لا فانظر تعاونك وتراحمك وتباذلك مع الآخرين، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في البخاري وسواه: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى). فهل أنت تتعاون مع الآخرين، أيها الغني هل تتعاون مع الفقير ؟ أيها الغني هل تتراحم مع الفقير ؟ هل تتعاون أيها القوي مع الضعيف أم أنك تريد أن تسلم بنفسك ومالك وحاجياتك وتحسينياتك ولو على حساب الفقير وروحه ودمه، فليمت من يمت فلأكن أنا وبعدي الطوفان، نعيش هذه الحالة وبعد ذلك نأتي لنصلي ونقول نحن مؤمنون وإن خاطبك أحد بغير ذلك حزنت وربما شتمت لتنكر الإيمان عن نفسك بلسانك بشتمك لأن المؤمن لا يشتم ولا يسب ولا يلعن ولا يطعن.

البينة الرابعة: عدم ترويع المسلم، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروع مسلماً) أخرجه أصحاب السنن، ونحن الآن مُروَّعون شئنا أم أبينا، بلدنا مروع، الذي يأتي إلى المسجد أيضاً يُروع في المسجد في المكان الآمن في بيت الله، بالأسعار نروع، نروع على دمائنا وأموالنا، وقبل الأمس حدث حريقٌ هائل هنا بجانب مدينة حلب بمنطقة تابعة لحلب روعنا بغض النظر عن صاحب الحريق روعنا، وحكى لي تجار كثر عن ترويعهم بهذا الذي حدث، وأصبح الأمر فوضى وضجت الدنيا تشكو ربها - ولا أتكلم عن الحريق - المؤمن يؤمِّن المؤمن، يطمئن فما بالنا غدونا مروّعين: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروع مسلماً)، أي لا تروع من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بغضِّ النظر عن إيمانه ولا تروع من أجاره المسلم، أين هذا يا مؤمنون ؟ أين الإيمان بالله عليكم هل نحن مؤمنون وقد رسبنا أمام كل هذه البينات، ومن كان منكم ناجحاً متحققاً بهذه البينات فليأتني، أنا لا أعمم لكن أقول إلا من رحم الله، ولا أعرف هذا الذي رحم الله، لم أعد أرى، كلنا يروع كلنا، وكلنا ينتهك عرض كلنا، وكلنا يريد أن ينال من كلنا، وكلنا استباح كلنا، وكلنا عدا على كلنا، وكلنا لم يعد يأمن من كلنا وهكذا دواليك، ويأتيك بعد كل هذا من يقول لك يا شيوخنا ما لكم لا تتحدثون ؟ تحدثنا فهل طبقت أنت ؟ تكلمنا فهل طبقت أنت ؟ أتريد أن ترفع الملامة عن نفسك لتضعها على الآخر، هذه شيم الضعيف الكسول، إلى الذين لا يعملون ويسوؤهم أن يعمل الآخرون، هذه صفات ذاك الذي يتثاقل إلى الأرض يرفع الملامة على نفسه ويضعها على الآخرين.

البينة الخامسة: الإحسان إلى الجار، وهنا نسقط جميعاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) كما في البخاري، وأنا لا أريدك أن تحسن إلي، أريدك أن تسمع الحديث الثاني: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره) لم أعد أطلب منك أن تحسن إلي، كفاني، لا أريدك أن تحسن إلي لكن أريدك ألا تؤذيني، وجار جارك جارك، أنت جاري وجار جاري جاري، والجوار ليس في السكن فحسب وإنما هنا أنت جاري تصلي بجانبي ولتُسألن عن صحبة ساعة، وفي الشارع أنت جاري وفي حافلة النقل أنت جاري، وفي السوق أنت جاري وفي المدرسة أنت جاري وفي الجامعة أنت جاري وفي كل مكان أنت جاري: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره) ونحن نؤذي جيراننا، إن لم نؤذهم في بيوتنا على سبيل المثال وإن كنت لا أعتقد سنؤذيهم في شوارعنا فالجار في الشارع يؤذي المار فالقاعد جار المار، والمار جار القاعد وهكذا دواليك وكلنا يؤذي كلنا وكل الجيران يؤذي بعضهم بعضاً: (والله لا يؤمن) هكذا قال رسولنا ورسولكم إن كنتم تؤمنون به، هكذا قال رسولنا الذي تحبونه ولا أشك في حبكم لرسولكم ولكن أعيدوا النظر في هذا الحب: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) أذياته، ما يمكن أن يصدر عنه من أذى تجاه جاره، وأنا أقول لكم والله لا آمَن، وكل واحد منا يقسم بأنه لم يعد يأمن بوائق جاره، إذا كان كلنا لا يأمن من كلنا فكلنا إذاً لم يعد مؤمناً، أنا أشكو منك وأنت تشكو مني كلانا في الذنب سواء، كم مرة تكلمنا عن الجار ورعاية الجوار ؟ كم مرة نتكلم وكأننا نتكلم في وعاء مثقوب، كأننا نتكلم في الهواء ولعل الهواء يحتفظ أكثر مما تحتفظ به عقول الناس اليوم، القضية ليست قضية كلام، والقضية ليست قضية ادّعاء نحن الآن أمام امتحان فهل ننجح في الامتحان أم نسقط ؟ ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾، ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾، غدا الترويع عادة لنا، إن جاءني أحد فسألني كيف ترى الوضع إن قلت له الحمد لله بخير، سيقول لي كيف تقول بخير والدنيا قائمة لا يريد أن يسمع مني كلمة تفاؤل يريد أن يروّعني وأريد أن أروعه حتى غدا الترويع دَيْدَننا وحديثنا وطعامنا وشرابنا، مع أننا لم ننقص شيئاً من طعامنا ولا من شرابنا ولم ننقص صنفاً من أصناف فطورنا ولا غدائنا ولا عشائنا، والذي تأثر فلم يعد يأكل فليتقدم إلي، والذي تأثر فلم يعد يربح أو يتاجر أو يشتم فليأتني فسأحييه وسأقبل يديه.

ما هكذا تورد يا سعد الإبل، إما إيمان مع بينة، وأما الادعاء فلا قيمة له، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى قومٌ دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) أنت تدعي الإيمان هات البينة، بينات الإيمان ذكرتها مدللاً عليها بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

اللهم إني أسألك سؤال الذي يشعر بالخوف، سؤال الذي يشعر بالرعب، سؤال الذي على حذر، سؤال الذي لم يعد مطمئناً، سؤال الذي لا يريد إلا أن يتوجه إليك، أسألك أن تثبتنا على الإيمان ببيناته ودلائله وعلاماته وبراهينه، أسألك يا رب أن توفق إخوتنا في هذا الوطن من أجل أن يتحلَّوا بالإيمان مع البينة مع الميثاق مع الدليل مع البرهان مع الشاهد، أسألك يا رب أن تسكب الإيمان في قلوبنا مع علاماته وبراهينه، نعم من يسأل أنت ونعم النصير، أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 16/12/2011

التعليقات

نديم

تاريخ :2012/01/02

موضوع مهم جدا ونحن كمسلمون مشتاقون لهكذا خطب وهكذا مواضيع لنجدد بيعتنا مع الله...وشكرا...

شاركنا بتعليق