آخر تحديث: الجمعة 21 يونيو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الفريضة الخامسة

الفريضة الخامسة

تاريخ الإضافة: 2024/06/07 | عدد المشاهدات: 127

 

أمَّا بعد، فَيَا أيُّها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنون إنْ شَاءَ الله:

ها نحن أولاء نعيش في رحاب أيام الركن الخامس من أركان الإسلام، في رحاب أيام الحج، الفريضة الأكيدة، فيا أيها المسلم: إما أن تكون مُستطيعاً ونويتَ الحجَّ وعَزَمتَ عليه وشرعت به، كما هو الحال لكثيرٍ من حُجَّاجنا السُّوريين، عندَها أقول لك: تقبَّل الله منك، وغفرَ ذنبك، وزوَّدك اللهُ بالتقوى، ووجهك للخير حيثما توجَّهت، وإما أن تكونَ غير مُستطيع، ولكنك تُريد وترغب وتنوي، فأنا أقول لك هذه النية القوية مع عدم الاستطاعة، أسألُ اللهَ أن يكتُبَ بهذه النية لكَ حَجَّاً وأجرَ حَج إن شاء الله، لأنَّ النيةَ الأكيدةَ والقوية مع عدمِ الاستطاعة والإمكانية هَذا يَجعَلُك في مَصَافِّ مَن حَجَّ وعَزَم وشرع، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من غزوة تَبوك، وقد وَصَل مَشارف المدينة قال لمن حوله: (إنَّ بالمدينة أقواماً ما سِرنا مَسيراً ولا قطعنا وادياً إلا وكانوا معنا) فقال الصحابة الذين مع النبي: كانوا معنا وهم في المدينة ؟! قال: (نَعَمْ، حَبَسهمُ العُذر) ولو لم يكن هذا العذر لكانوا معنا، فنيَّتهم قوية في أن يكونوا معنا فلم يستطيعوا، لأنَّ عُذراً قاهراً حَبَسه. وهذا الذي نوى الحج، ولم يستطع ولم يكن في مُكْنَته أن يَحُج سواء أكان ذلك من حيث المادة أو من حيث الصحة، فأقول له: طِبتَ وأنت في مكانك ولك أجر الحج إن شاء الله، وأما النوعُ الثالث: فذاكَ الذي استطاع ولم يَحُجَّ، أقول له: لا اتهمك بالإثم، ولكنني أقول لك: إنَّك مُقصِّر، ما دُمتَ تستطيعُ مادةً وصحة، تمتلكُ ما يُوصلك إلى أداءِ هذه الفريضة فلم تفعَل فأنتَ مُقَصِّر، وبالتالي ما عليكَ إلا أن تُعاهِدَ نفسَك الآن، تقولُ: يا رب، إِن تَيسَّر لي الحج هذا العام مع الصُّعوبات التي نعلمها جميعاً، لكن في مُعاهدتك ربك عليك أن تقول هذا: يا رب إن تيسَّر لي هذا العام الحج فسأحج، وإن لم يَتَيسَّر فأعاهدك إن أبقيتني على قيد الحياة لأؤدينَّ هذه الفريضة العامَ القادم، وأسألُ الله بهذا العهد أن تكونَ عند الله من المقبولين وأن تتلافى التقصير وأن يُرفَعَ عنك ما سَمَّاه بعضُهم، ولا أسميه أنا، ما سَمَّاه بعضهم إثماً وذنباً، ورُبَّما وصفه بعضٌ آخر بالإثم الكبير والذنب الفظيع، هذا بالنسبة لأولئك الذين استطاعوا ولم يحجوا.

أما ذاك الذي توجَّه للحج ووصل إلى هناك نقول له: تذكَّر بأنَّ هذه الفريضة تُعلِّمك أول ما تعلمك الإخلاص، وبعدَ الإخلاص تُعلِّمك أن تقول في كُل حياتك لربك: لَبَّيك اللهم لبيك، لبيكَ لا شريكَ لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك، شِعارُ هذه الفريضة التلبية، أن تقول لبيك من أجل أن تكون هذه التلبية عُنوانا سلوكك في حياتك، فأنت في صلاتك تقول لبيك اللهم لبيك، وفي دراستك تقول لبيك اللهم لبيك، وفي دائرتك تقول لبيك اللهم لبيك، أي لبيك من أجل أن أفعل ما أمرتني به حيث أنا، وأن أجتنبَ ما نهيتني عنه. أيها الحاج لتكن التلبية عنوان فريضتك التي أنت فيها والتي تقوم بأدائها والتي تستشعر عظمتها وأنت تُؤدِّيها.

أنت أيها الحاج ستخلع لباسك فتذكر التَّجرد لله عز وجل، تذكَّر بهذا الذي تلبسه، لباس الإحرام، بأن هذا اللباس الموحَّد ينبغي أن يكون عنواناً لتجرُّدِك عن الدنيا، ولربط نفسك وقلبك بالآخرة، من أجل أن يكون هذا اللباس عُنواناً لزُهدٍ في الدنيا، (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).

بعد الإحرام ستطوفُ حولَ الكعبة، والطواف حَركةٌ تُخفي وراءها مَعانٍ ومَعان، تخفي وَراءَها دِلالات رائعة، الطَّواف سبعة أشواط أنك مُلتزم ومُلازم، الطواف يعني الملازمة والالتزام، أنت تلتزم بيتَ الله، وتلتزم أوامر الله، وتلتزم عبادة الله، وأنت تعاهد الله على الالتزام والملازمة، الطواف مُلازمة والتزام.

السَّعي بعد الطواف تَبليغٌ ونَشاط بالحال قبل القال، تذهبُ من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا من أجل أن تذهب إلى الشرق والغرب في بيتك، في بلدك، في عالَمك، عليك أن تُحيط عِلماً بشرقك وغربك لتُبلِّغه رسالةَ الإسلام، لتبلغه هذه الرسالة التي أكرمك الله عز وجل بها، وليكن التبليغ بالحال، كُن داعياً إلى الله بحالك، بحركاتك، بسكناتك.

وبعد السَّعي تذهب من أجل أن تؤدِّي الركنَ الأعظم من أركان الحج، تذهب إلى عرفات، وعرفات وما أدراك ما عرفات ! عرفات موقفٌ عليك أن تخرج منه وأن تنتهي منه وقد استقرَّ في داخلك بأنك خُلقت للعِبادة وللمعرفة، هنا يتبيَّن لك عِلَّة خَلقك، لماذا خُلقت وأنتَ واقفٌ على هذا الصَّعيد الكبير العظيم المعظّم، أنت في عرفة فاعرف ربَّك أيها الإنسان الحاج، اعرف ربَّك واعلم بأن ربَّك خلقك وهو يقول: (وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون) (ومَن عرفَ نفسَه عرفَ ربَّه) هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، أنت مخلوق وأنت ضعيف وأنت وأنت.... إلى آخره، لكنك تقوى بربك من خلال عُبوديةٍ صادقة، ولكنك تكون وتصبح كبيراً حينما تلتجئ إلى ربك، حينما يُحبُّك ربك، (فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمعُ به، وبَصَره الذي يُبصِرُ به، ويده التي يَبطِش بها، ورجله التي يمشي بها).

أفضنا الليلة مِن عرفة                           وكُلٌّ رَبَّه عَرفه

  وسِرنا نحو مُزدلفة                          وفاضَت أبحرُ الكَرمِ

وبعد عرفة تأتي مِنى، وأنت في مِنى تقوم برجم الشيطان، وهناك حركة رمزية، تمسِكُ الحَصى وتقول: مَرضاةً للرحمن، ورجماً للشيطان، وتذكَّر يا أخي الذي لم تحج بأن الحاج يفعلُ هذا، فما عليك إلا أن تتصوَّر موقفاً وأن تقول حيث أنت، في هذا المسجد، في بيتك، في مسجد آخر: اللهمَّ مَرضاةً وإرضاءً لك، ورجماً للشيطان، (إنَّ الشيطانَ لكُم عَدوٌّ فاتِّخذوه عدواً) لقد رَجَمه أولئك الذين حَجُّوا ورَجَمته أنت إذ حَجَجْت، وسترجُمه حينما تحج، فآمل ألا تتخذَ هذا المرجومَ الرَّجيم صديقاً لك بعد الرجم، أو بعد هذه الفِعلة المعبِّرة، إياك أن تعودَ لمصادقته أو للتَّحالف معه بعد هذه الشَّعيرة.

بعد رَجم الشيطان تعودُ من أجل أن تطوفَ حولَ البيت، حول الكعبة المشرفة، وها أنذا أقول لك أخيراً، والحديث يطول إن أردنا التفصيل، حيثما كنت أيها الحاج، وحيثما كنت أنت يا مَن تشتهي وتنوي وترغب في أن تكون مع الحجاج: لا تنسَ أن تدعو بما يلي: أيها الحاجُّ بالدَّرجة الأولى، وأيها الإنسان هنا في هذه الأيام الفضيلة: أكثر من التهليل والتكبير والتلبية، وقل وأنت تدعو الله: اللهمَّ ألِّف بينَ قلوب المسلمين، اللهم اجمع كلمةَ المسلمين، اللهم اجعل المسلمين أمةً واحدة على مَن عَداهم، ادعُ للمسلمين من أجل أن يكونوا صَفَّاً واحداً، كلمةً واحدة، أمةً واحدة، هذا واجب في عنقك أيها الحاج وأيها الإنسان الذي أنتَ هُنا، في هذه الأيام الفَضيلة، ومع هذا الدُّعاء دُعاءٌ آخر تقول: اللهمَّ انصر إخوتنا في فلسطين على أعداء الدِّين. لا تنسَ هذا الدعاء، فاليوم نحن على المحكِّ، إن انتصرت إسرائيل لا سمحَ الله ولن تنتصر، إن انتصَر هذا الكيان فسَلامٌ على المسلمين مَن كانوا سواء أكانوا صوفية أم سلفية، شيعةً أم سُنَّة، حنفياً كان أو شافعياً، وإذا انتصر المسلمون وسينتصرون بفضل الله، سينتصرون، فاعلم بأنَّ النصر لن يُنسَبَ لمسلمٍ دون مسلم، سَيُنسَبُ للمسلمين كافة، لأنهم تضامنوا وتعاونوا ودعا بعضُهم لبعض، وجَهَّزَ بعضُهم بعضاً، وأعانَ بعضُهم بعضاً، وكان بعضُهم لبعض ظهيراً، سيُنسَبُ النَّصرُ للمسلمينَ كافة، وذلك بفضلٍ من الله عَزَّ وجَل، فاللهمَّ انصُرنا على أعداءِ الإنسانية أينما كانوا وحيثما حَلُّوا يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَنْ يُسأَلُ أَنت، ونِعْمَ النَّصيرُ أَنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله    .

 

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 7/6/2024

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/syJf52fdlr /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

 

التعليقات

شاركنا بتعليق