آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
من ثمرات الإيمان

من ثمرات الإيمان

تاريخ الإضافة: 2010/08/06 | عدد المشاهدات: 4028

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

كلنا يعلم أن ثمة إسلاماً وإيماناً، وأن للإسلام أركاناً كما أن للإيمان أركاناً، لكننا إن تكلمنا عن الأهم منهما قلنا إنه الإيمان، الإيمان أهم من الإسلام، الإسلام للظاهر والإيمان للقلب، وقد يكون المنافق مسلماً لكن لا يمكن لمنافقٍ أن يُعتبر مؤمناً، للإسلام دلائل وللإيمان دلائل، دلائل الإسلام الصلاة والصيام والحج، الفرائض الظاهرة، ودلائل الإيمان كما تحدثنا منذ أكثر من سبعة أشهر، دلائل الإيمان الأخلاق، دلائل الإيمان الصدق. أتريد أن تختبر إيمانك فإذا ما كنت صادقاً فأنت مؤمن، أتريد أن تختبر إيمانك، إذا كنت أميناً فأنت مؤمن: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)، (لا إيمان لمن لا أمانة له) هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في الروايات الصحيحة: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، أتريد أن تختبر إيمانك ؟ انظر أمانتك وانظر صدقك وانظر عدم إيذائك الآخرين: (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) أتريد أن تختبر إيمانك ؟ انظر علاقتك مع الآخرين مع جيرانك مع ضيفك مع أصحابك مع بلدك مع أرضك مع بلدك... انظر أمانتك، انظر صدقك، انظر كل هذه الأخلاق التي هي دلائل الإيمان.

للإسلام دلائل وللإيمان دلائل، دلائل الإسلام صلاة وصيام وحج، ودلائل الإيمان أمانة وصدق وحسن خلق وحسن علاقة وعدم إيذاء الآخرين والأمن المنبعث منك تجاه غيرك وهكذا.. قلنا في الأسبوع الماضي: لعل الواحد منا يشتكي من ضعف إيمانه فماذا يفعل ؟ تحدثنا عن الوسائل التي من خلالها يقوى الإيمان وعن هذه المصادر التي إذا ما نهلت منها قوي إيمانك. أريد أن تمثل هذه الصورة في أذهانكم وأذهاننا ونحن على أبواب شهر رمضان، إن صمت فامتنعت عن الطعام والشراب من دون أن تمتنع عن الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والفحش والرفث والكلام البذيء فقد أصبحت - من خلال الصيام عن الأشياء الحسية - أصبحت مسلماً لكنك لم تتحقق بالإيمان، لم تتحقق بالغاية التي جاء الصيام من أجلها، فكم من صائم حظه الجوع والعطش، وكم من مُصلٍّ حظه التعب والسهر: ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ فإذا لم يوصلك الصيام للتقوى فصيامك دليل إسلامك، لكنه أبداً لن يكون أبداً دليل إيمانك، والإسلام وحده من غير إيمان لا يكفي، لأن المنافق مسلم بحسب الظاهر: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) أن تضع هذه الصورة أمام عينيك وناظريك قضية أساسية، أتريد أن تكون جانياً للثمرات التي جعلها الله عز وجل لمن آمن ولم يجعلها لمن أسلم، وسنتحدث عن هذه الثمرات.

أنت بين إسلام وإيمان، للإسلام دلائل فقم بها من أجل أن تثبت إسلامك، وللإيمان دلائل فقم بها من أجل أن تثبت إيمانك، إن أثبتَّ إسلامك ولم تثبت إيمانك فلم تتحقق بما يجب عليك أن تتحقق به لتكون مرضياً عنه من قبل ربه، وإن تحققت بدلائل إيمانك فيستحيل ألا تتحقق بدلائل إسلامك، يمكن للمسلم ألا يكون مؤمناً لكن لا يمكن للمؤمن ألا يكون مسلماً، لأن من دلائل الإيمان الوفاء والأمانة وبالتالي عليك أن تكون وفياً مع ربك والوفاء مع الله أن تعبده، والوفاء مع الله أن تصلي له وأن تصوم له وأن تحج وان تعتمر إلى آخر ما ورد من فرائض الإسلام.

إسلامٌ له دلائل، إيمانٌ له دلائل، بالدلائل الإسلامية تثبت إسلامك لكن هذا لا يكفي عليك أن تثبت إيمانك حتى تكون مرضياً عنك من قبل ربك، وحتى تجني الثمرة.

ثمرات الإيمان جعلها الله عز وجل للإيمان ولم يجعلها للإسلام، والدليل على ذلك أننا من حيث الإسلام مسلمون، كلنا يصلي، كلنا يصوم الصِّيام عن الطعام والشراب، كلنا يحج ويعتمر وما أشد الازدحام الآن حول الكعبة لكن بالله عليكم هل كلنا يَصدُق ؟ هل كلنا يتصف بالأمانة ؟ هل كل هؤلاء الذين يصلون يتصفون بالصدق والأمانة وعدم الغش وعدم الإيذاء، هل كل هؤلاء الذين يصومون يتصفون بالأخلاق الحميدة، بالأمانة والصدق والوفاء والعلاقة الطيبة ومحبة الآخرين وعدم إيذاء الآخرين وعدم الطعن واللعن والفحش والبذاءة ؟ إذن نحن مسلمون لكننا حسب الدلائل والبراهين لسنا مؤمنين وهنا تكمن الكارثة، نحن نعيش صحوة إسلامية كما قلت لكم لكننا من حيث الصحوة الإيمانية لا نمتُّ إليها بصلة، ونحن في سُباتٍ إيماني يكاد يكون كاملاً ومطبقاً، لأننا سنرى في رمضان الذي سيأتي سنرى هؤلاء الصائمين كيف أنهم يصومون صياماً إسلامياً لكنهم لا يصومون صياماً إيمانياً يمتنعون عن الطعام والشراب لكنهم لن يمتنعوا عن الغش وعن الفجور وعن شهادة الزور ولا عن الكذب ولا عن الخيانة ولا عن النظر الحرام ولا عن الكسب الحرام، فبالله عليكم أليس الحظ من صيامنا الذي سنصومه سيكون الجوع والعطش ؟ سيكون حظنا من صيامنا الجوع والعطش.

ثمرات الإيمان إذا ما تحققت بالإيمان من خلال براهينه فانظر الثمرات، لن أذكرها كلها في هذه الخطبة لكنني سأرجئ بعضها إلى خطبة قادمة.

إذا كنت مؤمناً متحققاً بالإيمان وبراهينه وأدلته ودلائله فالثمرات هي التالي:

أولاً: الله عز وجل سيتولاك: ﴿الله وليُّ الذين آمنوا﴾ ولم يقل ربنا الله ولي الذين أسلموا: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، ثمرة أولى.

الثمرة الثانية: ثناء الله تعالى عليك: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ ولم يقل إن الذين أسلموا.

ثالثاً: سيدافع الله عنك إن كنت مؤمناً: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وإذا لم يُدافع عنا من قبل ربنا فإن هذا يعني أنا لسنا من الذين آمنوا حق الإيمان، وإلا فلماذا لم يدافع ربنا عنا إن كنا مؤمنين ؟ هل تخلى ربنا عن وعده ؟ هل تخلى ربنا عن سنته ؟ حاشاك يا ربنا: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾.

رابعاً: سينصرك الله إن كنت مؤمناً: وإذ لم ننتصر فلسنا بمؤمنين، المعادلة بينة: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾، والله عز وجل يقول: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا﴾، هل نحن منتصرون اليوم ؟ هل انتصرنا على عدونا اليوم ؟ لم ننتصر لأننا لسنا مؤمنين، بعبارة مختصرة القضية محسومة لصالح هذا الأمر الذي ذكرته ولو كنا مؤمنين فهل تعتقدون أن الله سيخلف وعده: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ وإذا نصرك الله فلا يمكن لأحدٍ سواه أن يخذلك: ﴿والله غالبٌ على أمره﴾.

خامساً: إن كنت مؤمناً فالملائكة ستستغفر لك: لذلك قال الله عز وجل: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ ولذلك قرأت عن بعض التابعين أنه قال: ما أكرمك يا رب، ينام المؤمن وتقول للملائكة استغفروا له. أين هذا الإحساس بأن الملائكة تستغفر لنا ونحن نغوص في بحر لجيٍّ مظلم من الآثام والخطايا والعداوة والبغضاء فيما بيننا والامتهان والاحتقار والادعاءات والتدين المنقوض الظاهر لا أكثر ولا أقل. تستغفر لك الملائكة إن كنت مؤمن وأنت نائم.

سادساً: البشرى: المؤمن دائماً مبشَّر، لا يمكن للمؤمن أن يكون قلقاً ولا مضطرباً أبداً، المؤمن دائماً في حالة اطمئنان: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله﴾ لكننا إن نظرنا أنفسنا وجدنا أننا قلقون مضطربون، أصغر شيء يخوفنا ويقلقنا، الشمس تتعبنا والبرد يؤلمنا وحركةٌ ما مِن حولنا تجعلنا في حالة اضطراب وقلق وفوضى ورعب وخوف، أما المؤمن فالمؤمن دائماً مُبَشَّر، هكذا قال: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً﴾، بشر المؤمنين على الإطلاق، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكلنا يعلم هذا في غار حراء: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ في لبِّ مشكلة قاسية: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ المؤمن مبشّر.

سابعاً: المؤمن عزيز: أين عزُّنا اليوم ؟ وبالتالي إذا لم نكن أعزة فلسنا مؤمنين، تلك هي المعادلة الصحيحة: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ ولم يقل وللمسلمين، من كان مؤمناً ببراهين ودلائل وإثباتات فسيجني هذه الثمرات ومن لم يكن مؤمناً فلا يلومنَّ إلا نفسه، لا يكفي الإسلام بدلائله، لا يكفي أن تصلي وتصوم وتحج وتزكي بل لا بد من أن تثبت بينك وبين نفسك الإيمان على نفسك وإلا لن تجني هذه الثمرات، لن تُنصر لن يدافع الله عنك، لن تبشّر، لن تكون عزيزاً، لن تكون من قبل الله مُتولى، ولن تكون محل ثناء من الله عليك، فكروا في هذه القضية ملياً وليفكر كلٌ منا بينه وبين نفسه، أنا مسلم أين الدليل على ذلك أتيت بالدليل إذن الحمد لله، أنا مؤمن أين الدليل ؟ هنالك أدلة على أني مؤمن إن أتيت بالأدلة على انك مؤمن فستجني هذه الثمرات، سيتولاك الله سيدافع عنك سيثني عليك سينصرك سيبشرك سيعزك، هذا الذي نقرؤه في كتاب الله عز وجل صباح مساء، فيا ربنا يا إلهنا يا رجانا نسألك أن توفقنا من أجل أن نثبت لأنفسنا بأنفسنا بأنا مؤمنون، وفقنا يا ربنا من أجل أن يكون شبابنا شباباً مؤمناً، وفقنا من أجل أن تكون بناتنا على الإيمان، وأن تكون نساؤنا كذلك، وأن يكون المسؤلون عنا مؤمنين بك، لأنهم إن أرادوا النصر فمن خلال الإيمان، وإن أرادوا الرفعة فمن خلال الإيمان، وإن أرادوا الحضارة فمن خلال الإيمان، وإن أرادوا كل شيء ينفعهم في الدنيا والآخرة فمن خلال الإيمان. لا تكن منفصماً، لا تكن صاحب إسلام دون إيمان، وإلا فأنت مشلول وهذا الذي يجب أن نتنبه إليه.

أسأل الله عز وجل لي ولكم الإيمان الكامل مع الإسلام الكامل، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 6/8/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق