آخر تحديث: الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020
عكام


خطبة الجمعة

   
ملامح الشباب المسلم المنشود

ملامح الشباب المسلم المنشود

تاريخ الإضافة: 2007/03/16 | عدد المشاهدات: 4175

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون إن شاء الله:

حينما يحاول الإنسان المسلم اليوم وصف مجتمعه الراهن، وصف شرائحه وصف أطيافه وصف أقسامه يرى أن أهم شريحة وهي الشباب أصابها ما أصابها من سوء فالترهل ضاربٌ أطنابه، والتسيّب يفعل أفاعيله، والمجون واللهو غير المباح يسيطر على التصرفات والأعمال والأحوال، والضياع يكاد يكون الحكم الذي يلف الكثيرين من أفراد هذه الشريحة، تلاحظون معي هذا الذي قلت وبالتالي عندما نستذكر قول من يقول بأن الشباب هم عمدة المجتمع فإن كانوا على مستوى صحيح وجيد مادياً ومعنوياً كان المجتمع جيداً، وإن كانوا -لا سمح الله- على حالة غير مرضية فالمجتمع يأخذ حكمه من حكمهم، لذلك دعوني في هذا اليوم أتوجه إلى شباب أمتي وأعني بالشباب كل أولئك الذين يمتلكون الصحة والعافية، لن أنظر إلى العمر والسن ولكن أنظر إلى حالتك الصحية سواء كنت ممن بلغ العشرين أو الخمسين أو السبعين المهم أن الشباب تعني حالة صحية جيدة.

فيا شباب الأمة، هل تعرفون ملامح شبابٍ منشود ؟ وبالتالي هل تريدون أن تضعوا في أذهانكم هذه الملامح حتى تسعوا من أجل التحلي بهذه الملامح والاتصاف بها وجعل أنفسكم تتحلون بها ؟ سأعرض عليكم صفات شباب منشود وعليكم أن تقارنوا ما أنتم عليه وبين هذه الصفات التي أراها صفات لشباب منشود نتطلع إليه.

أكرر أننا أصبحنا نرى اليوم الشباب الضائع والشباب المتسكع والشباب اللاهي والشباب المنعتق عن المسؤولية والشباب الذي لا يبحث إلا عن مصلحة أو منفعة موهومة عاجلة والشباب الذي يبحث عن دنيا صغيرة جداً يبحث عن منصب لا يقدم له سوى المتاعب التي لا تقدم ولا تؤخر بالنسبة للمجتمع إن لم أقل بأنها تؤخر.

سأعرض عليكم صفات الشباب وعليكم أن تقارنوا:

الصفة الأولى للشباب المنشود: إيمان بالله راسخ لا يتزعزع. انظر أيها الشاب إيمانك بربك، هل إيمانك بالله راسخ لا يتزعزع ؟ تصور لو أنك عرضت على فتنة تريد إيمانك هل تتنازل عن إيمانك بالله أم أنك دائماً تسأل الله العافية لأنك غير قادر على أن تجابه أي فتنة سواء أكانت صغيرة أم كبيرة باعتبار أن الإيمان الذي يحتوي عليه صدرك إيمان ليس براسخ ؟ أوما قرأت قول الله عز وجل: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، إيمان راسخ لا يتزعزع، هل أنت تتصف بهذه الصفة ؟ أسأل الله ذلك، تذكر أيها الشاب قصة لطالما كررتها على هذا المنبر، قصة أولئك الذين هددهم فرعون بالقتل، هددهم فرعون بتقطيع الأعضاء قال لهم: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم إن لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى. قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾ تذكروا أن الصفة الأولى للشباب: إيمان راسخ لا يتزعزع.

أما الصفة الثانية: فإخلاص قوي لا يعرف المصانعة ولا المراءاة. الإخلاصَ الإخلاص، هل تخلص في عملك إن كنت تعمل ؟ هل تخلص في قولك إن كنت تقول القول الحسن ؟ هل أنت صاحب إخلاص يتجه إلى رب العباد بلسان حال: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي لا أقصد إلا أنت ولا أتوجه إلا إليك ؟ هل أنت على اطلاع مبصر بقول الله عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ ؟ أم أن لك سريرة في هذه السريرة تفعل ما لا يفعله المخلصون ؟ أم أن لك سريرة تخالف العلانية ؟ أريدك أن تتنبه أيها الشاب إلى صفة ثانية في شباب منشود هذه الصفة هي الإخلاص الذي لا يعرف المصانعة ولا المراءاة. لما قُدم على سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه -كما يقول صاحب كتاب أخبار عمر- بسيف كسرى غنيمة وبزينة كسرى نظر سيدنا عمر إلى هذا وقال: "إن قوماً أدّوا هذا لذووا أمانة!" ولا أحد يطلع عليهم إلا الله وقدموه على أنه حق لله ولرسوله ولولي الأمر يضعه حيث أمره الله. لذووا إخلاص فانطلق سيدنا علي رضي الله عنه ليقول له: "عففت فعفت رعيتك" أخلصت يا عمر فأخلصت رعيتك، أديت الأمانة يا عمر فأدت رعيتك الأمانة.

الصفة الثالثة: دعوة إلى العمل الدؤوب. نريد عملاً، نريد فعلاً، نريد إنتاجاً على أرض الواقع، نريد أن يعمل شبابنا حيث يسر الله لهم أن يعملوا، أنا لا أريد من شبابنا أن يعمل جميعهم في مجال واحد ولكن أريد حيثما كان الشاب أن يكون عمله متقناً وأن يكون صاحب إقدام في عمله ومثابرة، أوما سمعت أيها الشاب قول الله عز وجل: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ أما أنت اليوم فمم تفرغ ؟ ومن أي شيء تفرغ حتى تعاود الكرة في هذا العمل، الترهل كما قلت في البداية أصاب شبابنا، التسيب أصاب عقولهم وأبدانهم وجوارحهم حتى خلتهم طاعنين في السن يكاد أن يعينهم الناس، حتى خلتهم حيارى تائهين يسيرون لا كما يسير صاحب الهدف وصاحب الغاية بل يسيرون وكأن الدينا بكل ما فيها من حيرة وكل ما فيها من اضطراب حلّت محلَّ رؤوسهم وأصبحت الدنيا رؤوسهم وقدموا الدنيا هدية مجانية لأولئك الذين يلعبون بها كيفما يشاؤون، يا أمة الإسلام العمل الدؤوب وإني لأذكر يوم وقف عقبة بن نافع على حافة بحر الظلمات وهو المحيط الأطلسي اليوم وقف على حافة البحر وقال هذه الكلمة: "اللهم رب محمد" تعلموا مثل هذا الكلام وإن كنا قاصرين عن قوله في ميدانه ولكن نأمل أن نفعِّل هذا الذي نعلم حتى نصل إلى مرحلة قوله وقت اللزوم "اللهم رب محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا ولو أني أعلم بلاداً خلفه لخضته، اللهم اشهد".

السمة الرابعة للشباب المنشود: الشجاعة والتضحية. أين الشجاعة اليوم على نفسك ؟ أين الشجاعة على أهوائك الرخيصة ؟ أين أنت من قول الله عز وجل: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ ؟ أين أنت، وهل قرأت يوم وقف سيدي وسيدك وسيد الدنيا عليه وآله الصلاة والسلام في غزوة حنين وهو يردد قوله: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ؟ فهل أنت قادر على أن تقول وبشجاعة الشاب الذي يريد أن يحقق غايات نافعة للإنسانية كلها: أنا المسلم لا كذب، لا كذب مني علي، ولا كذب من الآخرين علي، لأنهم لا يستطيعون أن يكذبون أما وأني أعمل فأين الكذب إذن ؟ فيا أيها الشاب: الشجاعةَ والتضحيةَ فهل أنت شجاع ومُضحٍ من أجل مبدئك ؟ أنا لا أتحدث عن جهاد وقتال لكنني أتحدث عن تضحية رخيصة، هل أنت على استعداد من أجل أن تضحي بلهو مباح أو بلهو غير مباح من أجل دينك ؟ هل أنت على استعداد من أجل أن تضحي بمنفعة موهومة ؟ هل أنت على استعداد من أجل أن تضحي بكلمة تكذب فيها فتبتلع هذه الكذبة حتى لا تكتب كذاباً من أجل أن تحفظ دينك ؟ إني لأرى الأمر يكاد يقترب من الخط الأحمر ومن الحد الأخطر.

كلنا يقرأ قصة خُبيب ولا أريد أن أذكرها لكنني أذكر هنا هذين البيتين:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً             على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ             يبارك على أوصال شلو ممزع

قرأت قصة عن قتيبة بن مسلم الباهلي ذاك الرجل الذي فتح الصين، جاءه من يقول له: لقد أوغلتَ في بلاد الصين والحوادث بين أجنحة الدهر تُقبل وتُدبر. فأجابة قتيبة: "بثقتي بنصر الله توغلت وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة".

نحن أمة آمنا بالقدر من أجل أن يكون القدر دافعاً لنا للشجاعة والتضحية ولم نؤمن بالقدر من أجل أن يكون القدر مبرراً لأفعالنا الكسولة المخالفة، لم نؤمن بالقدر من أجل أن نقول لو أراد الله أمراً لنفَّذه أتريدني أن أعمل بما يخالف أمر الله وقدره ؟ وأنت عندما تقول مثل هذا الكلام تقترب من ساحة أو من صفة اسمها الكذب لأنك لا تعلم ما أخفاه الله لك وإن إيمانك بالقدر ينبغي أن يجعل منك إنساناً قوياً جلداً شجاعاً قوياً مقداماً.

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد                 لنفسي حياة مثل أن أتقدما

السمة الخامسة لشبابنا المنشود: العلم والمعرفة. لا أريد أن أشرح هذه الصفة أكثر مما كنت قد شرحته هنا على هذا المنبر يوم حدثتكم عن جهالة انبثقت فينا وصارت فينا صفة لازمة لا تنفكّ عنا، عن جهالة أضحت عنواننا، عن جهالة أضحت أرضنا التي نمشي عليها، وأضحت جدراننا التي نرتكز إليها وأضحت غيومنا التي تمطرنا بنتائج الجهل. ونتائج الجهل ضياع، ونتائج الجهل استعمار، ونتائج الجهل قتال فيما بيننا، ونتائج الجهل اعتداء منا على بعضنا، ونتائج الجهل لا حدّ لها وكلها في الرذائل مغروسة، وكلها في أرض الفساد موضوعة، فيا شبابنا إلى العلم، وأذكرك هل تقرأ ما أعتقد ولا سيما أولئك الذين قدر الله لهم على سبيل المثال أن يكونوا أصحاب مهنة فهؤلاء لا يقرؤون ولا يعرفون اللغة العربية ولا يعرفون كتاباً يضعونه بين أيديهم ولا يخطر ببالهم في يوم من الأيام أن يشتروا كتاباً ليقرؤوه في بيوتاتهم وحسبهم وهذا ما يقوله لهم الشيطان حسبهم أن يقفون أمام التلفاز ساعتين أو ثلاث ساعات وبالتالي فهم مثقفوا تلفاز، والتلفاز كما قلت لكم إنه لا يعلِّم وليس وسيلة تعليم وأنا أتكلم عن تلفاز يعيش بيننا وأنا أتكلم عن هذا، فأين القراءة وأين المتابعة وأين العلم وأين الدراسة ؟ لقد تقاعست عن العلم في سن مبكرة إذاً لا عليك ولمَ العلم ؟ ولمَ الدراسة ؟ ولمَ الثقافة ؟ لمَ هذا كله فهذا يتعبك ؟ انظروا محاضراتنا وندواتنا يُدعى كثير من الناس لمحاضرة حول قضية مركزية حول اليهود حول القدس حول تاريخ فلسطين حول تاريخ سورية توزع الدعوات هنا وهناك توضع الدعوات في المساجد توضع في المديريات العامة، وحضرت مرة محاضرة لأستاذ جامعي كبير وقدير محاضرته كانت بعنوان القدس وتاريخ القدس عن اليهود عن تاريخ أعدائنا عن تاريخ الصهيونية، أتدرون كم كان عدد الحضور ؟ كان عدد الحضور سبعة عشر شخصاً بما فيهم أولئك الذين يعملون في هذا المركز الذي أقيمت فيه المحاضرة، أما إذا كان الأمر يتعلق بضياع لوقتنا وبضياع لأحوالنا فهناك سيكون الزحام، انظروا المقاهي مساء صباح وأنا لا أتكلم عن المقاهي باعتبارها حراماً أو حلالاً لكنني أتكلم عن المقاهي باعتبارها مضيعة للأوقات من هذه الناحية، باعتبارها تجمع الشباب الضائع اللاهي، يجلس الشاب في هذا المقهى ساعة ساعتين ...ثم يخرج وهو يقول له معاهداً سأعود لك في اليوم التالي وسأقضي فيك أكثر مما قضيته اليوم من وقت، وهكذا يمر اليوم تلو اليوم وهو لم يستفد من وقته وهو ينسى أنه سيدعى إلى جلسة مع رب العزة جلت قدرته ليسأله عبدي أين أفنيت عمرك ؟ هل ستقول لربك إني أفنيت عمري – أنا لا أتكلم عن حرام أتكلم عن مباح ربما – هل ستقول لربك أفنيت ثلاث ساعات من اليوم الفلاني في المقهى يا رب أنا لم أتكلم غيبة أو نميمة ولكنني أضعت الوقت وذبحته بيدي من غير أن أودعه أمراً نافعاً لي أو لمجتمعي الذي أعيش فيه.

يا أمتي أنت اليوم أمة جاهلة لكنك تحبين الادعاء السياسي والمعرفة السياسية وتحبين الادعاء الاقتصادي والمعرفة الاقتصادية لكنك في الحقيقة لا تفقهين شيئاً من هذا ولا ذاك إلا من رحم الله وأنا لا أتكلم عن قسم لا يمكن أن يتشكل الحكم الإيجابي على أساسها أو على اعتبارها، فيا شبابنا هيا إلى العلم والمعرفة.

الصفة السادسة: نحن لا نريد لشبابنا ألا تكون لهم هوايات أو ألا يمارسوا اللهو المباح ولكن ليكن هذا اللهو المباح من أجل جِدٍ يدفع هذا اللهو، أما أن تكون الحياة كلها لهواً مباحاً فقل لي بربك أخلقت من أجل هذا ؟ ما لهذا خُلقت، نحن ندعو إلى سباحة وإلى رماية وإلى ركوب الخبل وإلى رياضة نظيفة وإلى وسيلة نظيفة من أجل غاية نبيلة، لكن لا نريد أن تتحول هذه الوسيلة النظيفة على الرغم من نظافتها إلى غاية بحد ذاتها.

لقد تحولت الرياضة إلى غاية بحد ذاتها، وأصبح شبابنا ينتظرون السنة والسنتين والأربع سنوات من أجل البطولة الفلانية والبطولة الفلانية وقد أصبحت الرياضة غاية بحد ذاتها تنقضي بطولة العالم للأمر الفلاني وتأتي بطولة القارة الفلانية للأمر الفلاني وتنتهي هذه البطولة لتأتي بطولة العالم الفلاني والكأس الفلاني والرئيس الفلاني وشبابنا يقولون عن أنفسهم بأنهم يتابعون الرياضة والإسلام حض على الرياضة، الرياضة يا شبابنا وسيلة من أجل صلاة خاشعة، الرياضة وسيلة من أجل علم نافع، الرياضة وسيلة من أجل جهاد للعدو مشروع، الرياضة وسيلة من أجل حركة إيجابية من أجل دراسة من أجل مهنة تقدم من خلالها خدمة للمجتمع الذي تعيش فيه أما أن تتحول الرياضة إلى غاية أما أن تتحول الوسائل النظيفة – وأنا لا أتحدث عن الوسائل القذرة – إلى غاية فتلك كارثة.

أرأيتم إلى ملامح الشباب المنشود ؟ هذا ما أريد أن تعيشوه: إيمان راسخ لا يتزعزع، إخلاص لا يعرف المصانعة ولا المراءاة، عمل دؤوب مستمر، شجاعة وتضحية، علم ومعرفة، لهو مباح هو وسيلة نظيفة لغاية نبيلة والغاية النبيلة عبادة لله تفترش كل مساحات الحياة، تفترش الهندسة والطب، تفترش الاقتصاد والتجارة، تفترش الثقافة والمعرفة، تفترش الزراعة والصناعة والتجارة، تفترش كل شيء يقوم به الإنسان ولا ينقص هذا الشيء من إنسانية الإنسان شيئاً.

اللهم رد شبابنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم هيئ لشبابنا من أمرهم رشداً يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 16/3/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق