آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
وسائل لتقوية الإيمان

وسائل لتقوية الإيمان

تاريخ الإضافة: 2010/07/30 | عدد المشاهدات: 3911

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

هل فكَّرتَ أخي المسلم، أخي الإنسان في مصدر قوتك ؟ وهل سألتَ نفسك يوماً عن مصدر صبرك وعن مصدر شجاعتك ومصدر سرورك وسعادتك ومصدر أمنك وسلامتك ؟ هل سألتَ نفسك يوماً هذا السؤال: ما مصدر سعادتي ؟ ما مصدر قوتي ؟ ما مصدر اطمئناني ؟ ما مصدر ثباتي ؟ ما مصدر صبري ؟

الجواب أيها الأخ السائلُ نفسَه بكل بساطة: مصدر سعادتك ومصدر قوتك ومصدر أمنك ومصدر صبرك ومصدر اطمئنانك هو إيمانك. فإن كنت غير سعيد، وإن كنت غير قوي، وإن كنت غير صابر، وإن كنت غير مطمئن فثمة إشكال في الإيمان، لأن المؤمن بربه عز وجل قوي، ولأن المؤمن صابر ولأن المؤمن سعيد ولأن المؤمن آمِن، ولأن المؤمن مؤمِّن، ولطالما ذكرنا الآية الكريمة التي تتحدّث عن حوار بين سحرة فرعون وبين فرعون، عندما آمن السحرة ووقف فرعون يهددهم فقال: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أيُّنا أشد عذاباً وأبقى﴾، كان الجواب من السَّحرة وقد خالط الإيمان قلوبهم وعقولهم، خالط الإيمان شغاف قلوبهم، كان الجواب من السحرة بعد هذا التهديد: ﴿فلأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلافٍ ولأصلبنَّكم في جذوع النخل ولتعلمن أيُّنا أشد عذاباً وأبقى﴾، أجابوه: ﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا﴾ ورب الكعبة لن نستسلم لك، والذي خلقنا لن نستسلم لك، لن نؤثرك، لن نفضّلك، ولن نفضّل كل ما لديك من متاع الدنيا على ما جاءنا من البيّنات، على الإيمان الذي دخل قلوبنا واستقرَّ في دواخلنا: ﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض﴾، افعل ما بدا لك: ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا﴾ انتهى الإشكال، والإيمان بالله مصدر قوتنا، والإيمان بالله هو الذي جعلنا نقف أمامك الآن نتكلم، يوم لم نكن مؤمنين كنتَ تقول لنا فنقول نعم، ونذعن ونخضع ونخشع ونستسلم ونستكين: ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾. هكذا ولّد الإيمان في دواخلهم هذه القاعدة، أتشتغل لمن ليس بخير، وخير أفعل تفضيل، يعني الله خيرٌ من غيره على الإطلاق وأبقى من غيره، أتشتغل لمن هو خير وأبقى أم تشتغل لمن هو أقلّ خيراً، أو لمن هو شر ويفنى ؟ ﴿والله خيرٌ وأبقى. إنا آمنا بربنا﴾، تلك هي المقولة، أتراك أنت أيها الشاب عندما تستقبل أمراً ما هل تقف أمامه وقفة مؤمن فتقول: إني آمنت بربي وسأفعل ما أرضي ربي حيال هذا الأمر، إن استلزم الأمر صبراً صبرت وإن استلزم الأمر شكراً شكرت، وإن استلزم الأمر جهاداً جاهدت، وإن استلزم الأمر بذلاً  بذلت، وإن استلزم الأمر والإيمان عطاءً أعطيت، وإن استلزم الأمر والإيمان في هذه القضية تضحية ضحيت، وإن وإن...، فهل أنت ممن يقول هذا أمام كل ما يعتريك ومن يعتريك، أم أنك تستكين وتضجر وتعجز: (استعن بالله ولا تعجِز، احرص على ما ينفعك، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث الصحيح، مصدر سعادتنا الإيمان، مصدر اطمئناننا الإيمان، محّص إيمانك إن أفرز إيمانك صبراً فأنت مؤمن، وإن أفرز إيمانك شكراً فأنت مؤمن: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) هكذا جاء في الحديث الصحيح أيضاً.

لعلك تقول لي: أنا أشعر بأن إيماني لا يمكن أن يكون على المستوى الذي ذكرت فكيف أقوي وكيف أعزز وكيف أغزّر إيماني، كيف أقوي إيماني حتى يمدّني بالسعادة والاطمئنان بالصبر والتضحية في الموقف الصحيح، كيف أقوّي إيماني ؟

أقول لك: هنالك وسائل لتقوية الإيمان:

الوسيلة الأولى: اقرأ القرآن الكريم بتدبر وفهم، اقرأ هذا الكتاب بإمعان، اقرأ هذا القرآن على أنه رسالة الله إليك فسيقوى إيمانك: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾، ولكن أُنبّه نفسي وإياكم إلى نوعية القراءة، ولقد ذكرت على هذا المنبر مرة أو مرتين ما حدث لهذا الرجل المفكر الذي يُدعى محمد إقبال رحمه الله، حدّث عن نفسه فقال: كنت اقرأ القرآن الكريم صبيحة كل يوم وكان يراني والدي وأنا اقرأ فيقول لي: يا ولدي اقرأ القرآن الكريم يزدد إيمانك. أقول – والكلام لإقبال - يا أبتِ وماذا أفعل ! ها أنذا أقرأ القرآن الكريم. ويقول في اليوم الثاني: يا ولدي اقرأ القرآن الكريم. ويجيبه الولد: يا أبتِ وماذا أفعل، ها أنذا اقرأ. وفي اليوم الثالث يقول الأب نفس القول، ويجيب الولد بنفس الجواب، فتأتي التوصية والتوجيه من الوالد: يا بني أتريد أن تكون قارئاً للقرآن الكريم حقاً ؟ يا بني إذا أردت أن تكون قارئاً للقرآن الكريم قراءة حقيقية فاقرأه على أنه عليك قد أُنزل. أما إذا قرأته وأنت تستشعر بأنك لستَ معنياً به، فلن تُسمَّى قارئاً للقرآن الكريم بجدارة وحق. أتريد أن تسمى قارئاً بجدارة اقرأه وكأنه عليك قد أُنزل. أتريد أن نقوي مصدر سعادتنا الإيمان ؟ اقرؤوا القرآن الكريم بتدبر وكأنه عليكم قد أُنزل، وها هو ذا رمضان سيأتي بعد أيام وكلنا سيُقبل على القرآن الكريم، لكنني لا أظن أن إقبالنا على القرآن هو الإقبال الذي طلبه والد محمد إقبال من ولده، الوسيلة الأولى.

الوسيلة الثانية: تفكر في هذا الكون، اقرأ الكتاب المنظور، القرآن كتابٌ مسطور، والكون كتابٌ مفتوح منظور، اقرأه وانظر السَّماء والأرض وما حولك ومن حولك، من وجّه هذا، من رسم لهذا طريقه، من حدَّد مسار هذا، من الذي أبدع هذا، من الذي صوّر هذا ؟ من من.. الجواب من فطرتك من داخلك: الله. اقرأ الكون المفتوح المنظور بعقلك وقلبك وفهمك ولا تكن في غفلةٍ عن هذا فستكون في النهاية مُهملاً ولن تكون معتبراً: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾ هو موطن الاستشهاد، هنا مكمن الأمر، هنا حقيقته فآمنا.

الوسيلة الثالثة: فعل الطاعات، واجتناب المخالفات، أكثر أيها الشاب من فعل الطاعات واجتنب المخالفات، أريدك في عطلتك الصيفية هذه أن يكون لك برنامج طاعات، أن تصلي النافلة، تذهب إلى النادي بورك ذهابك، تذهب إلى النزهة بورك ذهابك، لا بأس اذهب، تذهب إلى المكان الفلاني للتسلية ضمن دائرة المباحات اذهب، بورك ذهابك وتنزهك، لكن ضع بجانب هذا برنامجاً أن تصلي لله عز وجل في اليوم أربع ركعات نافلة، هذه الركعات تطلب من الله فيها أن يقوِّي إيمانك، التجأت إليك يا رب من أجل أن تشحنني ومن أجل أن تمدّني ومن أجل أن تعطيني ومن أجل أن تجعلني أقف في كل التحديات صامداً منتصراً متخذاً الموقف الذي يُرضيك عني يا رب العباد، صلِّ صلاةً نوعية، أكثر من الطاعات يقوَ إيمانك، ولا تكثر من الطاعات اللا نوعية، فلا أريدك صائماً من غير تفكيرٍ في التقوى التي هي غاية الصيام، ولا أريدك مصلياً من غير أن تكون الصلاة وسيلة لتقوية الصلة بالله، لأن الصلاة صِلة في النهاية، وسيلة ثالثة إذن أن تكثر من الطاعات، واجتنب المخالفات، اجتنب المعاصي بالله عليك، المعاصي تأتي على هذا المصدر من أجل أن تُجفِّفه، المعاصي تتنافى مع الإيمان، إذا حضرت المعصية ذهب الإيمان: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري: (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وقس على ذلك، ولا يغشّ الغشاش حين يغش وهو مؤمن، ولا يعقّ العاقُّ والديه وهو مؤمن، ولا يبغض الإنسان أخاه، ولا يؤذي الإنسان جاره وهو مؤمن ولا ولا.., الإيمان يستوجب الأخلاق، والأخلاق تستلزم الإيمان والعلاقة مُطّردة، يزداد الإيمان تزداد الأخلاق، تزداد المعاصي ينقص الإيمان، تزداد المعاصي أكثر يغيب الإيمان ويضمحل. اجتنب المعاصي وكفانا أيها الشباب أن نُغضب ربنا عز وجل صباح مساء في شوارعنا وفي أماكننا العامة وفي أسواقنا وفي متاجرنا وفي عياداتنا وفي كل مكان نكون فيه، كفانا أننا أصبحنا نغوص ونمخر عباب بحرٍ يُسمّى بحر المعاصي والآثام والذنوب، كفانا أيها الشباب نريد شباباً مؤمناً صامداً قوياً مسعِداً سعيداً، مسعداً لأمته سعيداً لنفسه سعيداً بتلك المعاني التي تدخل قلبه وتتربع على عرش عقله، هكذا نريد أيها الإخوة.

الوسيلة الرابعة والأخيرة: عليك بالصاحب الصالح، اصحب صالحاً: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، و: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسبما روى أبو داود، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكأني به منذ أربعة عشر قرناً يتوجه إلى كل واحدٍ منا، وأنتم جميعاً تحبون هذا النبي وتقدّرونه، يتوجه إليكم ولا سيما إلى الشباب ليقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً) من أجل أن تكتسب منه وأن تنتفع منه، ومن أجل أن يكتسب منك وأن ينتفع منك، انظر أصحابك، مَن أصحابك أنت أيها الطالب أيها الشاب، مَن أصحابك ؟ هل أصحابك يتمتعون بالإيمان وبالعطاء، هل يتمتعون بالمعرفة والعلم، هل يتمتعون بمحبة الوطن والتضحية من أجل بلده، هل يتمتعون بتقديم ما ينفع الناس، أم أن صاحبك عبارة عن إنسان تلفُّه الملاهي والملذات والآثام والمعاصي فلا يكاد يغادر مكاناً يعصي فيه ربه حتى يدخل مكاناً أكثر وأكبر من المكان السابق ليعصي ربه أكثر وأكثر وهكذا... وهو في كل يومٍ يسجّل رقماً قياسياً في عصيانه ربه، لا يا أيها الشاب: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل)، (لا تصاحب إلا مؤمناً).

فلنمحِّص إيماننا ونحن في بيوتاتنا، ونحن في شوارعنا، ونحن في نزهاتنا، ولنتذكر دائماً، ولا يمكن أن يقال سوى هذا الكلام: مصدر سعادتنا الإيمان، مصدر صبرنا الإيمان، مصدر قوتنا الإيمان، أنت مؤمن أنت قوي، أنت مؤمن أنت سعيد، أنت مؤمن أنت صابر، أنت صامد أنت مواجه أنت عالم أنت مؤمن لأن الإيمان يفرز سعياً حثيثاً للعلم والمعرفة، فلا إيمان على جهل ولا إيمان مع الجهل وهكذا دواليك.

اللهم إني أسألك بحق المؤمن الأكبر الذي هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تجعل إيماننا بك قوياً، اللهم قوِّ إيماننا، اللهم قوِّ ارتباطنا بك واعتمادنا عليك يا رب العالمين يا مجيب السائلين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله...

ألقيت بتاريخ 30/7/2010

التعليقات

شهد المحبة

تاريخ :2010/12/28

اولا الشكر الي الله الذي ألهمني لكي اكون اليوم ممن يريدون يقونا ايمانهم. أشكرك ايها الشيخ علي هذا النصح، وبارك الله فيك، وجزاك الله خيرا على فعلك.

شاركنا بتعليق