آخر تحديث: الإثنين 21 يونيو 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
وضوح المسلم

وضوح المسلم

تاريخ الإضافة: 2004/07/30 | عدد المشاهدات: 3216

أما بعد ، أيها الأخوة المسلمون المؤمنون :
لعلنا إذا سألنا عن مزية أكيدة كبيرة في المسلم لقلنا إن مزية المسلم الوضوح ، الوضوح والسطوح والعلنية وعدم المخاتلة وعدم الخيانة وعدم اللمز وعدم الهمز . المسلم واضح ، المسلم جليّ ، المسلم ساطع ، المسلم نقيّ ، ولذلك يا أخوتي وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم واضحاً ساطعاً أمام الناس يوم قال له ربه عز وجل
﴿ فاصدع بما تؤمر الحجر : 15 وقف على الصفوة على ربوة على جبيل قال : أيها الناس أرأيتكم لو إني أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً . قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " واضح المكان ، عالٍ ، اللهجة واضحة ، الإدانة واضحة ، ننادي المؤمنين اليوم إلى الدخول إلى ساحة الوضوح فيما بيننا وبين بعضنا ، فيما بيننا وبين أعدائنا ، فيما بيننا وبين وأنفسنا ، فيما بيننا وبين أقرب الناس إلينا ، وقد قلت مرة ومنذ أكثر من خمسة عشرة عاماً : ( الواضح رابح ) وإذا لم تكن واضحاً فلا تلومنَّ إلا نفسك إذ لم تربح ، والوضوح يتجلى في أمور : يتجلى في الارتباط ويتجلى في المنهاج ويتجلى في الأسلوب ويتجلى في المواقف والعلاقات .
يتجلى في الارتباط : بمن ترتبط أنت ؟ وما كُنْهُ وجودك الارتباطي ؟ المسلم يقول بكل وضوح كما جاء في الحديث الصحيح ارتبط بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد نبياً ، جاء في الحديث الصحيح من قال : " آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً فقد استكمل الإيمان " وفي رواية : " فقد وجبت له الجنة " ارتباطنا واضح ، ولا يجوز أن تدين إنساناً مسلماً من غير أقواله ، عليك أن تسمع أقواله لتدينه أو لتحكم عليه ، وعلى المسلمين أن يقولوا من حيث ارتباطهم إننا نؤمن بالله وإننا نؤكد على أن محمد رسول الله وعلى أن القرآن كلام الله وعلى أن الإسلام دين الله الذي ارتضاه لنا :
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً المائدة : 3 وضوح في الارتباط .
وضوح في المنهاج : ما منهاجك أيها الإنسان المسلم ، أيها الطالب ؟ أيها الأستاذ ، أيها المسلم حيث كنت : ما منهاجك ؟ كلنا يقول وأعتقد إذا سئل هذا السؤال سيقول : منهاجي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً : كتاب الله وسنتي " وفي رواية : " كتاب الله وعترتي " الذين يحملون السنة والذين يفقهونكم في السنة وفي الكتاب ، وضوحٌ في المنهاج ، كتاب الله بيدنا اليمنى وسنة رسول الله بيدنا اليسرى ، ونحن ماشون ساعون سائرون في هذه الحياة الدنيا ، قولوا يا شبابنا ، يا طلابنا ، يا أبنائنا ، يا مسؤولينا : إذا ما سئلتم من أي إنسان من غير تردد إننا اتخذنا كتاب الله منهاجاً ، وسنة رسول الله الموضحة لكتاب الله منهاجاً ، أيضاً واتخذنا رسول الله معياراً ، المنهاج كتاب الله ، والسنة والمعيار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته وأصحابه .
أما الوضوح في الأسلوب : نحن دعاة ولسنا قضاة :
﴿ ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة النحل : 125 أنت داعٍ إلى الله عز وجل ، الأسلوب هو الدعوة ، والأسلوب هو المجادلة مع أهل الكتاب بالحكمة والموعظة الحسنة ، الأسلوب هو الدعوة والأسلوب ، أنت داعٍ إلى الله عز وجل ، والأسلوب هو المجادلة بما هو أحسن : ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن العنكبوت : 46 الأسلوب هو دعوة تتجلى مجادلة مع أهل الكتاب وتتجلى دعوة . أسلوبنا دعوة بالحكمة ، بالموعظة الحسنة ومجادلة مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن ، وهذه الدعوة على بصيرة : ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة يوسف : 108 ونناقش الدعاة اليوم في العالم الإسلامي الدعاة في أن يكونوا دعاةً لا قضاة ، وفي أن يدعوا لله على بصيرة . إياك والحديث الضعيف ، إياك والحديث الذي لم تفهم دلالته ، إياك والمقولة التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ، إياك والمعنى الذي لا يحتمله كتاب الله ، إياك والشرود عن ساحة الدلالات الحقيقية لكتاب الله أو لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إياك وعدم التأكد من صحة الحديث متناً أو سنداً ، فالأسلوب ﴿ على بصيرة ولقد ذكر صاحب كتاب إعلام الموقعين ابن قيم الجوزية قال : " إن أناساً منا سَطوا على غير حقوقهم فتكلموا باسم الله غير مفوضين ، وقالوا عما أحل الله حرام ، وعما حرم الله إنه حلال ، فيا ويلهم إذ يوقِّعون من غير تفويض عن الله عز وجل . على بصيرة ، وضوح في الارتباط ، ووضوح في المنهاج والمعيار ، ووضوح في الأسلوب .
ووضوح في العلاقات رابعاً ، في المواقف: ما موقفك باختصار مع الله ؟ ثلاثة أمور : إيمان بالله ، توحيد ، عبودية . الموقف واضح . ما موقفك ؟ ما علاقتك مع رسول الله ؟ ثلاثة أمور واضحة بيِّنه : تعرف ، إتباع ، حب . ما موقفك مع القرآن الكريم ؟ ثلاثة أمور : تلاوة تتوجه للفظ بالعناية ، وقراءة تتوجه للمعنى ، وتدبر يتوجه إلى التطبيق . ما علاقتك بالناس ؟
﴿ وقولوا للناس حسناً البقرة : 83 فإن كانوا مؤمنين فهم إخوتنا نحبهم وننصحهم ، وإن كانوا مسالمين وغير مؤمنين فسبيلنا معهم دعوة بالتي هي أحسن ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإن كانوا معتدين مقاتلين سبيلنا معهم قتال ، فقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . ما موقفك مع المال : كسبٌ وإنفاق ؟ أما الكسب فمِن حلال ، والإنفاق ففيما يرضي الله ، العلاقة واضحة . ما علاقتك مع الوطن الذي تعيش فيه : حماية ورعاية ، أحميه من كل مكروه وأطوره . ما موقفك أيها الإنسان مع الأنبياء ؟ لا نفرق بين أحد من رسله ، نؤمن بهم جميعاً . ما موقفك أيها الإنسان مع كل هذا الكون ؟ هذا الكون سخره الله لي من أجل أن أكون لله عبداً ، حينما أستخدمه حينما أسخره . القضية واضحة في العلاقات والمواقف ، ويوم كانت المواقف غائبة وغامضة وغير واضحة حينها ابتعدنا عن سُدَّة النجاح وقمة السيادة ، وأصبحنا تبعاً رعاعاً ، وأصبحنا همجاً لا قيمة لنا ، نحن في حقنا لسنا واضحين ، وهم في باطلهم واضحون ، أفلا يجدر بنا أن نثقف أنفسنا لنكون واضحين !
ما موقفك مع المقدسات ؟
﴿ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الحج : 32 المسجد الأقصى مقدس وبالتالي يجب أن يكون معظماً ، وعلينا حين نسمع دولة ما تسعى لتهدميه كما تسمعون اليوم أو تسعى لتقويضه أو تسعى لتخريبه فعلينا أن نسعى جميعاً مسؤولين وشعوباً وحكاماً ومحكومين للدفاع عن مقدساتنا ، لأنها رموز ، والإنسان يحتاج إلى رمز ، ولا تستهين برمز من رموزك ، فالاستهانة بالرمز سيؤدي بك على أن تستهين بالمرموز ، إلى أن تستهين بالمعاني ، إلى أن تستهين بالقيم ، قال ربي عز وجل عن بيت المقدس : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله الإسراء : 1 وقال صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى " علينا أن نحمي المقدسات يا أبناء الإسلام ، يا أبناء المسجد الحرام ، يا أبناء المسجد النبوي ، يا أبناء المسجد الأقصى . قال الإمام علي كرم الله وجهه عن المسجد الأقصى قال : " نعم المسكن بيت المقدس ، القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله ، وليأتين زمانٌ على أحدكم يقول : ليتني كنت تبن في لَبِنة من لبنات بيت المقدس " لأن هذا المكان موعد الخلافة المنتظرة ومحلها ، لأنه جاء في الأثر : " من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس " . موقفنا مع الشعائر حماية وتعظيم ، ولذلك نستنفر الأمة بقضِّها وقضيضها ، بكل قدراتها وإمكانيتها لتقف سداً منيعاً من أجل أمرين :
الأول : أن تمنع أعداء الله من أجل أن يقتربوا إلى المسجد الأقصى ، من أجل أن يَمَسُّوا المسجد الأقصى والبيت المقدس بسوء .
والأمر الثاني : أن يسعى الناس المسلمون جميعاً إلى تحرير بيت المقدس من أعداء الإنسان ومن أعداء الإسلام ومن أعداء القيم ومن أعداء الفضيلة ومن أعداء الطهارة ومن أعداء الخير . موقفنا واضح لذلك يا شبابنا تمتعوا بالوضوح ، إن سئلتم من أنتم ؟ فقولوا بوضوح من أنتم ، من تحبون ؟ حياة لا تنسجها خيوط الوضوح تستحق لا أن تكون حياة وأن لا توصف بالحياة . جاء في ما كتبه أبو يعلى أن رجلاً حكيماً في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُدعَى أكثم بن صيفي قال لجماعته وفي رواية لأولاده : إن رجلاً ظهر هناك في مكة فاذهبوا إليه واسألوه مايلي : ما أنت ، ومن أنت ، وما الذي جئت به ؟ ثم أخبروني . فذهبوا إليه وقالوا له : من أنت ، وما أنت ، وما الذي جئت به ؟ تعلموا يا شبابنا من تلك القصة وضوحكم في الإجابة على هُويتكم وشخصيتكم منهاجكم . من أنت يا محمد ؟ قال : وهذا أعده سؤالاً شخصياً قال : " أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ... " إلى آخر النسب الشريف ، " وأما ما أنا - وهو سؤال الهوية - فأنا رسول الله وأنا عبده ، وأما الذي جئت به قرأ عليهم صلى الله عليه وآله وسلم :
﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون النحل : 90 وطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيد هذه الآيات حتى حفظوها ثم عادوا إلى أكثم وقالوا له : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب من حيث الشخصية ، وهو عبد الله ورسوله من حيث الهوية ، وأسمعوه الآيه التي ذكرها النبي لهم ، وقف أكثم ثم قال : ارجعوا فآمنوا في هذا النبي وكونوا في هذا الدين رؤؤساً ولا تكونوا فيه أذناباً ، فإنه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن سفاسفها " عما لايليق بالإنسان أن يتخلق به . ارجعوا فآمنوا . هل نحن في هذا الدين رؤوساً أم أذناباً ؟! وأريد ان يسأل كل واحد منا نفسه ، ولعلنا إذا أجبنا أنفسنا وقلنا إننا أذناب سنسأل أنفسنا السؤال التالي : لماذا أصبحنا أذناباً ولم نكن رؤؤساً ؟ لأننا جهلنا ديننا ، لأننا لم نكن واضحين ، لأنني لا آمن منك أنت أخي في الجامع ولا تأمن مني أنت الذي تدخل إلى الجامع ، لأنك تحقد علي وأحقد عليك ، لأننا وفرنا الحقد على أن نوجهه لأعداء الله فجعلناه فيما بيننا ، من أجل هذا أصبحنا أذناباً ولم نكن رؤؤساً . يا أبناء أمتي : إلى الوضوح في المنهاج والمعيار ، إلى الوضوح في الأسلوب ، إلى الوضوح في المواقف . عند ذلك سنعيش في أمان وسنكون في الدين رؤؤساً . إلى الوضوح في المواقف قبل أن يستغل غيرنا عدم الوضوح فيما بيننا فينسب لبعضنا قتالَ بعضنا ، تدمير بعضنا ، وسنصدقه لأنك مشروع من مشاريع الحقد علي ولأني مشروع من مشاريع الحقد عليك ، وبالتالي يتدخل العدو لينفذ مآربه ، وينسب هذا الذي نفذه لأخيه ما دام تصرف أخيك يحتمل هذا . انظروا إلى ما يحدث في العراق ، انظروا إلى ما يحدث في فلسطين من اختلافات بين المله الواحدة ، أصبح الأخ يهدد أخاه ، وأصبح الأخ يعتدي على أخيه ، ويأتي عدونا ليتستغل هذا الأمر وإذ به ينشب أظفاره بيننا وينسب هذه الأظفار إلى بعضنا والوضع يتحمل . بئسما نعمل وبئسما ما نتصرف . على الوضوح يا أمة الوضوح ، يا أتباع النبي الشمس الساطع الضياء : ﴿ قد جاءكم من الله نور المائدة : 15 وجُلّ المفسرين على أن النور محمد ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام المائدة : 15-16 .
اللهم إنا نسألك وضوحاً في ارتباطنا ، ووضوحاً في منهاجنا ، ووضوحاً في أسلوبنا ، ووضوحاً في علاقاتنا ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق