آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
شهداء على العصر

شهداء على العصر

تاريخ الإضافة: 2001/10/19 | عدد المشاهدات: 2643

أمَّا بعد، أيُّها الإخوة المسلمون :
ويبقى الكلام صعباً في الأزمنة الصعبة ، ويحار الإنسان وأمامه الأحداث تَتَتابع تترى ، عن أي حدثٍ يتكلم ، وعلى أي شئٍ يعلق ؟ لكنه في النهاية إن كان مسلماً لا يَسَعه قبل الحديث وبعده إلا أن يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل . ويفكر في هذه الكلمة التي هي آية في كتاب الله عز وجل ، ويقول: يا وليَّ الإسلام وأهله ثبتني به حتى ألقاك ، ويقول : اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه وحببني فيه ، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه وكرهني فيه ، ويقول : اللهم إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي ، ويقول : اللهم أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، ويقول : اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم وإذا أردت في قوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين . 
وبما أن الحديث صعبٌ في الزمن الصعب ، أحببت أن أسجّل ما أقول على ورقة ، وأريد تدعيم الأمر بوثيقتين ، لا سيما والعالم العربي اليوم يحتفل بيوم الوثيقة ، فلنوثِّق حتى نكون شهداء على العصر ، فإن كنا كذلك بأمانة وصدق تتابع التاريخ بشكل أمين ، وإلا فلا أمانة إن لم نوثق . 
اسمحوا لي أن أقرأ عليكم تعليقاً على الأحداث التي نمر بها : 
مر منذ أيام اليوم العالمي للطفل ، وكان بودِّي أن يحتفل العالم بالطفل ، بَيْدَ أن الأمر كان على العكس تماماً ، فقد قُتِّل أطفال هنا وأطفال هناك ، بسلاح النار تارة ، وبالأمراض أخرى . فأين الإنسانية يا دعاة الحضارة ، ويا طلاَّب السلام ، فمن أجل الأطفال الذين هم البراءة والطهر والعفاف والصفاء والنقاء : أوقفوا الدمار ، وسأبقى أُصرُّ - يا أطفال العالم - على تقديم الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنموذجاً إنسانياً أَمثَل لكل إنسان على وجه البسيطة ، لكل إنسان ساعٍ إلى خير وداعٍ إلى فضيلة وبانٍ لحضارة وقائم بعدالة .
واسمع أيها العالم ما قاله النبي يوماً حسب ما جاء في البخاري : " إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز - أي فأسرع - لأنهي الصلاة لِمَا أعلم من وَجْدِ أمه عليه " ، ووقف مرة عليه الصلاة والسلام يخطب خطبة الجمعة فرأى الحسين ، وكان الحسين طفلاً يتعثر ، فنزل من على المنبر وحمل الحسين وصعد به المنبر وأتم الخطبة وقال : " إن بكاءه يؤذيني " . لقد دخل في الصلاة وهي الفريضة العظمى التي يجتمع في أدائها مع الله فأسرع في إنهائها من أجل بكاء طفل اشتغلت أمه عنه بالصلاة حتى تعود الأم إلى طفلها ويعود طفلها إليها . 
فيا عالم الحضارة المجروحة اليوم - وأسميتها كذلك نقلاً عمن حاز جائزة نوبل إذ سمى الحضارة الغربية اليوم بالحضارة المجروحة - والجرح فيها كبير ، ويا صناع القرار : ما بالكم تسمعون أنين الأطفال وبكاءهم وتوجعهم ، وترون دماءهم البريئة الطاهرة تسيل فلا توقفون الحرب ، ولا تُنهوها بسرعة ، وشتان بين الحرب التي هي طارئ عاجل ، لا تباشر إلا لإنقاذ غير ، وهي اليوم غير ذلك ، وبين الصلاة الفريضة الجامعة للعبد بربه ، وأظنكم فهمتم قصدي . 
رسول الله يسرع في إنهاء الصلاة لأنه سمع بكاء طفل ، ونحن لا نسرع في إنهاء الحرب والآلاف من الأطفال تبكي ، وآلاف أخرى تئن ، وآلاف تقتل ، فأين دعاة الحضارة ؟؟ سأبقى أصرُّ - يا أطفال العالم - على تقديم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنموذجاً أمثل ، وأسوة أروع ، وقدوة أعظم ، من أجل تلك الحضارة اليوم ، من أجل المسلم وغير المسلم . 
إنها صرخة مريدٍ للخير ، يطرح ويقدم النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام من أجل الاستفادة منه ، ومن أجل الحرص على أن تكونوا أتباعاً له . فبحق الطفولة البريئة ، وباسم الأطفال الذين ينتظرون حياة سعيدة خيرة . عد إلى رشدك أيها العالَم وأيها القائمون عليه بكل أشكالكم ولغاتكم وآرائكم وأديانكم وأفكاركم
( فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله )
أيتها الولايات المتحدة الأمريكية : أنت دولة عظمى كما يقال ، تملكين التقنية والتكنولوجيا التي لا تبارى ، والسلاح الذي لا يجارى ، والثقافة التي غدت - حسب تعبير مثقفيكِ - ضرورةً لا غنى عنها للإنسان الأخير في نهاية التاريخ كما ذكر كاتبك الأمريكي في كتابه : نهاية التاريخ والإنسان الأخير ، فما بالكِ تصرين على أن تظهري أمام الناس بخلاف ذلك كله ، فها أنت بالرغم من كل ما تدَّعين متسرعةٌ متخبطةٌ طائشةٌ جاهلةٌ حمقاء متردية . أين التأني الذي يجب أن تفرزه الحضارة والثقافة والقوة ؟ أين التأني في التعرف والتحقق ؟ أين أساليب الحوار ؟ أين تناول المجرم دون غيره من الأبرياء؟ أين رباطة الجأش في المعمعة ؟ أين الاستعداد لمواجهة الطوارئ بحزم وعلم ؟ وإن لم تكن الحضارة حزماً وفهماً وعلماً فماذا هي ؟! وأين الوحدة الضرورية بين رأي الشعب والحكومة والخلاف مستفحل بينكما . وما أبغيه من جواب بعد كل هذه التساؤلات هو أن تَرْعَوي - أيتها الولايات المتحدة - وقد رأيتِ نفسكِ في الشدة غير ما كنتِ تدعينه أمامنا من أنك صاحبة مواقف وعلوم تفضي إلى خير وفضيلة وسلام واحترام الإنسان والطفل والبرئ . ما أبغيهِ من جواب هو أن ترعوي عن الكبرياء القاتل لصاحبه ، ويرعوي أذنابك عن الاحتماء بك وقد هَرَّبتكِ حفنة صغيرة جداً من مادة بيضاء مجهولة التركيب ، هربتك من قصور التشريع ، من مجالس النواب ، من معامل السياسة ، وما أظن أن أحداً ممن يقتدي بك من أذنابك لو دعوتِه الآن ليزور مجلس الشيوخ ، ما أظن أنه سيستجيب ، لأنه يخاف على نفسه ، وقد أدرك أنكِ غير قادرة على حمايته ، لأنك لا تحمي نفسكِ . لن يأتوا إليك بل سيعتذرون بحق بلدهم عليهم ، وهم الذين ضحوا ببلادهم من أجلكِ أنتِ فأين الوفاء ؟! إني لأذكر الشيطان إذ يتبرأ من أتباعه يوم القيامة ( وما كان ليَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ ) . 
يا جميع من يباشر القتال : نناشدكم إنسانيتكم إن كنتم غير مؤمنين بالله ، ونناشدكم الله إن كنتم مؤمنين بالله أن تتحلَّوا بآداب القتال ، وأن لا تقتلوا بريئاً ، ولا تقلعوا شجرة ، ولا تغدروا ، ولا تضربوا شيخاً ، ولا تقتلوا امرأة ، ولا تبطشوا بطش عشواء ، كما نناشد العالَم كله أن يستبدل بالحرب السلام ، أن يستبدل بالحرب الظالمة السلام العادل ، وبالحرب المدمرة الصيغ البانية ، وبالحرب الفاجرة اللقاء الآمن ، على أساس من العدل واحترام الحقوق . نناشد المسلمين بشكل خاص في العالم كله : أن لا يكون بأسهم بينهم شديد . يا مسلمون : تذكروا أنكم مُبتلون بالبأس الشديد فيما بينكم ، فأبعدوا عن أنفسكم هذا الابتلاء ، وأذكركم بأحاديث عن سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول : " ما الفقر أخشاه عليكم ، ولكن أن تفتح عليكم الدنيا ، فتنافسوها فتهلككم كما أهلكت من كان قبلكم " وأذكركم بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً الذي قال كما يروي مسلم : " إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب لكنه رضي بالتحريش فيما بينهم " ، وأذكركم بما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن النسائي : " وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " ، ولعل قائلاً يقول بناء على هذا الحديث : إذا كان رسول الله قد سأل ربه أن لا يجعل بأس المسلمين فيما بينهم فمنعه إياها ، فكيف نستطيع أن ندفع هذا الابتلاء ؟ أقول : الحديث هذا في أوله : " سألت ربي ثلاثة أمور فأعطاني اثنين ، ومنعني واحدة . سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالخسف فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " والشرح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل ربه أن لا يهلك أمته بالسنين فأعطاه الله ذلك فضلاً أي من محض الفضل ، وسأله أن لا يهلك أمته بالخسف فأعطاه ذلك فضلاً أيضاً ، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فضلاً أيضاً منه ، فمنعه إياها فضلاً وكلَّفهم بها عدلاً ، فلا بد من العمل ، فهو محل تكليف ، ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) ، ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ، " كل المسلم على المسلم حرام " . إذاً منعنيها على سبيل الفضل وكلفني بها على سبيل العدل ، فهي محل تكليف ، وهي بمقدورنا لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، هي بمقدورنا . فهيا إلى هذا التكليف الأهم بين سائر التكليفات ، لأن تكليف الاعتصام والجماعة والوحدة هو التكليف الأهم ، ولأن إسلامنا إنما يُقبل بشكل أكبر إذا قُدم على أنه ينظم جماعة ويقدم مجتمعاً ولا يبقى في حدود الأفراد لإصلاحهم . 
أخيراً : أما أنتِ يا إسرائيل اللعينة الظالمة ، فورب الكعبة أيتها الدولة غير الشرعية : إنكِ لغُدَّةٌ سرطانية وأنت الشيطان الخبيث الذي يقف وراء كل الخبائث والفظائع بشكل مباشر أو غير مباشر ، تتنكَّرين لله وللتاريخ وللحق وللإنسانية ، فلا تعترفين بشرعه وتكتمين الحق وأنت تعلمين ، وتكتبين الكتاب بيديك الأثيمتين وتقولين هذا من عند الله ، وتتنكرين للتاريخ فتقولين كذباً إنك صاحبة الحق في فلسطين ، والتاريخ يقف بكل صراحة ليكذبك بكلتا يديه ولا تعترفين ، وتتنكرين للحق فلا تؤمنين بكتاب سماوي صحيح ، ولا تعترفين بقرارات الشرعية الدولية والمبدئية الفطرية ، وهاهم الساسة في كل العالم من كثرة ترديدهم للقرارات الشرعية المواجهة لإسرائيل قد يئسوا من ترديد أرقام هذه القرارات /228/ ، /242/ لقد نُسيت هذه القرارات التي تدين إسرائيل والتي تقول لإسرائيل : لا حق لك في فلسطين ، وتتنكرين للإنسانية فهاأنتِ تقتلين الأبرياء والأطفال والنساء عدواناً صريحاً وطغياناً آثماً ، وتجرفين الأراضي وتقتلعين الأشجار ، فقد قتلتِ منذ سنة وإلى الآن /700/ شهيد ، بينهم أكثر من /200/ طفل ، وتجرحين أكثر من /30000 / من الفلسطينيين ، بينهم أكثر من /600/ طفل ، وتعيقين أكثر من /3000/ بينهم أكثر من /150/ طفلاً . أنتِ لست دولة وهذا حق ورب الكعبة ، أنت لست دولة شرعية ، بل كيان آثم ووجود مجرم ، ولئن قُتل منذ يومين وزير سياحتكِ فإننا نأمل - وليس هذا حباً للدماء - ولكن من أجل أن نقضي على الظلم ، فمن اقتص من الظالم ليس بظالم ، ونأمل بعد هذا أن يأتي دور الوزير الآخر والآخر ، دور شارون وبيريز والآخرين ، نأمل منكم يا أبناء الانتفاضة أن تتناولوا الرؤوس ، غير آبهين بكل التهديدات التي يطلقها هؤلاء الفجرة الكفرة ، لأن الحق ليس معهم ، وبالتالي لا تعدوا أن تكون تهديداتهم سوى أصوات رعناء تريد أن تسكت الحق ، ولكن الحق لن يسكت ، وأنصحكم أن لا توقفوا الانتفاضة ، إلا عندما يعلن هذا المحتل الآثم رحيله عن أرض فلسطين .فإذا ما أعلن رحيله عن فلسطين يمكن حينها أن نوقف الانتفاضة . وما عدا ذلك فلا تصدقوهم فهم كاذبون ، ادَّعَوا أنهم يريدون وقف إطلاق النار ، وأوقفها الفلسطينيون ، لكن الإسرائيليين قتلوا إبان العهود التي أبرموها الكثيرَ الكثير . إنهم يبنون المستوطنات التي لا حق لهم فيها منذ أوسلو وحتى اليوم أكثر مما بنوه منذ قرار التقسيم في / 1948 / وحتى اتفاق أوسلو /1993/ . إنهم شعب كاذب وحكومة فاجرة ، ولا نريد أن نكون أوفياء مع الظالم ، ولا أن نكون أصحاب عهود مع الظالم ، الظالم لا يُوفَّى ولا يعاهد ، ونحن على يقين بمصداقية حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل : " إذا خافت أمتي أن تقول للظالم أنت ظالم فقد تُودع منها " ، ويا إسرائيل أنت ظالمة مهما قال الآخرون ولو كانوا من أبناء جلدتنا غير ذلك فأنت ظالمة أيتها الدولة غير الشرعية . 
كما بدأت الحديث أعيده : هل من صلة مع الله تقومون بها في ليلكم ونهاركم ؟ هل أنتم جادون من أجل أن ترفعوا بحناجركم دعاء إلى الله تستلهمونه من آيات كتابه الكريم ؟ إذاً : قولوا معاً في سركم وإعلانكم : ربنا عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك . ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد . ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير . اللهم اجعلنا من أهل القرآن ودعاء القرآن ، نِعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت . 
أقول هذا القول وأستغفر الله . 

التعليقات

شاركنا بتعليق