آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
من ثمرات الإيمان بالله

من ثمرات الإيمان بالله

تاريخ الإضافة: 2004/09/24 | عدد المشاهدات: 4568

أما بعد ، أيها الأخوة المؤمنون :
بالأمس سألني شاب في بداية دراسته الجامعية عن حاجتنا إلى الإيمان بالله عز وجل ، لماذا نؤمن بالله عزوجل عدا عن كون ذلك حقيقة يجب أن نظهرها ، بمعنى آخر قال لي - بغض النظر - عن كونِ الإيمان بالله حقيقةً يجب أن تظهر ، إلا أنني أسأل عن الإيمان بالله وعن حاجتنا نحن إليه وعن ضرورته ؟ قلت له وحدثته بشيءٍ من الاختصار، وشكرته بعد ذلك قائلاً له : سيكون بعون الله هذا السؤال وذاك الجواب موضوع خطبتنا غداً إن شاء الله .
لا شك في أن الواحد حينما يسأل عن حاجته إلى صفة ما نبيلة معينة ، لو سألتني ما حاجتي إلى القوة سأقول لك لأن القوة صفة أساسية لازمة لشخصيتك ، وهذا يساوي لو سألتني ما حاجتك إلى أنفك ، إلى يدك ، من أجل أن تكتمل شخصيتك المادية أنت بحاجة إلى أنف وبحاجة يد وبحاجة إلى أذن من أجل أن تكتمل شخصيتك المادية ، وكذلك أنت بحاجة إلى قوة ، أنت بحاجة الى شجاعة ، أنت بحاجة إلى كل الصفات النبيلة من أجل أن تكتمل شخصيتك المعنوية ، وإذا ما رأيت نفسك في ساعة من الساعات لا تحتاج إلى أنفك ولا تحتاج إلى يدك لأنك لا تمارس بأنفك ولا تمارس بيدك ما يعود عليك بالنفع المباشر فهذا لا يعني أنك لست بحاجة إلى أعضائك هذه التي ذكرنا ، كذلك يا أخي عندما أقول إنك بحاجة إلى قوة ، صحيحٌ أن القوة الآن لا تشعر بضرورتها لأنك تعيش حالاً ضعيفة ، ولأننا نعيش حالاً ضعيفة ونرى القوة الآن لا تلزمنا وإن لزمتنا فإننا سنهرب منها لأن القوة تكلفنا إقداماً وتضحية ، وتكلفنا نتائج قد لا تكون مرضية في الظاهر إلا أن نتيجتها النهائية هي التي ستجعل منا أناساً يستحقون بجدارة أن يكونوا ورَّاث هذه الأرض .
أعود إلى جوابي ، وما قلته فعلاً كلام جيد حينما استثنيتَ كونَ الإيمان حقيقة ، ولكنني أقول :
- الإيمان بالله شرف : أو لست تبحث عن الشرف ! ألستَ بحاجة إلى شرف ! أَوَ ما تريد أن توصَفَ أو توسَمَ بالشرف ! الإيمان بالله شرف
﴿ ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم البقرة : 221﴿ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم البقرة : 221 ألا يَصُبُّ كونك شريفاً ، ألا يصب ذلك في قلبك سعادة وسروراً وارتياحاً إذا أخبرك من أخبرك بأنك شريف النسب ! ألا يكون ذلك دافعاً من أجل سرورك ! ألا يكون ذلك مريحاً لك ! إذاً الإيمان بالله شرف وأعظِم به من شرف ، ويوم تؤمن به تشرُف ، يوم تؤمن بالله ترتقي أحاسيسك ويرتقي شعورك بازدياد في كونك أضحيت تتسنَّمُ قمة الشرف وذروة الشرف . الإيمان بالله شرف وقد ذكرنا في خطبة سابقة قول الشافعي :
ومـما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطؤ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
- الإيمان بالله طمأنينة : إن دواخل شبابنا وشاباتنا ، طلابنا وطالباتنا قلقة مضطربة ، انظر إليهم إذ تراهم في الجامعة ، إذ تراهم في الشارع ، إذ تراهم في المعمل مضطربو الدواخل ، دواخلهم غير مستقرة ، لا تعرف سبباً لهذا حسب الظاهر ، لكنك إن محَّصتَ وفحصتَ ودرستَ ستجد أن ضعف الإيمان وراءَ القلق ، وأن ضعف الإيمان وراء الاضطراب ، وأن ضعف الإيمان وراء هذه التوهيمات الداخلية المزعجة التي تنتاب صغارنا وكبارنا . انظروا تلاميذنا وطلابنا ، انظروا معلمينا وموظفينا لقد ارتسمت على مُحيَّاهم بوادر قلق صدرت من دواخلهم لتكون أشائر على ظواهرهم . الإيمان بالله يُطَمأنك في زمن الاضطراب ، وأنا أطرح الإيمان بالله عزو جل من أجل أن يطمئنك ، فهل تطرح لي شيئاً أخر إذاً أنا على استعداد من أجل أن أسمعك
﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد : 28 ﴿ لا تحزن إن الله معنا التوبة : 40 ، الإيمان بالله يطمئنك ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله آل عمران : 173- 174 الإيمان بالله يطمئنك .
- الإيمان بالله يُقوِّيك في ميدان الحياة التي أضحت قاسية ، يقويك على المواجهة لكل صعوبات الحياة
﴿ فأوجس في نفسه خيفةً موسى . قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى . وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر طه : 67 – 69 ذكرت منذ عشر سنوات رواية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما جاء في الطبراني أن ابن عمر كان في طريقه , وإذ به يرى جمعاً من الناس وقد ارتسمت عليهم علامات خوف إذ اعترض طريقهم سبع ، حيوان مفترس لم تذكر الروايات طبيعته وإنما ذكرت رواية الطبراني أن الناس هؤلاء اعترضهم سبع ، حيوان مفترس أخافهم وأرعبهم تقدم ابن عمر رضي الله عنه وحمل بيده حجراً وألقاه على هذا الحيوان ففّر الحيوان منهزماً ثم قال - وهنا بيت القصيد - : سمعت من نبيكم عليه وآله الصلاة والسلام : " يُسَلّط على ابن آدم ما خاف ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يُسلَّط عليه سواه " أنت القتيل بأيِّ من تخافه ، أنت أسير من تخاف ، أنت مقهورُ من تخاف " يُسلط على ابن آدم ما خاف ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه سواه " من أي شيء تخاف ؟ قيل للعز بن عبد السلام كيف جرأت على أن تخاطب الملك هذا الخطاب الجريء ؟! خطاب العز كان خطاباً جريئاً ولم يكن خطاباً وقحاً ، وهناك فرق كبير بين الجرأة والوقاحة ، الجرأة إعلان حق والوقاحة إبداء نفس وإظهار كبر وإعجاب . كيف جرأت يا هذا على أن تقول هذا الذي قلت للملك ؟ أجابه العز بن عبد السلام بقوله : استحضرت هيبة الله فصار أمامي – أي الملك – كالهر . أيها الأخوة يا أبناء فلسطين : لو لا الإيمان ما قويتم ، ولولا الإيمان ما قاتلتم وعِدتكم قليلة ، لولا الإيمان بالله لما قاتل من قاتل من إخوتنا في فلسطين إسرائيل ومَن وراء إسرائيل ، وكلنا يعلم أن إخواننا في فلسطين لا يقاتلون إسرائيل فحسب وإنما يقاتلون من خلال إسرائيل أمريكا وكل القوى الباغية التي تتعاون مع الصهيونية المجرمة . لولا الإيمان بالله لما قال هذا الذي قال : يا أماه إن نفسي في سبيل الله رخيصة فادعي الله عز وجل أن يجعلني شهيداً . الشهداء أقوياء يا أبناءنا في فلسطين يا أخواتنا يا بناتنا يا نساءنا . الفضل للإيمان بالله في استمراركم ، في انتفاضتكم على عدوكم ، على صهيوني ماكر غادر . بوركت سواعدكم وقوَّى الله الإيمان في قلبكم لتقوى أجسادكم على مقاتلة أعدائنا أعداء الدين أعداء الإنسانية أعداء الفضيلة .
- الايمان بالله يؤمنك : ويجعلك ذا أمانة وأمان قال عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا عهد لمن لا دين له " الإيمان يجعلك أميناً لأنك تراقب ربك والذي يراقب ربه يغدو أميناً ، أَوَلسنا بحاجة إلى أمانة ؟! كلنا في بلادنا العربية يشكو الخيانة ، خيانة موظف وخيانة عسكري وخيانة طالب وخيانة أستاذ وخيانة مسؤول ومن الذي جعل هذه الخيانة تتراكم في محالنا وفي أرضنا ؟ ضعف الإيمان هو الذي جعل الخيانات تنتشر ولو أننا آمنا بالله حقاً لقلت نسبة الخيانة ، بل ربما انعدمت . الإيمان بالله يا أيها الشاب يعطيك الأمانة ، يجعلك أميناً وهل نحن بحاجة إلى أمانة ؟ نعم نحن بحاجة إلى أمانة يا شابنا يا طالبنا يا أيها الإنسان في هذا الوطن . الإيمان بالله يؤمنك
﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن الأنعام : 81 الإيمان بالله يجعلك في أمان من المصائب في أن تقتلعك من إنسانيتك وفي أمان يوم القيامة حيث الأمان مطلوب ومطلوب جداً ، الإيمان بالله يؤمنك لأنه يؤمن قلبك : " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " وليس ذلك إلا للمؤمن ، الإيمان يؤمننا ، يؤمن قلوبنا : ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا التوبة : 51 إذا كنا نؤمن بالله فنحن في أمان :
                     أيَّ يوميَّ من الموت أَفِرّ       يوم لا يُقدَرُ أم يوم قدر
                     يوم يقدر لا أرهبه ومن        المقدور لا ينجو الحذر
هكذا قال الإمام علي . نعم الإيمان بالله يؤمننا وعلينا في مقابل ذلك أن نؤمن الآخرين إذا كنا مؤمنين بالله عز وجل ويجب أن ينبثق الإيمان منا أمانة للآخرين . جاء في صحيح الإمام مسلم : " والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم " ولذلك أقول لإخواننا في العراق : قاوموا ولكن بأمان ، أمنّوا الناس وأنتم تقاومون ، لا أريد أن يكون هناك اختطاف لأناس مدنيين ، لأناس يتجلببون بجلباب حتى ولو كانت حقيقتهم غير ذلك ، لأنه من خَدَعنا بالله خُدِعنا ، لا نريد أن تقاوموا بغير أمان ترسلونه للناس ، أمنوا الناس وأنتم تقاومون من قاتلكم قاتلوه أما ذاك الإنسان الذي يعيش حسب رأيه وحسب النظر الظاهر في أمان فلا تختطفوه ولا تجعلوه رهينة ، وإلا وأنا أعلم أن نيتكم طيبة وخالصة لكن هذا سيؤذي العمل العام والقتال العام والجهاد العام
﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم الأنعام : 108 لا أريدكم أن تصدر عنكم أفعالاً تخالف أحكامَ ديننا وأنا كما قلت لكم أؤمن بأن نيتكم طيبة وأنكم تريدون إصابة الخير ولكن قد يخطئ منا من يخطئ فلا أقل من أن نقدم لهم نصحاً لأننا وإياكم حريصون على أن يعمّ الإسلام الكون كله شرقه وغربه ، شماله وجنوبه ، لأننا حريصون على أن يكون الإسلام مأوى كل المضربين في العالم حتى يطمأنوا ، وملاذ كل الضعفاء في العالم حتى يقووا ، وموئل كل أولئك القلقين في العالم حتى يعيشوا استقراراً في رحاب هذا الدين . يا شبابنا أرُوا الناس أنكم مطمئنون في دينكم حتى تكونوا دعاة في حالكم . حينما أحدث شاباً من طلابنا في الجامعة أو في مكان آخر عليّ أن أريه سعادتي وطمأناني بديني فيسري حالي فيتقبل حاله حالي . يا أحبتي الإيمان بالله نحن بحاجة إليه لأنه سعادة في الدنيا والآخرة ، أو لسنا نبحث عن السعادة ﴿ إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً مريم : 96 إذا كنت مؤمناً فأنت ودود ، وإذا كنت ودوداً فأنت سعيد ، وإذا كنت سعيداً فأنت تسعد الآخرين . الإيمان بالله سعادة في الدنيا وفلاح في الآخرة ﴿ إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً . خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً الكهف : 107 – 108 الإيمان بالله سعادة في الدنيا وفلاح وسعادة ونجاح في الآخرة . أرأيت يا أيها الشاب إلى الإيمان بالله هل تلمست حاجتنا إليه أو ملامح هذه الحاجة ، إنا بحاجة إلى الإيمان بالله إذا كنت في جامعتك فادعُ الآخرين إلى الإيمان بالله من أجل مصلحتهم ، إذا كنت في معملك فادعُ الآخرين إلى الإيمان بالله من أجل مصلحتهم ، حيثما ما كنت فادعُ إلى الإيمان بالله من أجل مصلحة الآخرين كما تدعو إلى صحة الآخرين الجسمية وإلى ما يجعل هذه الصحة في حال جيدة دائماً من خلال ذكر قواعد نافعة فإن دعوتك الناس إلى الإيمان بالله يعني أنك تدعوهم إلى صحة معنوية وإلى شخصية قوية . بارك الله بك وفيك أيها الشاب عندما تسأل عن ثوابت الدين الحنيف عن الإيمان بالله وهذا السؤال ولا أجاملك في ذلك دليل إيمان فبارك الله في إيمانك وزادك إيماناً وزادك يقيناً وزادك اطمئناناً وقوة وشرفاً وعزاً وأماناً وأمانة وزادك سعادة في الدنيا وفلاحاً في الآخرة . اللهم وفق شباب أمتنا للإيمان من أجل كل ذلك ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق