آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
واعتصموا بالله هو مولاكم

واعتصموا بالله هو مولاكم

تاريخ الإضافة: 2010/02/05 | عدد المشاهدات: 4021

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون المُصلُّون:

الإنسان ذاتٌ وتصرفات، أو ذاتٌ وصفات، والصفات تظهر في التصرفات، ولذلك قلنا اختصاراً الإنسان ذاتٌ وتصرفات، فمن حيث ذاته يبحث عن ملجأ يحتمي به ويبحث عن قوة يستند إليها وتدعمه، وهذا ما يلحظه الإنسان في حياته الواقعية، ترى إنساناً يقول لك بأنه يعرف المسؤول الفلاني ويقول لك بأن الضابط الفلاني والوزير الفلاني يعرفه ويدعمه تنظر إليه أنت وتتمنى أنك لو كنت مكانه، تنظر إليه وتتحسَّر على نفسك، تقول هنيئاً لهذا إن وقع فهناك من يدعمه وهناك من يرفعه وهناك من يُنجده، هنيئاً له أما أنا إن وقعت فليس ثمة من ينجدني.

أيها الإخوة، هذا أمرٌ واقعي لذلك تضطر من أجل أن تبحث عمَّن يدعمك، عن مأمن تلتجئ إليه لتحمي نفسك لتنجد نفسك وهذه حالة فطرية طبيعية، لكن الذي لا يمكن أن يكون فطرياً طبيعياً عندما تبحث عمَّن يدعمك في الناس وتنسى الله، هذا هو الأمر غير الطبيعي والذي لا يتناسب وما تدَّعيه. إن سألتك من أنت ؟ ستقول لي: أنا عبد الله، ومن فمك أدينك، أنت عبد الله هكذا تقول عن نفسك، وأنت في طبيعتك تبحث عن ملجأ وتبحث عن حِمَى وتبحث عن معتصم وهذا أمرٌ فطري، وفي نفس الوقت أذكّرك بأنك تقول بأنك عبد الله، فاسمع ما يقوله الله لك: ﴿واعتصموا بالله﴾ يا عباد الله اعتصموا بمن تعبدون ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ أنت تبحث عمن ينصرك وهذه حالة طبيعية فطرية، وتغبط الناس إن لم أقل أحياناً ربما حسدتهم على أنهم مدعومون من قبل أشخاص لهم سلطة، تصور لو أنك لقيت إنساناً وعرفت معرفة حقيقية بأن هذا الإنسان يدعمه رئيس الجمهورية، ويتصل برئيس الجمهورية بشكل مباشر، وأن رئيس الجمهورية يجتمع به في كل أسبوع، في كل شهر، ويقول له: أنا معك. بالله عليك حدثني عن نظرتك لهذا الشخص ؟ ستنظر إليه وتنظر إليه ولن تشبع من النظر إليه ستنظر إليه وستبقى وأنت نائم تفتح عينيك لتنظر إليه، إنه قد أوى إلى ركنٍ شديد، واعتصمَ بقوة متينة، واحتمى بحمىً عظيم، يا أخي يا أيها الإنسان يا أيها المسلم من أنت ؟ أنا عبد الله، وبحاجة أنت يا عبد الله إلى مُعتَصم وإلى حمى، فهيا إلى الذي تعبده لتعتصم به، أتريد أن تعتصم بإنسانٍ يعرض له ما يعرض لك من ضعفٍ ووهن، أتريد أن تعتصم بقوة مُعرَّضة للزوال ولا تدري متى تزول ؟ أتريد أن تعتصم وتحتمي بحمى يعيش الحالة التي تعيشها اضطراباً لكن على مستوى أعلى أم تريد أن تعتصم بمن لا تأخذه سِنة ولا نوم، بمن لا يقهره أحد، بمن لا يغلبه أحد: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم﴾ هو الذي تعبدونه، وهل يعتصم العبد بغير مولاه ؟ هل تقرأ هذه الآية يا أخي الكريم بالله عليك بمَ تحدِّث نفسك وأنت تقرأ هذه الآية الكريمة: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم﴾ كما تدعون وكما تعتقدون وكما تقولون وكما تشهدون: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم﴾ وليس لكم مولىً سواه: ﴿فنعم المولى ونعم النصير﴾ هو الذي ينصركم، هو الذي يُنجِدكم هو الذي يأخذ بأيديكم، ولو توكلتم على الله هذا الذي تعتصمون به حق توكلكم من خلال قلوبكم ومن خلال عقولكم ومن خلال أحوالكم (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً)، لكن اعتصامنا بالله ادِّعاءً، انظر قلبك، هل قلبك معتمدٌ على ربك أم أن قلبك معتمدٌ على هذا الذي تستنجد به من البشر، والله يا إخوة لو أننا أعطينا ربنا جزءاً بسيطاً مما نعطيه غيره من الناس من اعتماد صادق، ومن توكل أكيد، ومن توجه مؤكد ومتين، لأُعطينا من قبل الله عز وجل فوقَ فوق ما نطلب بمئات آلاف المرات، المشكلة كما قلت لكم منذ أسابيع، المشكلة بالإيمان يا إخوة، نحن نعيش صحوةً إسلامية لكننا نعيش غفوة إيمانية، ولا نعيش صحوة إيمانية: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ يا رب هكذا علمنا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يدعو ربه فيقول: (اللهم أنت أحق من عُبد، وأجود من سُئل، وأكرم من أعطى، كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهك، حِلتَ دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مُفضِية، والسِّر عندك علانية، الحلال ما حللت، والحرام ما حرَّمت، والدين ما شرعت، ولا حول ولا قوة إلا بك) هكذا كان يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾.

يا شباب أمتي ورجال أمتي ويا أيها الصاعدون في سُلَّم المسؤوليات في أمتي: توكلوا على ربكم، اعتمدوا على ربكم، اعتصموا بربكم، وخذوا بالأسباب المشروعة، فورب الكعبة لا تطلب يا أخي ما لا يطلبك، ولا تطلب من لا يطلبك، ولئن قلت لك هكذا، فإن قلت لي فهل الله يطلبني أم لا ؟ أقول لك: الله عز وجل يطلبك، وأكبر طلبٍ منه لك أنه خلقك: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ هذا طلبٌ من الله للناس من أجل أن يأتوا إلى ربهم، لأن الله لا يريد منك عبادتك لذاتها وإنما يريد من عبادتك أن تكون إليه، يطلبك من خلال العبادة، هلمَّ إليه أيها العبد، عبادتك لا تنفع الله ولا تضره: (لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

الإنسان ذاتٌ وصفات وتصرفات بحاجة إلى ملجأ ليحمي ذاته، ومن حيث كون الإنسان تصرفات فهو بحاجة أيضاً إلى ملجأ إلى قانون إلى منهاج يحمي تصرفاته من أن تكون مناقضة لإنسانيته، وأرجو أن نستوعب هذا، أنت من حيث كونك ذاتاً، أنت بحاجة إلى من يحميك، ومن حيث كونك تصرفاتٍ بحاجة إلى منهاج يصحح لك تصرفاتك ويضبط لك تصرفاتك حتى لا تكون تصرفاتك عشوائية وغير متناسبة مع إنسانيتك، لذلك قال لك ربي هذا الذي يعصمك أتبحث عن معتصم لتصرفاتك عن قانون عن منهاج يعصم تصرفاتك من الخطأ والخطل من الزلل إذن: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ اعتصم بالقرآن منهاجاً تجد فيه ما ينفعك حينما تطبقه على تصرفاتك القولية والفعلية: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته﴾ قبل القرآن كانت تصرفاتكم عشوائية وكنتم أعداءً لأنفسكم ولبعضكم أعداءً لأنفسكم لأن تصرفاتكم كانت ضدكم ضد إنسانيتكم وأعداءً لبعضكم فإذا ما كنت ضد نفسك فأنت ضد الآخر حتماً وبالبَدَهية فأنت ضد نفسك وأنت ضد الآخرين: ﴿وكنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ أصبحتم بهذا المنهاج الذي يحمي تصرفاتكم من الخطل والخطأ والزلل والفوضى أصبحتم إخواناً متآخين ومتصالحين مع أنفسكم ومع الآخرين لأن الآخرين أصبحوا مثلكم يطبقون القرآن ويهتمون به في كل تصرفاتهم حتى تكون إنسانية محضة، تذكر يا أخي بأنك ذاتٌ وتصرفات عليك أن تحتمي بالله من أجل ذاتك وأن تحتمي بالقرآن من أجل تصرفاتك، والنتيجة يا إخوتي: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فإذا كنا اليوم - وتلك خلاصة ومعادلة – أعداءً لبعضنا وإذا كنا أعداءً لأنفسنا وإذا كنا في غير التي هي أقوم فهذا يعني أننا لم نعتصم بالقرآن الكريم بحبل الله وأننا بعيدون جداً عن هذا الكتاب شئنا أم أبينا وإذا ما نظرنا إلى الواقع فالواقع كذلك ولا تحدثوني عن إسلام أو عن ادِّعاء للإسلام، فنحن بعيدون عن الإيمان بُعدَ المشرقين شئتم أم أبيتم لأن واقعنا لا يدل على أننا نعيش الأخوة مع أنفسنا ومع المسلمين سوانا، وهل هذا الذي يحدث هنا أو هناك من عداوات بين المسلمين في فلسطين وفي العراق وفي كل مكان وفي السودان وحيثما ذهبت وحيثما شرقت وحيثما غربت أتريد أن تقول لي بأن هذا الوضع يدل على أننا مسلمون مؤمنون ؟ لا ورب الكعبة: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته﴾ أي بالإسلام ﴿إخواناً﴾ وإذ لم تكونوا إخواناً فلستم على هذه النعمة بشيء، فلستم مطبقين لهذه النعمة، وإذا كنا في حالة لا نحسد ولا نغبط عليها، بحالة غير قويمة، إذن فنحن غير مستهدين بالكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، نتيجة طبيعية.

الله عز وجل قال: ﴿فأما الذين آمنوا واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه﴾ ونحن لا نعيش برحمة فيما بيننا، برحمة الله صحيح قلت لأخي منذ قليل بالنسبة لله، فالله يرحمنا، والله يغمرنا بعطاءاته، إلا أننا فيما بيننا لسنا في رحمة، فأنت خائفٌ مني وأنا خائفٌ منك، أنت تسلط عليَّ لسانك وأنا أسلط عليك لساني، وأنت تجرحني وأنا أجرحك بلساني وبسَناني، أنا أفجّرك بكلامي وبسلاحي وأنت تفجّرني بكلامك وسلاحك، وكلانا يكون في المسجد ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكلانا يعلن عن نفسه بأنه مسلم ينتسب للقرآن والإسلام والرحمن فهل هذا معقول ؟ ﴿فسيدخلهم في رحمة منه﴾، ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم﴾ هكذا يقول الله عز وجل، أما نحن اليوم فلسنا على صراط مستقيم بل نحن في حضيضٍ متعرجٍ ملتوٍ لا نعرف كيف نمشي ولا نعرف كيف نخطط ولا نعرف كيف نسير، المهم أننا نعيش، نأكل ونشرب، ونبحث عن زيادة في الطعام، وزيادة في الشراب، وزيادة في البيت والمركب، وأما أولئك الذين لا يجدون ما نجد من الطعام فحسبهم منا أنا ندعو لهم وأننا نقدم في أحسن أحوالنا القليلَ القليل بحيث لا يكفيهم.

وبعد هذا نقول عن أنفسنا أننا أهلٌ من أجل أن نكون أول من يدخل الجنة، لا يا إخوتي عبادة الله عز وجل بالقلب والعقل والفكر والسكون والحركة والحال، محبة الله لا تعني أن تقف فقط لتقول (الله) بلسانك لا يا إخوتي، والصلاة على النبي لا تعني بأنك تحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتريد أن تبرهن على حبك لربك وحبك لرسولك وحبك لدينك ؟ إذن من خلال أفعالك وأقوالك وتصرفاتك وحقيقة إيمانك هذا هو البرهان، أما أن تقول وتكثر من الكلام وتكثر من الصلاة والصيام كما قلنا آنفاً من فترة ليست قصيرة فليس هذا بأدلة على ذلك: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراطٍ مستقيم﴾.

اقرؤوا في القرآن الكريم وقفوا عند هذه الآيات واقرؤوا مثالاً على هذا الذي ذكرنا مثالاً عظيماً وهذا المثال لن نستطيع الانفكاك عنه لأنه الأسوة لنا ولأنه القدوة لنا، رسول الله من حيث ذاته اعتصم بربه والتجأ إليه وطلب منه ورفع إليه يديه وتوجه إليه بقلبه في كل الأحوال في السراء والضراء فكانت النتيجة أن الله قال له: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فالتفت رسول الله إلى حراسه من الناس وقال لهم انصرفوا لقد قال لي ربي والله يعصمك من الناس: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ فهل أنت ممن تعتقد أن الله يدافع عنك ؟ إن قلت نعم فأنت سيدافع الله عنك لماذا ؟ ألأنك قلت بلسانك بأنك مسلم ؟ إن الله يدافع عن الذين آمنوا واعتصموا وتوجهوا وصدقوا وتحملوا وقالوا في السراء والضراء أنت ربنا وأنت رب المستضعفين، إن الله يدافع عنك وليس القضية قضية ادّعاء، أنا أقر في النهاية بأننا الأمة التي حازت العلامة التامة بالادِّعاء وأننا أمة أعلنت بملء فيها وبملء كلامها وأسمعت الدنيا ادعاء ما بعده ادعاء ولكن هل ينتج الادعاء شيئاً ؟ (لو يُعطى الناس بحق دعواهم لادعى قومٌ دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي) أين البينة ؟ ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.

تعصي الإله وأنت تزعم حبه                 هذا لعمرك في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته                  إن المحب لمن يحب مطيع

لآمنت به، لاعتصمت به، لاعتصمت بحبله، لكنت مع المسلمين تحترمهم وترعى دماءهم وترعى أرضهم وترعى عرضهم.

أسألك يا رب أن توفقنا للاعتصام بك حقاً وصدقاً، ومن أجل أن نعتصم في تصرفاتنا بكتابك الذي هو هادٍ للتي هي أقوم، اللهم كن معنا ولا تكن علينا، وارحمنا وإن كنا غير أهل من أجل أن ترحمنا لكننا نطلب منك الرحمة لأننا نرجو أن نكون من المعاهدين للسير على الطريق الذي يرضيك عنا، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 5/1/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق