آخر تحديث: الثلاثاء 18 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سبل العزة بالله

سبل العزة بالله

تاريخ الإضافة: 2009/06/12 | عدد المشاهدات: 3337

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

حين يسأل الإنسان نفسه وبشكل واضح وصريح: ألا تريد أيها الإنسان ألا تحتاج إلى أحد ؟ الجواب: بلى. ومن منا لا يريد ألا يحتاج إلى أحد، ومن منا لا يريد ألا يكون محتاجاً إليه بدلاً من أن يكون محتاجاً إلى غيره ؟ عندما تسمع يُتحدث عمن لا يحتاج إلى أحد وعمن يحتاجه كل أحد، عندما تسمع يُتحدث عمن يكفي نفسه بنفسه ويكفي غيره، عندما تسمع حديثاً عن هذا الذي ذكرته فبالله عليك ألا يعجبك هذا الذي لا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إليه كلُّ أحد، هذا الذي يكفي نفسه بنفسه ويكفي غيره أيضاً، هذا الذي حدثتكم عنه وتحبون أن تسمعوا الحديث عنه هو الله، لا يحتاج إلى أحد وأنتَ تحب ألا يحتاجَ إلى أحد، والله عز وجل يحتاجه كلُّ أحد، ويكفي نفسه بنفسه ويكفي غيره: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ ؟ بلى، هذا الذي ذكرته لكم هو الله، وهذه الصفات التي ذكرتها لكم هي صفات العزّة. ﴿فلله العزة جميعاً﴾ هو العزيز المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد ويحتاجه كل أحد، يكفي نفسه بنفسه جلَّ وعلا ويكفي غيره. لكنك أنت وأسألك سؤالاً آخر: إذا كنتَ مضطراً إلى أن تحتاج إلى أحد فأنت تسعى إلى أن يكون هؤلاء الذين تحتاج إليهم قلة، وحين تحتاج إلى واحد تكونُ على حالٍ أفضل من أن تحتاج إلى اثنين، وإذا كنتَ بحاجة إلى اثنين فأنت أفضل مما إذا كنت بحاجة إلى ثلاثة، وهكذا دواليك. وأنتَ تريد أن تكون محتاجاً إلى إنسانٍ تشعر أنه يكفيك فعلاً، وأنت تسعى حينما تحتاج إلى أحد أن تكون حاجتكَ عند من يستطيع تلبيتها.

ونحن حينما ينظر الواحد منا إلى نفسه يريدُ أن يكون محتاجاً إلى أقل عدد ممكن، ويريدُ أن يكون هذا الذي يحتاج إليه يكفيه فعلاً، وإذا كان الأمر كذلك فلن تجد أمامك من يتصف بهذه الصفات إلا الله، إلا هذا الذي لا يحتاج إلى أحد ويحتاجه كل أحد ويكفي نفسه بنفسه ويكفي غيره، فما عليك إلا أن تتوجه بحاجتك إلى هذا الذي ذكرناه، إلى العزيز، وبذلك تكون معتزاً بالله، ذكرتُ كل هذا من أجل أمرين اثنين:

الأمر الأول: أتريد العزة الذاتية ؟ نعم أريدها لكنك لا تستطيعها، لأن العزة الذاتية لله وحده، وليست لأحدٍ سواه على الإطلاق، إذن لا يمكن أن تكون عزيزاً ذاتياً ولا يمكن أن تكون عزيزاً مطلقاً، لكنك بإمكانك أن تكون معتزاً بهذا العزيز المطلق، والاعتزاز بهذا العزيز المطلق هو الاعتزاز المطلوب والمنشود، فيا أيها الباحثون عن العزة وكلنا يبحث عن العزة حسب ادِّعاءه، هنا تبحث عن العزة، في أقصى الأرض يُبحث عن العزة، في أدنى الأرض يُبحث عن العزة، في فلسطين يبحث عن العزة، في السودان، في أفغانستان، في أمريكا، في أوربا... كلنا يبحث عن العزة، لن تكون لك العزة إلا إذا اعتززت بالعزيز المطلق، خذ هذه قاعدة ولا يمكن أن تكون هذه القاعدة إلا صحيحة ولا تقبل الخطأ على الإطلاق: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً﴾، أيها المعتز بغير الله لن ترى عزة، أيها المعتز برئيس لن تكون عزيزاً، لن تكون عزيزاً لأنك تعتز بإنسانٍ لا يمكن أن يكون عزيزاً مطلقاً، يحتاج إلى الناس ولا يحتاجه كلُّ الناس، يكفي نفسه لكنه لا يستطيع أن يكفي غيره، بل إنه لا يستطيع أن يكفي نفسه، أيها الباحثون عن العزة إياكم أن تعتزوا بغير الله عز وجل، أيها الباحث عن صداقة مع مسؤول من أجل أن تعتز به أنت تبحث عن سراب، أيها الباحثون عن عزة حينما تصادقون صاحب منصب فأنت واهمون: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً﴾ هو الذي يوزِّع العزة منه جل وعلا على عباده حينما يطلبونها منه وحده يعطيهم من هذه العزة ويتولاهم ويجعلهم في كنفه ولذلك قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، أقول هذا الكلام وأنا أستشعر اليوم عزة معدومة عن انتمائها الصحيح، أقول هذا وأنا أرى شبابنا ورجالنا والمسؤولين منا وشيوخنا والمثقفين منا يبحثون عن ملاذ يعتزون به غير ملاذ الله عز وجل، فلماذا يا شباب ؟ هل جربتم الاعتزاز بالله ففشلتم حتى تبحثوا عن غيره ؟ هل قرأتم في صحف التاريخ قصصاً دفعتكم عن العزوف عن الاعتزاز بالله لأنكم رأيتم في التاريخ من اعتز بالله ففشل ؟ لا، يا شبابنا، إني لأؤكد على هذه النقطة في كل مجال من المجالات التي فيها الشباب لأقول لكم: إياكم أن تعتزوا بصاحب رتبة عسكرية، وإياكم أن تعتزوا بصاحب منصب، وإياكم أن تعتزوا بمال، وإياكم أن تعتزوا بصاحب مال، إياكم: ﴿فلله العزة جميعاً﴾ ولذلك قال تعالى أيضاً: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾، الذي يبتغي العزة بغير الله منافق، وكذلك بالنسبة لرسوله لأن رسوله اعتز به ولأن المؤمنين اعتزوا بالله. إني لأرى اليوم انزياحاً واضحاً عن مسار العزة الصحيح، شبابنا يبحثون عن مساراتٍ لا تؤدي بهم ولا توصلهم إلى عزة منشودة، فلماذا يا شباب لا تعقدون العزم على أن تعتزوا بالله ؟  وإن سألتني أيها الشاب عن طريق الاعتزاز بالله فإني أقول لك هي ثلاثة أمور:

أولاً: أن تؤمن حقاً بهذا الذي تعتز به، حينما تؤمن برئاسة الرئيس وتدرك من قلبك وقالبك أنه رئيس وأنه صاحب منصب حقيقي عند ذلك تعتز به حقيقة، ولله المثل الأعلى، حينما تؤمن بالله وأن الله هو الذي يعطي ويمنع، وأن الله هو الذي يفرّق ويجمع، وأن روحك بيد خالقك، وأن خالقك هو الذي يتصرف فيك، وليس ثمة أحد يتصرف فيك إلا الله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) الإيمان بالله حقاً، الإيمان بالمعتز به حقاً: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ أما إذا لم تكونوا مؤمنين حقيقة الإيمان فلن تكونوا الأعلين، ولن تكونوا على مكانة رفيعة في الخلق وهذا ما ينطبق علينا، نحن ندعي الإيمان لكننا في تصرفاتنا يخالف حالنا قولنا، ويخالف حالنا وفعلنا ادعاءنا، الإيمان بالله أولاً.

ثانياً: تقوية الصلة بالله عز وجل، تقوية الصلة من خلال العبادات الصحيحة، وأنا لا أريد أن نقوم بعباداتنا على سبيل العبث ولا أريد أن ننتظر رمضان من أجل أن نصوم صيام عادة وأن نصلي التراويح صلاة عادة ولا أريد أن تكون عباداتنا التي نمارسها كما نمارس أقلَّ عادة. نحن اليوم نمارس عباداتنا على سبيل العادة كما نمارس طعامنا بأضعف أحوالنا وأعتقد أننا حينما نمارس طعامنا نمارسه بوعي أكبر مما نعطيه لعباداتنا، ولينظر كل واحد منا إلى نفسه، أنت تفكر بطعامك وشرابك بوعي وإدراك أكثر من الوعي الذي تعطيه لصلاتك وعبادتك، إن جئت في الليل جائعاً أنت تفكر بوعي ما الذي ستأكله وإن كان هذا الذي ستأكله يضر جسمك تسأل طبيباً تسأل خبيراً، لكنك إن جئت في يوم وروحك جائعة من أجل أن تتصل بربك كففتها ولم تقل لها سألبي حاجتك بصلاة ركعتين في جوف الليل على سبيل المثال أو بقراءة آياتٍ من كتاب الله.

نحن نمارس طعامنا وشرابنا بوعيٍ وإدراك وتفحص وتمحص أكثر بمئات المرات من أن نفعل مثل ذلك في عباداتنا، لذلك قلت الأمر الثاني تقوية الصلة بالله من خلال العبادات الصرفة الواعية، عباداتنا من غير وعيٍ نؤديها.

ثالثاً: الصلة مع الإنسان المعتز بالله، عليك أن تبحث عمن يعتز بالله من أجل أن نعقد معه صلة طيبة خيرة: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، أن نعقد الصلة مع المعتزين بالله سواء أكانوا أحياءً أم أمواتاً لأن المعتزين بالله لا يموتون، يموت جسمهم لكن ذكرهم يبقى، وأنت تتعامل مع الذكر ومع الشخصية الحقيقية المستمرة مع الشخصية التي تعيش من خلال عملها وفعلها ومواقفها وليس من خلال الشخصية التي تعيش في حدود جسمها وفلك ماديتها، لذلك عندما عاد جيش الروم مهزوماً في أنطاكية سأل هرقل أحد الرجال فقال له: لماذا انهزمتم ؟ أجابه هذا الرجل: لأننا وجدنا أناساً يصومون النهار ويقومون الليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويتناصفون فيما بينهم. ينصف كلٌ منهم الآخر. فهل هذه هي حالنا حتى نقول نحن الذين يجب أن نهزم إسرائيل ؟ لن نهزم ولا قطط إسرائيل، لأن حالنا تدل على أننا لا نسير في مسار العزة، أصحاب رسول الله كانوا أعزة وشهد لهم الروم بذلك، وقال الجندي الرومي لهرقل: أما نحن فإننا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونظلم ونفسد في الأرض لأننا نفعل هذا هُزمنا ولأنهم فعلوا ذلك هزموا. فبالله عليكم قولوا لي وحدثوني عن الصفات التي تَلُفُّنا، وعن السِّمات التي تحتوينا هل هي صفات أولئك الذين قال عنهم صفات الذين هَزموا أم صفات الذين هُزموا ؟ أعتقد الآن نتبحبح في صفات الذين هُزموا لأننا نشرب الخمر ونزني كما قال، ونركب الحرام وننقض العهد ونظلم، الأب يظلم ولده، والأم تظلم ولدها، والزوج يظلم زوجته، واسألوا أحوالكم واسألوا أقربائكم واسألوا أنفسكم، الأمر يخيم علينا هكذا كما تخيم علينا هذه الأجواء التي لا تعجبنا، أجواءٌ مادية خيمت علينا البارحة، خنقتنا فما بالكم بالأجواء المعنوية فإنها تخنقنا فعلاً وإنها تخيم علينا ولكن وباعتبارنا ماديين أصبحنا لا نستشعر الموت المعنوي ونقف فقط عند حدود الموت المادي، فقال هرقل: ما قلتَ إلا حقاً.

الأمر الأخير الذي يفضي بنا إلى الاعتزاز بالله عز وجل: الصبر، الصبر في مسار العزة بالله على كل ما يثنينا: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ الصبر في مواجهة كل ما يثنينا، أنا أعلم أننا لا نستطيع اليوم أن نواجه الفتن لأننا سنتصرف معها على أساس فاسد، وأنا أعلم أننا لا نستطيع أن نواجه الفقر لأننا أيضاً سنتصرف أمامه على أساس فاسد ومخالف، ونحن لا نستطيع أن نصبر اليوم وأن نواجه وبقوة ومواجهة المعتز بالله لا نستطيع أن نواجه المال ولا الفقر ولا العدو ولا التربية التي تستلزم منا صموداً واستمراراً، كم من مرة قلت لكم وحدثوني أيها الآباء هل تسأل عن أولادك ؟ هل تسعى من أجل أن تمتلك المنهاج التربوي من أجل أن تطبقه على أولادك ؟ هل أنتِ أيتها الأم تحتضنين أولادك صباح مساء احتضان الرحمة والعطاء والتربية والرعاية والعناية ؟ هل أنتَ أيها المسؤول في الثكنة العسكرية وفي الإدارة المدنية هل تقوم على الرعاية لمسؤولياتك رعاية كاملة صحيحة تستشعر مراقبة الله لك ؟ أيها الإخوة كل هذا يستلزم الصبر إن كنت تسعى للصبر، ورسول الله ما قال لآل ياسر إلا لأنه وجدهم صابرين في مواجهة ما يلفتهم ويخرجهم عن مسار العزة، تحداهم الجميع ترغيباً فمضوا قائلين نحن نريد العزة بالله، تحداهم الجميع بالترهيب بالقتل بالتعذيب بالتجويع فمضوا قائلين صامدون وصابرون على الاعتزاز بالله عز وجل، فقال لهم سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطمئناً: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) الجنة للصابرين للساعين للعزة بالله للساعين للسير في مسار العزة بالله، فيا شبابنا ويا بناتنا يا أمهاتنا يا آباءنا يا أيها المسؤولون في هذا الوطن من منكم لا يريد أن يعتز بمن يحتاجه كل أحد ولا يحتاج إلى أحد ؟ من منكم لا يريد أن يعتز بمن يكفي نفسه بنفسه وذاته بذاته ويكفي غيره ولا يحتاج في يومٍ من الأيام إلى غيره ؟ من منكم لا يريد أن يكون معتزاً بهذا ؟ كلنا يريد أن يكون معتزاً بالله، إذا كان الأمر كذلك فاسلكوا سبل العزة بالله، سبل العزة بالله إيمانٌ بالله، صلة مع الله، صلة مع المعتزين بالله، صبر بالبأساء والضراء، صبرٌ عند اللقاء، صبرٌ أمام كل التحديات، ولسان حال الصابر يقول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾، لسان حال الصابر يقول: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، لسان حال الصابر يقول: ﴿وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾.

اللهم اجعلنا ممن يعتز بك يا رب هيئ لنا من شعوبنا من حكامنا هيئ لهم الطريق من أجل أن يسلكوه من أجل أن يعتزوا بك وحدك والاعتزاز بك وحدك هو غايتنا يا رب العز ة يا صاحب العزة يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 12/6/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق