آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
وسائل الثبات وتحدياته

وسائل الثبات وتحدياته

تاريخ الإضافة: 2004/05/14 | عدد المشاهدات: 3083

أما بعد : أيها الأخوة المؤمنون :

الإنسان يبحث عن الحق ، هكذا يقول حينما يتكلم بعقله وقلبه وفطرته ، ولكنه إذا ما وصل إلى الحق أتراه يتابع البحث ـ وعن أي شيء يبحث بعد إذ وصل إلى الحق . أقول للمسلم : هل أنت على الحق أيها المسلم ؟ الجواب : لا شك نعم . المسلم على الحق لأن الإسلام حق لا شبهة في ذلك ، بعد أن تكون على الحق وتعتقد في أنك على الحق عن ماذا تبحث ؟ أعتقد أن الذي يصل إلى الحق ويعتقد أنه صار في رحابه يبحث عن ثبات على الحق ، لأن الثبات على الحق ربما كان أهمَّ من الحق ذاته ، فكم ممن وصل إلى الحق غير أنه زاغ عنه ، وكم من أُناسٍ حصَّلوا الحق في سعيهم إلا أنهم لم يدوموا عليه ولذلك قال ربي عز وجل : ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ آل عمران : 8 فالهداية مطلب لكن الثبات عليها مطلب أهم ، وحينما نتصفح سيرة النبي عليه وآله الصلاة والسلام فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقدم لنا وصولاً إلى الحق بلا شك . الله عز وجل قال : ﴿ والضحى . والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى . وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى . ألم يجدك يتيماً فآوى . ووجدك ضالاً فهدى . ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ الضحى : 1- 8 وجدك باحثاً عن الحقيقة فهداك إليها ، ﴿ ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ الضحى : 8 فهداك إليها يا محمد ، فمحمد على الحق والحقيقة لا شك في ذلك ، لكن هذا النبي كان يدعو فيقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " كان يدعو ويقول : " يا ولي الإسلام وأهله ثبتني به حتى ألقاك " فالمسلم الذي يعتقد أنه على الحق بحاجة إلى أن يتابع السعي من أجل الثبات ولذلك قلت سابقاً : ادعوا الله عز وجل وأنتم تتوجهون إليه بأن يسددنا ( أي بأن يوصلنا إلى الحق ) بأن يسددنا وأن يثبتنا ، أن يسدد أبناءنا وأن يثبتهم ، وأن يسدد بناتنا وأن يسددهن ، ولعل قائلاً يقول : هلَّا فسرت لنا الثبات وأمام أي شيء يكون ؟ سنثبت على الحق ، على الإسلام ، على الإيمان ، ولكن أمام أيِّ تحدٍّ ؟ لعل التحديات التي يجب أن تثبت أمامها وفي مواجهتها على الحق تتلخص في ثلاثة تحديات :
التحدي الأول : أن تثبت أمام الترهيب والوعيد . ستُرهَب وستُتَوعّد ، وسيتوجه إليك بالترهيب والتوعيد ، سيقال لك : إما أن تقلع عن دينك وإما أن تُسَامَ العذاب ، سيتوعدك الطغاة ، فما عليك إلا أن تثبت وأن تتذكر أولئك الذين هُدِّدوا وأُوعِدوا فثبتوا . يروي الإمام أحمد عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام أنه كان يُثبِّت أولئك الذين كانوا يُهدَّدون ويوعدون ويقول لهم : " صبراً آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة " صبراً أمام التهديد ، صبراً آل عمار فإن موعدكم الجنة ، ويروي الإمام أحمد أيضاً أن هؤلاء المهدِّدِين المتوعدين كانوا يُلبِسون بلالاً رضي الله عنه درعاً من حديد ويضعونه في الشمس الحارة ، تحت أشعتها التي تصل إلى أن تذيب شيئاً من الحديد ثم يُسلِمون بلالاً وهو في درع الحديد المُحمِّى إلى الأطفال والغلمان حتى يطوفوا به شعاب مكة ، وبلال تحت هذا الوعيد ، وتحت تلك السياط من التهديد كان يقول ثابتاً الكلمة التي أضحت شعار الثابتين : " أَحَدٌ ، أَحَدٌ " أن تثبت أمام التهديد والوعيد . فيا شبابنا اثبتوا ، ويا إخوتنا في فلسطين والعراق والجولان ، وفيما بقي من جنوب لبنان ، وفي كل مكان : اثبتوا أمام تهديد إسرائيل وأمريكا أمام تهديد الطغاة اثبتوا ، فإنكم على الحق ما دمتم تقولون في جهادكم الله أكبر ، الله أكبر هي عنوان أولئك الذين وصلوا إلى الحق في جهادهم ، فها نحن أولاء نطالبهم بالثبات عليه . أن تثبت أمام التهديد والوعيد .
ثانياً : أن تثبت أمام التشكيك . هنالك مشككون ، هنالك مأجورون يراد منهم أن يشككوا شبابنا في دينهم ، أن يشككوا نساءنا في دينهن ، هناك أقلامٌ استُأجِرت من قبل الطغاة ، استأجرت من قبل أعداء الله وأعداء الإنسان من أجل أن تشكك في دين الله ، من أجل أن تشكك في صحة الإسلام ، من أجل أن تشكك في أحقيتنا في فلسطين ، من أجل أن تشكك بأحقية المسلمين في العراق . ماذا نقول للذين يريدون الثبات على الحق . نقول لهم : اثبتوا أمام تشكيك هؤلاء . ها هو سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه جاءه مرة من يريد تشكيكه – وأنَّى له ذلك إلا أنه حاول لكنه باء بالفشل بعد محاولته أمام إنسانٍ وصل إلى الحق وثبت عليه أيَّما ثبات – قال هذا الرجل للإمام علي : أتؤمن بالجنة والنار ؟ قال : نعم . قال : وهل رأيت الجنة والنار بعينيك ؟ قال الإمام علي : رأيتهما بعيني رسول الله ، وعينا رسول الله أوثق من عيني . وها هو سيدنا الصديق رضي الله عنه أبو بكر حينما جاءه من يريد تشكيكه أيضاً في قصة الإسراء والمعراج فقال يا أبا بكر : انظر صاحبك يقول إنه أسري به في جزء من الليل من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً رواحاً وشهراً غُدُوَّاً ! أجاب الصديق بكلمته المعروفة : إن كان قالها فقد صدق . رسول الله صادق مصدوق ، والقرآن كلام الله لا ريب في ذلك .
الثبات أمام الترغيب : فهناك من يُرغِّبك ويُطمِّعك ، مَنْ يقدم لك المال والنساء وهم كثيرون في أزمنتنا ، من أجل أن يراودوا شبابنا عن دينهم ، يراودونهم بالمال ، يراودونهم بالنساء ، يراودونهم بالفجور ، ولكن أقول لشبابنا اثبتوا أمام هذا الترغيب وهذه المراودة ، واذكروا قول النبي عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في الحديث الذي يرويه البخاري عن الذين يُظِلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : " ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب " قولوها يا شبابنا : إننا نخاف الله ، وإننا نبتغي وجه الله .
من منا لا يعرف ما حدث مع النبي عليه وآله الصلاة والسلام يوم جاءه أولئك الذين أرادوا مراودته عن دينه فقالوا له كما جاء في سيرة ابن اسحاق : يا محمد ! إن كنت قد جئت بما جئت به تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد نساءً زوَّجناك أجمل فتياتنا ، وإن كنت تبغي ملكاً جعلناك سيداً علينا . قال النبي كلمته التي أصبحت الدنيا تتغنَّى بها ، أصبح الثابتون من المسلمين وأولئك الذين يريدون الثبات من غير المسلمين يتغنون بهذه الكلمة : " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلِك دونه " . الثبات أمام التشكيك والثبات أمام الترهيب والثبات أمام الترغيب ، فانتبهوا يا شبابنا .
ولعل سائلاً يسأل أيضاً : كيف نثبُت ؟ قل لي بربك ؟ حدِّثني عن وسائل ومناهج للثبات ؟ أقول : بالقرآن الكريم نثبت ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾
آل عمران : 103 الاعتصام بحبل الله أولاً ، ليكن كتاب الله مرجعك . أريد من كل شاب أن لا يترك يوماً يمر من غير أن يُودِعَ فيه نظراً وقراءةً في المصحف ، لأن النظر في المصحف طريق إلى الاعتصام به ، وهل القرآن إلا كلام الله ، وبالتالي من استنجد بالقرآن أنجده ، من تمسك بالمحفوظ حُفِظ ، القرآن محفوظ ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ الأنبياء : 12 يا طالبنا ، حتى في يوم الامتحان لا أريدك أن تترك القرآن الكريم ولو أن تقرأ سطراً من المصحف الشريف ، ارتبط بالقرآن الكريم من أجل أن تثبت . يا ايها الناس كافة في كل ميادين المجتمع ومجالاته وبُؤَرِه وصُعُدِه : أناشدكم الله أن لا تتركوا كتاب ربكم . بالقرآن الكريم نثبت ، ثم بعد ذلك بلقائنا بعضنا ، بالتعاون فيما بيننا ، بتولي الصادقين منا ﴿ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ التوبة : 119 ، ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ المائدة : 2 بالتعاون ، باللقاء ، بالاجتماع على الخير ، بالتضامن ، بتحقيق الأخوة نثبت ، لأن الأخ حينما يشعر أن إخوته معه يثبت على الحق ، لكنه إن شعر بتخلِّيهم عنه أصبح سهلَ المَنال من قبل أعدائه من أجل أن يفترسوه ومن أجل أن يفترشوه ومن أجل أن ينالوا منه .
ثالثاً : نحقق الثبات بالدعوة إلى هذا الدين ، بالمبادرة ، فمن لم يبادِر بالخير الذي يملكه بودر عليه بالباطل الذي يملكه غيره . لأن الخير إن توقف نشط الباطل ، وإن مشى الخير وسعى فسيزهق الباطل ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾
الإسراء : 81 بالدعوة إلى الخير ، بالدعوة إلى هذا الإسلام . لم لا تمارس الدعوة يا أخي في عيادتك ، في مكتبك ، في قضائك ، في ثكنتك ، فالدعوة إلى الخير تثبتك عليه ، والدعوة إلى الإسلام تبقيك عليه ، وتقول لنفسك ما دمت أدعو الآخرين إلى هذا الدين فلا أقلَّ من أن أثبت عليه حتى تكون دعوتي ناجحة وناجعة ونافعة .
بالقرآن الكريم ، بلقاء الصادقين ، بالتعاون معهم ، بالدعوة إلى هذا الإسلام ، وأخيراً بالدعاء : لا تنسَ في كل يوم أن تقول عند المساء وفي الصباح : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ﴾
آل عمران : 8 قل : ربِّ ثبتني على خير أنت هديتني إليه يا رب العالمين ، ثبت قلبي على دينك ، ثبت سمعي وبصري على دينك ، اجعل في سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي قلبي نوراً وفي مشيي نوراً ، وحيثما كنت نوراً ، اللهم لا تُخلِني من نورك يا نور النور يا رب العالمين .
أكرر ندائي لإخوتي في فلسطين ، اثبتوا يا أهل فلسطين ، اثبتوا على المقاومة من أجل دحر عدو لدود ، ويا إخوتنا في العراق اثبتوا على المقاومة التي تتوجه إلى المحتل ، ويا إخوتنا في الجولان ، ويا إخوتنا في مزارع شبعا ، وفي كل مكان قاوموا المحتل واثبتوا عليه وراقبوا ربكم وأنتم تقاومون ، وإياكم وإيانا أن نخطئ في المقاومة فنقتل من لا يستحق القتل ، فنقتل من نهانا الله عن قتله ، دققوا في هذه القضية فأنا أريدكم وأريد نفسي مسلمين واصلين إلى الحق ثابتين عليه لا نقول إلا ما يرضي ربنا في أشد الحالات حرجاً ، ولا نفعل إلا ما يرضي ربنا في أقسى الحالات حرجاً . يا إخوتي الإسلامَ الإسلام ، والتقوى التقوى في كل أعمالنا ، في مقاومتنا وفي صلاتنا وفي عبادتنا وفي دعوتنا وفي إخوتنا .
وأقول لسورية أخيراً : اثبتي أمام التهديد ، أمام العقوبات التي فرضتها أمريكا ، فستدور الدائرة عليها بإذن الله عز وجل ، وما لنا لا نثبت ! وما الذي نحتاجه من أمريكا حتى لا نثبت على ديننا ومقاومتنا . نحن في غنى عما تقدمه لنا أمريكا ، أمريكا لا تقدم لنا شيئاً ، أتريدون أن نجعل أمريكا شريكة لله عز وجل ، نحن لا نطلب إلا من ربنا ، ونحن ندعو بعضنا إلى أن نستقل بأنفسنا عن أعدائنا وحتى عن غير أعدائنا ، نريد أن نستقل ، أن نأكل مما نزرع وأن نلبس مما نصنع ، وأن نكون أمة مستقلة لا تحتاج أحداً . لئن فرضوا علينا عقوبات اقتصادية فهذا دليل على صحتنا وباطلهم ، دليل على حقنا وعلى غطرستهم ، دليل على عدلنا وعلى ظلمهم ، دليل على حريتنا وعلى فساد قلوبهم وعقولهم ، وإلا ما الذي فعلناه حتى تفرض العقوبات علينا ! ألأننا دعمنا المقاومة ! وهل ندعم الإرهاب !! لا . نحن ندعم مقاومة مشروعة تريد إخراج المحتل الآثم من أرض هي ليست أرضه . ما فرضت العقوبات على سورية إلا من أجل أن لاتثبت سورية على موقفها في دعم المقاومة المشروعة في كل مكان ، في فلسطين والعراق وحيث ما كانت المقاومة . الإسلام دعم المقاومة ، مقاومةَ إنسانٍ غيرِ مسلم ، ولكنه معتدى عليه ، ألم يقل ربنا ويبشر المؤمنين : ﴿ ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيَغلِبون ﴾
الروم : 1 – 2 نحن مع المقاومة ضد المعتدي حتى ولو كان المعتدى عليه لا يدين بديننا ولا يعلن إسلامنا الذي نعلنه ، نحن ضد الظلم حيثما كان ومع العدالة حيثما كانت ، نحن ضد ظلم حيوان على حيوان فما بالكم بالنسبة لإخوتنا في فلسطين والعراق وفي كل مكان . فاللهم بحق محمد وآل محمد انصر العدل وأهله ، انصر الحق وأهله ، أكرمنا يا رب برؤية الحق منتصراً ، واجعلنا جنود الحق حيثما كنا ، واجعلنا في جهادنا منضبطين بشرعك وأوامرك ، لا تجعلنا يا رب نجاهد من أجل حَمِيَّة ، ولا من أجل رفعة ، ولا من أجل أن يرى المكان الذي نصبو إليه ، لكننا يا رب ندعوك لتوفقنا من أجل أن نجاهد وفق شرعك وفي سبيل إعلاء كلمتك ، من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا ووفق شرع الله فهو في سبيل الله ، اللهم آمين يا رب العالمين نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

عبدالله ابو سنينة

تاريخ :2007/08/10

بارك الله فيكم على جهودكم ونفع بكم الاسلام والمسلمين لو تكرمتم بإرسال الخطب وأي فائدة على عنواني للإستفادة منها في خطب الجمعة وجزاكم الله خيرا

شاركنا بتعليق