آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
مُقوِّماتُ السِّيادة الحقيقيَّة

مُقوِّماتُ السِّيادة الحقيقيَّة

تاريخ الإضافة: 2023/11/24 | عدد المشاهدات: 273

 

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

ثمَّة أوصاف وألقاب يسعى الإنسان من أجل أن يتَّصف بها، لكنه إذ يسعى لا يقدمُ ما يجب أن يقدمه حتى يكون حَقيقاً وجَديراً بهذه الصِّفة الذي يَسعى للاتصاف بها. وعلى سبيل المثال: مَنْ منا لا يسعى إلى أن يتَّصف بالسيادة، إلى أن يكون سيداً ؟! كُلُّنا يحبُّ أن يُوصَف بالسَّيد وأن تكون السِّيادة لقباً وصِفةً يتَّصف بها ويُلقَّبُ بها، ولكن هل فكَّرتَ يا أخي في يومٍ من الأيام في مضمون هذه الصفة وهذا اللقب ? هل فكَّرتَ كيف يُمكنك أن تكون سَيداً بمعنى الكلمة ? أم أنك تريدُ أن تحصُل على اللقب أو على الصفة حتى ولو لم تكن جَديراً بها ? لأن العصرَ اليومَ عصرُ ألقابٍ في غيرِ مَوطِنها، وعصرُ شِعارات، وعصرُ ادِّعاءات. السِّيادة - يا صديقي - صِفةٌ جَميلة عَظيمة، لكن من أجل أن تتحقَّق بها عليك ما يلي:

اجتَنب مَحذُورين اثنين: أما الأولُ فالكذب. السَّيِّدُ لا يَكذب، (إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور) هكذا قال سيدُ الأسياد عليه الصلاة والسلام، (إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار) والفاجرُ لا يَكونُ سيداً، اجتنب الكذب.

واجتنب الظلم. (إيَّاكم والظلم، فإنَّ الظلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامة) الظالم لا يكون سَيداً، إذا كنت تريدُ فِعلاً أن تتصف بالسيادة وأن تُلقَّب بالسيادة فإياكَ والظُّلم. اسمعها وضَعها في قَلبك، وضعها في أذنيك، وضعها أمام عينيك أيها الإنسان السَّاعي إلى سِيادةٍ إنسانية. وأنا أخاطِبُ الأفراد كما أخاطبُ الدُّول، كما أخاطبُ الجماعات، فالدولة تسعى من أجل أن تكون ذاتَ سيادة، والجماعة أية جماعة تسعى من أجلِ أن تكونَ ذات سيادة، فيا هؤلاء، يا أيها السُّعاة، يا ايها السَّاعون إلى سيادة: السِّيادة تكون أولاً باجتناب مَحذُورين: اجتنب الكذب والظلم.

وجانِب سلوكين: ابتعد عن سلوكين، أما السُّلوك الأول الذي ينبغي أن تُجانِبه حتى تكون سيداً فهو الإيذاء. اجتنب الإيذاء، لا تَكُن مُؤذياً، السِّيدُ لا يؤذي، (لا تُؤذوا عبادَ الله) هكذا قال سيد الأسياد عليه الصلاة والسلام: (لا تُؤذُوا عبادَ الله، ولا تُعَيِّروهم، ولا تَطلُبوا عوراتهم)، مَن يَطلُب عوراتِ النَّاس، من يَتَتَّبعُ عوراتِ الناس فليس بسيد، وحاشا أن يشمَّ رائحة السِّيادة من قريبٍ أو من بعيد. إيذاءُ النَّاسِ لا يُوصِلُك إلى أي مَرتبةٍ رفيعة ولو كانت بسيطة من مراتب الإنسانية، بل إنَّ إيذاء الناس يَهوي بك لتكونَ في الحَضيض، (إن هم إلا كالأنعامِ بل هم أضل).

السُّلوك الآخر الذي يجب أن تَجتنبه مُجانبةً واجتناباً كاملاً هو التَّبَعِيَّةُ العَمياء. وإني لأرى النَّاسَ اليوم بشكلٍ عام يَسيرون مع الغَوْغاء، المفروض أن تكون مع الله، أن تكون مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أن تكونَ مع أولياءِ الله، مع الصَّالحين، وإن كان هؤلاء - أعني الصالحين - يُخالِفون هَواك، نحن نَنتقي من نَتَّبعه ومن نكونُ معه انتقاءَ صاحبِ أهواء، هَوانا هو الذي يَنتقي من نتَّبع، هَوانا هو الذي يدفعنا من أجل أن ننتقي هذا الذي نَتَّبع، إن كان هذا المتبوع يوافق هَوانا اتَّبعناه، لا يا أخي، (لا تكونوا إمَّعة) هكذا قال سيد الكائنات عليه الصَّلاة والسلام، (لا تكونوا إمَّعة، تقولون إن أحسَنَ النَّاسُ أحسَنَّا، وإن أساؤوا أسأنا) لا تكونوا إمَّعة، (ولكن وَطِّنوا - أو وَطِّدوا - أنفسكم على إن أحسن الناسُ أن تُحسِنوا، وإن أساؤوا أن لا تظلموا) يا أيها السَّاعون لسيادةٍ حَقيقية، الذي يسعى للسيادة الحقيقية لا يُقاتِلُ تحتَ راية عُمِّيَّة أو عَمِّية على اختلاف الألفاظ وجَوازاتها في اللغة، الذي يريد أن يكون سَيِّداً يُقاتِل تحت راية: لا إله إلا الله مُحمَّدٌ رَسولُ الله حَقيقةً وليسَ ادِّعاء، وليس شعاراً، كُن معَ الله، ولهذا المؤمن لا يبحث عن الغوغاء من أجل أن يَصْطَفَّ معهم، أو الإنسان السَّوي لا يبحث عن الناس من أجل أن يَصْطَفَّ معهم، ولكنه يختطُّ خَطاً مضمونه: الاستخارة والاستشارة، استَخِر عَزَّ وجل. مَن الذي يَستخيرُ اللهَ عَزَّ وجل منكم أيها الإخوة اليومَ في أموره، في كلامه ? هل أقولُ هذا الكلام، هل أتبنَّى هذا الموقف ? إذاً فلأستَخِر، وعَليَّ أن أستخيرَ اللهَ عَزَّ وجَل، فهل تُصلُّون صلاةَ الاستخارة فيما تريدون الحديثَ فيه، أو فيما تريدون فعله، أو فيما تُريدُون الكَفَّ عنه من المباحات بلا شك، وليسَ من الأمور المحرمة أو الأمور الواجبة أو المفروضة. مَن الذي يَستخير، هل عَلَّمتم أولادكم الاستخارة ? الإنسان بدلاً من أن يكون مع الغوغاء عليه أن يَستخير ربَّه، وعليه أن يستشير أهلَ ربِّه، العُلماء العاملين الصَّادقين، ولا يَستشيرُ العُلماء المشعوذين الذين يَركُضون وراءَ مَصالحهم الدُّنيوية على حساب آخرتهم، وعلى حساب دِينهم. استخارةٌ واستشارة.

وتحقَّق بِخُلُقين من أجل أن تكونَ سَيِّداً: أما الخلقُ الأول فالعدل. إن لم تكن عادلاً في كُلِّ سُلوك فلا يُمكن أن تكونَ سَيِّداً، والعدل أن تُعطي كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، (إنَّ المقسِطين) أي العادلين الذين يَعدِلُون (إنَّ المقسِطينَ على مَنابرَ من نورٍ يوم القيامة، الذين يَعدِلُون في حُكمِهم وأهليهم وَمَا وُلُّوا) في كلِّ أمرٍ يَتَولَّونه، فهم القَائمون بالعدلِ خيرَ قِيام.

أمَّا الخُلُق الآخر فهو الحياء. أتدرون ما قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلام عن الحياء ؟ قال: (لِكُلِّ دِينٍ خُلُق، وخُلُقُ الإسلام الحياء) واليومَ إذا ما أردتَ أن تحكُم على نفسك أو على مجتمعنا بشكلٍ عام فهل تستطيعُ أن تَصِفَ مُجتمعاتنا بالمجتمعاتِ الحَيِيَّة ؟ أتركُ الحُكمَ لك أيها الإنسان المسلم العادل، (لِكُلِّ دِينٍ خُلُق، وخُلُق الإسلام الحياء)، (الإيمانُ بِضعٌ وسَبعونَ شُعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان) فمن لا حَياءَ عنده لا إيمان عنده، ومَن لا حياءَ عنده لا دينَ عنده، ومَن لا حياءَ عنده فلا إنسانيةَ عنده، و: (إذا لم تستحِ فاصنَع ما شئت). ومن هنا أستَلُّ خَيطاً من هذا الذي قلت لأقول: حينما نذكُرُ هذا الكِيانَ الغاصب "إسرائيل" فهل يُمكِنُ أن تكون "إسرائيل" دَولة ذاتُ سِيادة ? أيها العُقلاء: باللهِ عليكم، أيها الناس: هل يُمكِنُ لهذا الكِيان الغاصب المحتلِّ الأثيم أن يُسمَّى مِنْ قِبَلنا، ومِن قِبَلِ بعضِ أفرادٍ منا، ومِن بعضِ دُول منا أن يُسمَّى دولة، والدَّولةُ تكونُ ذات سيادة، فهل هذا الكيان الغاصب يمكن أن يوصف بالسِّيادة ؟! وهو ظالمٌ وكَذَّاب ومُؤذي وإمَّعة، مع الغوغاء، وهو الذي لا يعرفُ الحياء، وهو الذي لا يَعرفُ العَدل، أتريدون أن تُسَمُّوا - يا هؤلاء، يا أبناءَ جِلدَتنا - أتريدونَ أن تُسَمُّوا هذا الكيانَ بالدَّولة، وتعترفوا بأنه دَولة وذات سِيادة ؟! بئسَ هذا القولُ إذ تقولون، ولذلك أقول: لا سِيادةَ، وحاشا، لا سيادةَ لهذا الكِيان، ولا سِيادةَ لكل مَن يُؤيِّدُ هذا الكِيان، لِكُلِّ مَن يعترفُ بهذا الكيان، ولِكُل من يُطَبِّعُ معَ هذا الكِيان، ولكل مَن يُسانِدُ هذا الكيان، ولكلِّ من يفتحُ سَفارة لهذا الكيان في بَلَده، لا سِيادة. هذهِ كَلمة صَريحة ينبغي أن نقولها، ونحن لا نتكلم سِياسةً، وإنَّما نتكلَّمُ دِيناً، هذا ما نَدِينُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ عليه، فاللهمَّ رُدَّنا إلى السِّيادة التي تُقرِّها أنت يا رب، والتي ترضى عنها أنت يا رب، رُدَّنا إلى ذلك رَدَّاُ جَميلاً، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 24/11/2023

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

 

https://fb.watch/owzpNwTGlX   /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

 ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

 

التعليقات

شاركنا بتعليق