آخر تحديث: الجمعة 14 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
فِقهُ الجِوار -1-

فِقهُ الجِوار -1-

تاريخ الإضافة: 2022/01/28 | عدد المشاهدات: 701

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

يُقالُ - والقولُ صَحيح - إذا أردتَ أن تعرفَ أنَّ هذا المجتمع أو ذاك بخير فانظُر أمرين اثنين، فإن وجدتَهما بخير فاعلم أنَّ هذا المجتمع بخير، وإن وجدتهما غير ذلك فاعلم أنَّ المجتمع ليس بخير. هذان الأمران: (الأسرةُ والِجوار). إذا كانت الأسرة مَتينة مُتماسكة مُتآلفة مُترابطة، وإذا كانَ الجِوارُ جوارَ خير وأمان واطمئنان فاعلم بأنَّ مُجتمعك بخير. أنا لا أريدُ أن أتحدَّث عن الأسرة، فسأُرجِئُ الحديث إلى وقتٍ آخر، أما الجِوار وهذا ما يعنينا جميعاً ولا سيما في هذا الوقت، والذي تؤيدونني بالحكم عليه، إذ أضحى الجِوارُ يشكو من مرضٍ ألمَّ به، فما الذي تعرفه أنت أيها المسلم عن كيفية تكوين وتحقيق ما يُسمَّى بحسن الجوار. نحن مُقصِّرون في هذه القضية، ولذلك سأتحدَّث عمَّا يجب علينا أن نقومَ به ليكون مجتمعنا مُتَّسِماً بحُسن الجوار.

الأمر الأول: علينا أن نَعِيَ هَديَ الإسلام في الجوار، والوعي عِلمٌ وحُسن توظيف لهذا العلم، ما ورد في الجِوار من آثار (آيات وأحاديث وأحكام) وهو الذي نسمِّيه بفقه الجوار، عليك أن تتعلَّمَ أحكامَ دينك، عليكَ أن تتعلَّم أحكامَ فقه دينك، ومن جُملة هذا الفقه أن تُحسِن فِقه الجوار، لأنَّك تعيشه، فما مِنَّا إلا وهو جار، فأنت جاري وأنا جارك، والجِوار يؤدِّي إلى شيء سنتحدَّث عنه في الأسبوع القادم، إلى المواطنة. عليك أن تَعِيَ هدي الإسلام في الجوار، أن تُلِمَّ بفِقه الجوار.

الأمر الثاني: من هذا الفقه التَّعامل مع الجار بعدلٍ وإحسان: أما العدلُ: فأن تقومَ بواجباتك نحوه، وهذه الواجباتُ شُرحت في آثارٍ كثيرة: إن استقرضَكَ أقرضتَه، إن استعانك أَعنته، إن احتاجَ إليك لَبَّيتَ احتياجه، إن مَرِضَ عُدتَه، إن افتقر عُدت عليه، إن توجَّه إليك بحاجة فاقضِ حاجته: (ولا يمنَعْ جَارٌ جارَه أن يَغرِزَ خَشَبةً في جداره) جارُك احتاج جدارك ليقيم عليه شيئاً ينفعه فَلَبِّ له هذه الحاجة، جارُك احتاج إلى أن يَصنعَ نافذةً تُطِلُّ على سَطحك ولا تُؤذيك فاسمح له.... وهكذا دواليك. أن تقومَ بواجباتك نحوه، من العدلِ أن تَتعاونَ معه، أن تتعاونا مَعَاً لخدمةِ سائرِ الجِوار، أن تتعاونَ معه لخدمة الحيِّ، أن تتعاونَ معه لخدمة البلد، أن تتعاونَ معه لخدمةِ المرضى في حَيِّك، فإن لم يكُن في حَيِّك مَرضى ففي الحيِّ الذي في جِوار حَيِّك، أن تتعاونَ معه في خِدمة المحتاجين في حَيِّك، فإن لم يكن في حيك محتاجون فابحث في الحي الآخر المجاور، وهكذا يجاور الحيَّ حيٌّ آخر إلى آخر أحياء المدينة، فكل مَنْ في المدينة جيران. سأَدَعُ لكم الخيالَ والتَّصور لتتصوروا الحالَ التي نحنُ عليها فيما يتعلق بالقيام بواجباتنا نحو الجار وفيما يتعلق بالتعاون مع الجار في خدمة سائر المواطنين في الحيِّ نفسه وفي الأحياء الأخرى المجاورة، وهكذا إلى أن تنتهي الأحياءُ في آخر نقطةٍ في المدينة، فهَلْ أنتَ تتعاونُ مع جارك، وهل أنتَ تقومُ بواجباتك نحو جارك ؟! أسئلةٌ بِرَسمِك، وبِرَسمِ دينِك وإيمانك وإسلامك، وبَعدَها أَجِبْ عن هذه الأسئلة بينك وبين نفسك.

أما الإحسان: فتجلِّياتُه أن تحبَّ لجارك ما تحبُّ لنفسك، (والذي نفسُ مُحمَّدٍ بيده لا يؤمنُ جارٌ حتى يُحبَّ لجاره ما يُحبُّ لنفسه) هكذا يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أول الإحسان، وثاني الإحسان أن تتحمَّل أذاهُ فضلاً عن أن تُحسِن إليه، فضلاً عن أن تقومَ بواجباتك نحوه، فضلاً عن أن تتعاون معه، فضلاً عن أن تُحبَّ له ما تُحبُّ لنفسك، أن تتحمَّل أذاه، يقولُ سَيِّدُ مَنْ أحسنَ وأعطى للجِوار رَوْعَته وأَناقَته صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ يُحبِّهم اللهُ: الرجلُ الذي يُؤذيه جارُه فيصبرُ على أذاه حتى يُفرِّقُ بينهما مَوْتٌ أو ظَعْن) "أي سفر"، له جارٌ يؤذيه فيصبر عليه حتى يُفرِّقَ بينهما موتٌ أو سَفر، من تحمَّلَ أذى جاره فقد أحسن إليه. أريدُ أن أرسم معكم خَارِطَةَ طريق حُسن الجوار، بدأنا بالعدلِ، والعدلُ قيامٌ بالواجبات وتعاونٌ على خِدمة البلد وأحيائه، وإحسانٌ، والإحسانُ أن تُحبَّ له ما تُحبُّ لنفسك، وأن تتحمَّلَ أذاه إن هو أذاك. سنُكمِلُ في الأسبوع القادم تتمَّة "فِقه الجوار" ونريدُ من وراء ذلك أن نصلَ إلى تحسين هذه القضية، إلى التحقق بحُسن الجوار، فإن تحقَّقنا فاعلم بأننا في طريق الخير سائرون، وإلا اعملوا ما شئتم من خير، فإن عملتم هذا الخير كلَّه، لكنَّكم لم تتحققوا بحُسن الجوار فالقضيةُ ليست مَقبولة عندَ ربِّنا عزَّ وجَلَّ ولا عندَ سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسَنَرى ذلك في خُطبةٍ لاحقة قادمة إن شاءَ اللهُ تعالى. اللهمَّ حَقِّقنا بحُسنِ الجوار، اللهم اجعلنا من الذين يُحسنون إلى جيرانهم، ومن الذين يُحسنون إلى مُواطنيهم، لأن المواطنةَ في النِّهاية حُسنُ جِوار، وفِّقنا لذلك يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَنْ يُسأَلُ أنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أنت، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

أُلقِيت في جامع "السيِّدة نفيسة عليها السلام" بحلب الجديدة بتاريخ 28/1/2022 

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/aQ3Gi9DPsP/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق